الصحافة البريطانية تواصل طمس الحقيقة.. لكن من قلب غزة هذه المرة

ترجمة وتحرير: نون بوست
على مدى عامين متواصلين، شنت إسرائيل حربا متواصلة لإبادة غزة، حوّلت خلالها القطاع إلى ركام، وقد أصبح العديد من الفلسطينيين في القطاع صحفيين بسبب الأحداث.
وسط الحظر الإسرائيلي المفروض على الصحفيين الأجانب، كان المواطنون الذين يعيشون المجزرة ويبثونها مباشرة هم مصدر المعلومات الوحيد. ومع ذلك، لم تُقدَّر جهودهم الشجاعة على نطاق واسع.
صرح ديفيد لامي، وزير الخارجية البريطاني السابق، أواخر العام الماضي: “لا وجود لصحفيين في غزة”، وهي النبرة التي استخدمتها مقدمة البرامج البارزة في “سي إن إن”، كريستيان أمانبور.
كانت الرسالة الضمنية أن الفلسطينيين لا يُمكن الوثوق بهم في سرد واقعهم بدقة أو موضوعية، وأن الصحفيين التقليديين وحدهم قادرون على تقديم الحقيقة للرأي العام العالمي.
غير أن هذا الادعاء، المتّسم بالغطرسة، سقط سقوطاً مدوياً عندما دخل صحفيون من كبرى الوسائل الإعلامية البريطانية، بما فيها “آي تي في” و”سكاي نيوز” وبي بي سي”، إلى غزة مؤخراً، وقدمّوا صورة مشوّهة تطمس الحقائق. فقد كرّسوا الوهم القائل بأن الحرب في غزة قضية معقدة، وتجاهلوا كونها مذبحة جماعية مدبّرة بعناية.
وكما قد يقول البعض، هذا هو الشيء المعتاد.
في تقرير من غزة مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني، علقت مراسلة “بي بي سي” لوسي ويليامسون: “هذه لمحة عما خلّفته سنتان من الحرب في غزة… الجيش الإسرائيلي يؤكد أنه ما زال يخوض مواجهات شبه يومية مع حماس”. تم تصوير الدمار الشامل في غزة على أنه أثر جانبي لعنف إسرائيلي موجه بعناية ضد حماس.
واستمر مقال مرافق للتقرير في تعزيز سردية الحرب المعقدة. يشير العنوان إلى “دمار شامل بعد عامين من الحرب”، بينما يعيد النص إنتاج الرواية الإسرائيلية الجاهزة عن “أنفاق حماس والبنية التحتية للإرهاب”، في محاولة لتبرير استمرار الهجمات وتلميع صورة الإبادة المنظمة للحياة الفلسطينية منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ينقل التقرير على لسان متحدث إسرائيلي أن “الدمار ليس هدفاً” وأن “الهدف هو محاربة الإرهابيين”، بينما تُبرز صورة من حي الشجاعية الذي سوّته الجرافات الإسرائيلية بالأرض، حجم التناقض بين صياغة “بي بي سي” التحريرية والحقيقة التي يمكن إنكارها.
صورة مشوّهة
رغم أن وحشية إسرائيل لم تتوقف حتى اليوم، تقول “بي بي سي” إن غزة تعيش “حالة من الترقب الحذر” منذ وقف إطلاق النار. والحقيقة أن إسرائيل انتهكت وقف إطلاق النار نحو 500 مرة منذ أكتوبر/ تشرين الأول، ما أسفر عن مقتل أكثر من 300 فلسطيني وتدمير مئات المباني.
شكلت تقارير “بي بي سي” من غزة ذروة 25 شهرًا من التغطية المشوّهة، رسمت خلالها صورة مغلوطة تمامًا استنادًا إلى استنتاجات مسبقة عن حق الرد الإسرائيلي و”الدفاع عن النفس”، متجاهلة الحقيقة الصادمة عن التطهير العرقي الممنهج. القيام بذلك من مكتب مريح أمر سيء، أما الالتزام به وسط جحيم غزّة فهو فعل مثير للاشمئزاز. ما ترسّخ منذ فترة طويلة لا يُستأصل بسهولة.
بعد أيام من تقرير “بي بي سي”، جاء تقرير آخر من “سكاي نيوز” أعدّه مراسلها في الشرق الأوسط، والذي كان يرافق الجيش الإسرائيلي. استخدمت “سكاي نيوز” عبارات مشابهة لـ”بي بي سي” عن “الدمار” و”الأرض القاحلة” في غزّة، معتبرة أنها “ندوب الحرب”. سُمح لمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن يصف الأحداث قائلاً: “نحن لسنا هنا من أجل التسلية. نحن هنا لحماية شعب إسرائيل”.
يستمر تصوير الممارسات الإسرائيلية في تغطية سكاي نيوز على أنها مجرد ردود أفعال. فعندما يذكر المراسل آدم بارسونز أنه سمع إطلاق نار أثناء زيارته لغزة، والذي أسفر عن مقتل فلسطينيين يزُعم أنهم عبروا “الخط الأصفر” الذي يقسّم القطاع حاليا، سارع إلى ذكر الرواية الإسرائيلية عن الأحداث: “تقول إسرائيل إنهم كانوا إرهابيين من حماس”.
هذه الرواية تعزز الانطباع بأن الجنود الإسرائيليين يلجأون إلى العنف فقط بهدف التصدي للتهديدات في حرب متعددة الأوجه. ويقول بارسونز: “طالما أن حماس لا تزال تمتلك أسلحة، فمن الصعب جدًا تخيل انسحاب إسرائيل من هذه المنطقة المنكوبة”.
استمرار احتلال إسرائيل لغزة غير قانوني بموجب القانون الدولي. ومع ذلك فإن وسائل الإعلام الكبرى تحاول تصويره على أنه استراتيجية عسكرية تنبع من الواقع الميداني.
لكن تجدر الإشارة إلى أن تقرير “سكاي نيوز” يتضمن -على عكس “بي بي سي” – وجهة نظر أحد المدنيين الفلسطينيين في غزة. لم يسمح الجيش الإسرائيلي للصحفيين الذين يرافقونه بالتحدث مباشرة مع الفلسطينيين، لذلك تم ترتيب المقابلة من خلال زميل في القطاع. قالت إيمان حسونة، وهي أم من الشجاعية: “لم أعد قادرة على الصمود. يومًا ما سيعلنون أننا قُتلنا جميعًا”.
ما كان ينبغي أن يكون وجهة نظر تُوضح قصة شعب تعرض لوحشية لا مثيل لها على مدى عامين، أصبح مجرد ادعاء يقابله سيل من الادعاءات الإسرائيلية. تعزز هذه الصياغة كذبة الحرب المعقدة التي تتنازع فيها روايتان متعارضتان، ويسقط ضحايا ليس لهم أي ذنب، وهي رواية بعيدة كل البعد عن الواقع، حيث أسفر القصف العشوائي عن مقتل عشرات الآلاف. يُذكر أن أكثر من 80 بالمائة من قتلى الحرب في غزة من المدنيين.
إطار زائف للأحداث
من الجدير التأمل فيما عاشته غزة بسبب القصف المكثف والوحشي خلال العامين الماضيين. أشار تقرير حديث للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل خلقت “هاوية من صنع الإنسان” في غزة، و”قوضت بشكل كبير كل ركائز البقاء على قيد الحياة”.
وفي يوليو/ تموز الماضي، ذكر المدير التنفيذي لليونيسف أن متوسط عدد الأطفال الذين يُقتلون يوميًا في غزة يبلغ 28 طفلاً – أي ما يعادل “صفًا كاملًا من الأطفال يُقتلون كل يوم، ولمدة عامين تقريبًا”. وشخّصت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الوضع بأنه “أسوأ من الجحيم على الأرض”. كما خلصت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية وخبراء الأمم المتحدة جميعًا إلى أن إسرائيل ترتكب جريمة إبادة جماعية.
وشخّصت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الوضع على أنه “أسوأ من جحيم على الأرض”. وخلصت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وجميع خبراء الأمم المتحدة إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية.
لا يشبه القتل الإسرائيلي واسع النطاق بأي شكل الصورة التي ترسمها محطات البث البريطانية. من شبه المستحيل الوصول إلى هذا الاستنتاج إثر متابعة تقاريرهم التي تصور العنف الإسرائيلي على أنه رد فعل حتمي مع أضرار جانبية مؤسفة.
لا تقتصر المشكلة على التوصيف المضلل والمخفف لمجزرة غزة، بل تشمل أيضًا ما يتم التغافل عنه: فلا ذكر لمحاكمة إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، ولا أن المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
إن الكم الهائل من الحقائق التي يمكن استخدامها لدحض الرواية الإسرائيلية، أو لتسليط الضوء على ما تُظهره عدسة الكاميرا، يُستبعد بشكل غريب.
قد يُقال بأنه عندما يكون الصحفي مرافقا للجيش الإسرائيلي، فإن تغطيته تخضع للرقابة بطبيعة الحال، لكن “بي بي سي” و”سكاي نيوز” أكدا مرارًا أنهما احتفظا بحرية كاملة في تحرير التقارير. بالتالي يمكن تفسير التغطية على أنها تصوير متعمد لواقع بديل.
دخل صحفي من “آي تي في نيوز” إلى غزة مؤخرًا، وقدّم ما يمكن القول إنه التغطية الأكثر موضوعية. يذكر جون إيرفين بوضوح لا لبس فيه: “كنت في الموصل والرقة خلال الحرب على تنظيم الدولة، لكن مستوى الإبادة هنا يفوق ما شاهدته في المدينتين”. كما يشير بوضوح ودقة إلى المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل داخل الخط الأصفر على أنها “محتلة”.
لكن التقرير يتضمن مصطلحات عسكرية من قبيل “ميدان قتال” و”حرب” لترسيخ صورة طرفين متحاربين. وفي المقابلة مع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، عندما سُئل إن كان الدمار “ضرورة عسكرية”، جاء الجواب بالإيجاب، ولم يحرّك الصحفي ساكنا.
ما يجعل ذلك ملفتًا بشكل خاص هو أن وثائقي “آي تي في” كشف عن نوايا إبادة بين الجنود الإسرائيليين، وتصاريح تسمح لهم بقتل المدنيين في غزة بهدف الانتقام ودون أي ضوابط، وكان بإمكان الصحفي أن يوجّه أسئلة من هذا القبيل على المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، لكنه لم يفعل. وعلى غرار تقارير “سكاي نيوز” و”بي بي سي”، بقيت وحشية الجيش الإسرائيلي مجرد أثر جانبي لحرب معقدة، وليست سياسة متعمدة لدولة مجرمة.
لطالما حجبت وسائل الإعلام الكبرى في المملكة المتحدة حقيقة ما يجري غزة وكرّست رواية بديلة. لقد طمست الوقائع وخفّفت من حجم الجرائم وعملت على منع الرأي العام من ربط الحقائق ببعضها. لكن ما نراه اليوم من داخل غزة قد يكون الجريمة الإعلامية الأكثر خطورة حتى الآن، حيث سُمح لمرتكبي الإبادة الجماعية بسرد الأحداث، رغم أن المراسلين يرون الحقيقة بأعينهم.
ما تفتقر إليه الطبقة الإعلامية في المملكة المتحدة من نزاهة صحفية، تعوضه بسخاء، حيث تقدم الأدلة التي سوف تدينها عندما يحين وقت الحساب.
المصدر: ميدل إيست آي