23 يومًا من الرعب.. الدعم السريع يتبع أسلوبًا جديدًا للمجازر في مدينة بارا

بعد أن سيطرت قوات الدعم السريع للمرة الثانية على مدينة بارا بشمال كردفان في 25 تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، وقبل أن يتمكن الجيش من استعادتها للمرة الثانية في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، ارتكبت قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها في فترة سيطرتها الممتدة لـ حوالي 23 يومًا مجازر واسعة النطاق في المدينة والقرى المحيطة بها.

كان الهدف من تلك الانتهاكات، وفق شهود عيان ونشطاء محليون، الانتقام من مواطني المدينة الذين خرجوا إلى الشوارع للاحتفال باستعادة الجيش للمدينة يوم 11 أيلول/ سبتمبر الماضي، حيث جابت احتفالات المواطنين عند دخول الجيش شوارع المدينة وانتشرت الفيديوهات لجموع من المواطنين يلتفون حول الجيش.

وأفاد ناجون من المجازر أن أفراد الدعم السريع كانوا يتهمون الضحايا قبل إعدامهم بالاحتفال إلى جانب الجيش والظهور في الفيديوهات التي تم تداولها عبر الإنترنت، بجانب التهم الجزافية للمدنيين بالتخابر لصالح الجيش. وبالرغم من إدانات المنظمات الحقوقية كـ كمنظمة محامو الطوارئ، لانتهاكات الدعم السريع في بارا وبعض القرى المحيطة بها، إلا أن تلك المليشيات واصلت ارتكاب الفظائع.

ورغم خلو مدينة بارا (40 كلم عن الأبيض، 317 كلم عن الخرطوم) من أي حامية عسكرية تتبع للجيش السوداني، إلا أن لها أهمية استراتيجية كبيرة في تغيير مسار العمليات العسكرية بالنسبة للطرفين، فهي تقع على الطريق الرابط بين الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان وإقليم دارفور، وبالتالي فإن السيطرة عليها تغير مسار العمليات على اﻷرض وتؤثر على ديناميات النزاع وخطوط اﻹمداد بشكل كبير.

40 حالة عنف جنسي 

على مدى 23 يومًا في بارا، انتهجت الدعم السريع نهجًا مختلفًا في ارتكاب الفظائع في المدينة، وبالرغم من تزامن سيطرتها على بارا مع سيطرتها على مدينة الفاشر بشمال دارفور، حيث سيطرت على بارا في 25 تشرين الأول/ أكتوبر وعلى الفاشر في 26 تشرين الأول/ أكتوبر، إلا أن الدعم السريع عمدت التعتيم على المجازر التي ترتكبها في بارا، بل صادرت الهواتف الذكية من غالبية المواطنات والمواطنين بالمدينة حتى لا يتم توثيق ما ترتكبه، ولتخالف بذلك نمطها في توثيق انتهاكاتها والتباهي بها وهو الأسلوب الذي تتبعه منذ اندلاع الحرب.

وأعدمت الدعم السريع المئات من شباب مدينة بشكل جماعي وانتشرت الجثث في الشوارع والأحياء، كما منعت ذويهم من دفنهم لأيام، وسُجلت حالات اختطاف لـ فتيات من المدينة واقتيادهن لجهات غير معلومة. فيما كشفت الشبكة اﻹقليمية لنساء القرن اﻹفريقي “صيحة” في تقرير ارتكاب الدعم السريع لـ 40 حالة عنف جنسي تحت تهديد السلاح لنساء وفتيات في منازلهن، شملت الحالات الاغتصاب الجماعي والفردي، كما سُجلت حالات اعتداء على قاصرات داخل المدينة.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by نون بوست | NoonPost (@noonpost)

وما تزال أعداد المفقودين كبيرة ومقلقة، وأكد كافة من تحدثنا معهم خلال فترة إنجاز هذا التقرير أنهم قد فقدوا الاتصال بكل من كانوا في بارا بعد خروجهم منها، مؤكدين فقدان أقارب ومعارف وجيران لا يعرف أحد عن مصيرهم شيئًا.  

“سوف نقوم بتصفيتكم”

عقب سيطرة الجيش السوداني على المدينة تمكن “نون بوست” من الوصول لبعض الناجين من المجازر لسماع ما عايشوه ومروا به، وكيف تمكنوا من النجاة من بطش المليشيات بلا أدنى حماية في ظل تعتيم إعلامي رهيب. 

يقول خليل أحمد أحمد -أحد الناجين من المجزرة- إنه وأصدقاءه كانوا سويًا لحظة تعالي أصوات الرصاص بشكل جنوني في المدينة، وأنهم تمكنوا من دخول منزل أحد الجيران، كانوا في المنزل لساعات يسمعون أصوات الرصاص ولكنهم لم يظنوا أن الدعم السريع كانت تقتحم المنازل في ذلك الوقت إلى أن اقتحمت مجموعة منهم منزلهم. 

أول ما قاله الأفراد عند اقتحام المنزل الذي كان به خليل وأصدقاءه “لقد أحتفلتم مع الجيش والبرهان، سوف نقوم بتصفيتكم”، صادر أحد الأفراد هواتفهم وما يحوزون من نقود فورًا، فيما أُخذ أحد رفاقهم الذي كان يرتدي تيشيرت يشبه الزي العسكري للجيش وأعدم بـ 4 طلقات مباشرة لهذا السبب، فيما أُقتيد خليل ومن معه إلى ساحة المنزل وتم إطلاق النار عليهم بشكل عشوائي بعد وابل منّ الإساءات اللفظية والاتهام بالانتماء للجيش والاحتفال معه متجاهلين إثباتاتهم الشخصية التي عرضوها عليهم والتي تؤكد أنهم مجرد مواطنين مدنيين.  

أُصيب 4 من ضمنهم خليل الذي كان أوفرهم حظًا، وأصيبت يده، فيما نجا الباقون من الإصابة؛ وبعد حوالي ساعة قدمت قوة أخرى من الدعم السريع تبحث عن الهواتف والمال والذهب وقامت بضربهم بالعصي والحديد ضربًا شديدًا ثم أدخلوهم في أحد غرف المنزل وأطلقوا عليهم النار بشكل عشوائي، في تلك الأثناء توفي أحد أصدقائه متأثرًا بالنزيف.

عند حلول المساء توقف الدعم السريع عن اقتحام المنازل، في تلك الأثناء تمكن خليل وثلاثة من أصدقائه من الخروج من المدينة مشيًا على الأقدام حتى صباح اليوم التالي، وتخللت رحلتهم عُدة استراحات قصيرة حتى وجدوا عربة تقلهم إلى مدينة الأبيض. تمكن خليل من الحصول على الرعاية الطبية لكنه لا يزال يعاني من كسر وجرح عميق في يده التي أُصيبت بالرصاص.

تكتيك جديد

تقول فرح -اسم مستعار- إن الدعم السريع اتبع تكتيكًا مختلفًا في تنفيذه لـ مجزرة بارا، حيث تعمّد مصادرة كافة الهواتف الذكية من سكان المدينة لكي يقطع التواصل قدر الإمكان، كما لم يوثقوا هم الفظائع التي ارتكبوها بحق المواطنين. 

وفقدت فرح خالها في المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين في بارا حيث قتله عناصر الدعم السريع مع مجموعة من أقربائه وأصدقائه، والجدير بذكره هنا أنهم ليسوا شبابًا، حيث شكل إعدام الشباب تحديدًا بشكل جماعي نمطًا في فترة سيطرة الدعم السريع على المدينة، وتتابع فرح “تعمد الجنجويد إصابة خالي ومن معه في أماكن لا تقتلهم فورًا بل تجعلهم ينزفون ببطء حتى الموت، وقاموا كذلك بتعذيب النساء بمنعهن من إسعاف المصابين ودفنهم إذا ما توفوا، وأجبر الدعم السريع خالاتي على عدم إسعاف خالي حتى توفي متأثرًا بالنزيف بعد حوالي 15 ساعة، كما أجبرهن على تركه في المنزل حوالي 4 أيام قبل أن يمكنوا من دفنه”. 

وتقول فرح إن المواطنين يعانون دومًا نتيجة سيطرة أحد أطراف النزاع على المدينة، وتتم مُسألة المدنيين الباقين في المدينة مُسألة عسيرة والحكم عليهم بالتخابر لدى الطرف الآخر ما يفاقم معاناة المواطنين الباقين في المدينة لأسباب منها كبر السن، عدم الاستطاعة المالية، وعدم وجود أسر وأقارب خارج المدينة للجوء إليهم.

وخرج صوت فرح بصعوبة وهي تغالب دموعها قائلة “لقد بقي خالي في المدينة ورفض الخروج منها لأنه كان يريد أن يساند أقاربه وأصدقاءه الذين لم يتمكنوا من الخروج، وظل يناديهم ويئن إلى أن وافته المنية ووافتهم قبل وفاته عقب ذات الهجوم في أزمانٍ متفاوته”.

نزحنا خوفًا من الاغتصاب  

يقول حامد (اسم مستعار)، سمعنا يوم الجمعة أصوات إطلاق نار واشتباكات عنيفة وجنونية، بدا علينا القلق، أدينا صلاة الجمعة وبعد الصلاة قال لنا عناصر من الجيش أنهم “كانوا يجربون الأسلحة”.

في صباح اليوم التالي السبت 25 تشرين الأول/ أكتوبر تعالت أصوات الرصاص وأصبح متبادل بكثافة، دخل حامد ومجموعة من الأشخاص إلى المسجد ومكثوا فيه حتى الظهر، حين داهمهم عناصر الدعم السريع واتهموهم بالانتماء للجيش، صادروا هواتفهم ونهبوهم وضربوهم عشوائيًا بالرصاص داخل المسجد وخرجوا، أصاب الرصاص عددًا منهم إصابات متفاوته.

بعد المغرب هدأ المكان وتمكن حامد ومن معه من الخروج من المسجد ووصلتهم الأخبار عن عشرات القتلى والنساء المختطفات. عاد حامد إلى منزله حيث يقيم مع نساء من أسرته، وفي اليوم التالى عادت المجموعات من الدعم السريع تجوب الأحياء، نهبوا النقود والهواتف وكل شيء، وعندما حاولوا التحرش بالنساء وتمكن من ردعهم، قرروا الخروج من المنزل والتوجه نحو الأبيض.

يقول حامد إنهم كانوا محظوظين، فعندما خرجوا التحموا مع مجموعة أخرى من سكان الحي، كانوا حوالي 70 فردًا 12 فقط منهم رجال والبقية أطفال وكبار سن ونساء. كانت الجثث ملقاه في كل مكان في الشارع، واستوقفتهم عُدة نقاط تفتيش على طول الطريق، وكان التفتيش يأخذ منحًا مهينًا ويقتل البعض أثناءه. يقول حامد “كانت معنا سيدة تبلغ حوالي 70 عامًا تعاني من مرض القلب، عند التفتيش وقع جهاز الأكسجين منها وكانوا سيقتلوها لأنهم ظنوا أنه جهاز له علاقة بالجيش، أو الطائرات، أقنعناهم بصعوبة أنها مريضة وأنه جهاز للتنفس”. وتحدث حامد عن عدة محاولات للتحرش بالنساء في نقاط التفتيش أمام ذويهم.

“واصلنا طريقنا مشيًا بصعوبة حتى خرجنا من المدينة، كنا نمشي في الظلام ونمشي على المقذوفات غير المتفجرة لانعدام الرؤية بوضوح، ولكن الله نجانا، سرنا لما يزيد عن 14 ساعة، حتى وصلنا لقرية أدينا فيها صلاة الفجر واسترحنا قليلًا وتحركنا في عربات تتجه لمدينة الأبيض”. 

وقال حامد إن العديد من أقاربه وجيرانه مفقودون ولا يعلم ما إذا كانوا مصابين أو توفوا في المجازر، “لا أخبار عمّن بقوا في المدينة حتى اليوم”.

وأكدت جهات حقوقية ومنظمات منها شبكة أطباء السودان منع الدعم السريع دفن الجثث في المدينة، وأبدت قلقها عن مصير الأعداد الكبيرة من المجهولين خلال المجزرة.