“ردع العدوان”: 4 سنوات في الظل و11 يوماً أسقطت نصف قرن من حكم الأسد

في فجر السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، كان ريف حلب الغربي يشبه قلباً يتهيأ لنوبةٍ كبرى: ضباب خفيف فوق التلال، أصوات متقطعة لمدافع اعتادها الناس حتى صارت جزءاً من ضجيج الحياة، ومدينة تعلّمت أن تستيقظ على أخبار القصف لا على نشرات الطقس. لم يكن أحد، في ذلك الصباح، يتخيّل أن الأيام الأحد عشر التالية ستُنهي نظاماً حكم سوريا أكثر من نصف قرن.

بعد أحد عشر يوماً فقط، كانت اللقطة التي حبست أنفاس السوريين: شاشة التلفزيون الرسمي قد نطقت بالجملة التي ظلت لعقد كامل أقرب إلى الخيال: انتصار الثورة السورية العظيمة وإسقاط نظام الأسد“. وتداولت كبرى الصحف والمحطات العربية والعالمية صور دخول المقاتلين إلى ساحة الأموي في دمشق، بينما تتقاطع الأخبار عن فرار بشار الأسد إلى موسكو، وسقوط العاصمة بلا معركة تليق بسمعة جهاز أمني بنى أسطورته على الخوف.

ما يبدو للناس عنواناً عابراً في شريط الأخبار – «عملية ردع العدوان» – هو في عمقه منظومة ضخمة من التفاصيل التي لا تُرى، وعوالم كاملة نُسجت بصمت كي تتحقق نتيجة واحدة يسمعها الجميع في ثلاث كلمات، بينما تبقى بقية الجملة مكتوبة على وجوه المقاتلين، وفي دفاتر الخطط، وغرف العمليات التي لا تدخلها الكاميرا.

من الهزيمة إلى المبادرة

لنفهم كيف وصلت سوريا إلى تلك اللحظة، علينا أن نعود إلى العام 2020. حينها، وبعد الحملة الأخيرة للنظام وحلفائه على إدلب، بدا أن الثورة السورية وصلت إلى أدنى نقطة في منحناها: أراضٍ جديدة تمّ احتلالها، موجة نزوح إضافية، وشعور ثقيل بأن ميزان القوى اختلّ نهائياً لصالح النظام، مدعوماً بالطيران الروسي والميليشيات الإيرانية.

في تلك الأجواء، كان كثيرون يتحدثون عن «نهاية الثورة». لكن داخل غرف ضيقة في إدلب وأرياف حلب، كان نقاش آخر يدور بين أحمد الشرع /أبو محمد الجولاني، ومرهف أبو قصرة/ أبو الحسن 600، وحلقة ضيقة من القادة العسكريين والسياسيين: هل نستمر كسلسلة فصائل متناحرة، أم نعيد اختراع أنفسنا كمنظومة واحدة في ظل هذه اللحظة الوجودية؟

يروي مرهف أبو قصرة، وزير الدفاع الحالي في أحد لقاءاته، أن لحظة ما بعد 2020 كانت بمثابة مواجهة صريحة مع الفوضى: فصائل متزاحمة، رايات متعددة، وقرار عسكري مجزّأ. ويشير إلى أن خلاصة نقاشات تلك المرحلة انتهت إلى قناعة حاسمة: إمّا أن يجري بناء جيش واحد بقرار مركزي واضح، أو تذوب هذه الكيانات تدريجياً تحت ضغط الزمن والخصوم.

هكذا بدأت خطة إعادة الهيكلة؛ إنشاء مركز قيادة موحّد يجمع هيئة تحرير الشام، وأحرار الشام، وفصائل من الجبهة الوطنية للتحرير وبعض فصائل الجيش الوطني، تحت سقف غرفة عمليات واحدة، تتخذ القرار الاستراتيجي في الحرب والسلم. تأسيس وإطلاق كليات عسكرية وشرطية تقوم على التدريب المهني والمحترف، حيث تتفرغ القوات الشرطية لحفظ الأمن الداخلي، والقوى العسكرية للإعداد والتجهيز، لتركز الفصائل جهدها على العدو لا على ضبط الأمن داخل المدن. وهكذا وضع حجر الأساس لجيش أكثر انضباطاً وأقل فصائلية.

كان الهدف الأول واضحاً، وهو تحويل المناطق المحررة وفصائلها من «جغرافيا متمردة» إلى منظومة قتال تمتلك رأساً يفكر، وأذرعاً تنفذ، وعموداً فقرياً قادراً على حمل المعركة إذا جاءت لحظتها.

أربع سنوات من التحضير لم تكن شعارات وخطباً. كانت عملياً حرباً صامتة لبناء ما يسميه القادة اليوم القدرة القتالية الصلبة؛ تلك التي لا تظهر في صور الرايات والنشيد الحماسي، بل في الأسلاك الممتدة تحت الأرض، وأجهزة الاتصالات، ومخازن الذخيرة، ومسارات سحب الجرحى من الخط الأول.

أولى المعارك كانت معركة التنظيم؛ مركز قيادة موحّد في إدلب، يعمل على مدار الساعة، يربط بين الجبهات من ريف اللاذقية إلى أطراف حلب وحماة. قنوات اتصال مؤمّنة ضد التشويش والتنصت، باستخدام أنظمة تشفير بدائية محلياً ومستعارة جزئياً من خبرات تركية وغربية، مع تدريب واسع للكوادر على استخدامها. تفويض ميداني واسع لقادة الألوية والمحاور، وفق قاعدة عبّر عنها الرئيس أحمد الشرع لاحقاً بقوله: القرار استراتيجي واحد، لكن لحظة الاشتباك يقرر من يرى العدو بعينه لا من يراه على الخريطة“.

«الشاهين»: عين المعركة وجناحها

في كل الحروب السابقة، كانت السماء هي العقدة الكبرى. منذ 2015، كانت المعادلة بسيطة وقاسية: من يملك الطيران يفرض إيقاع المعركة على الأرض. ضربات الروس في سماء حلب والغوطة ودرعا وريف إدلب الشرقي والجنوبي لقّنت الجميع هذا الدرس بأعلى صوت ممكن.

لكن ابتداءً من 2021 تقريباً، بدأ شيء مختلف يتكوّن فوق الجبهات: السماء لم تصبح متكافئة، لكنها أيضاً لم تعد مغلقة بالكامل. على مهل، ظهرت في المشهد طائرات صغيرة محلية الصنع تحمل اسم «الشاهين». في البداية كانت للاستطلاع، ثم تطورت إلى ضربات دقيقة، حتى تحولت تدريجياً إلى ذراع جوية فقيرة الإمكانيات، لكنها فعّالة بما يكفي لإعادة خلط أوراق القوة على الأرض حين يلزم الأمر.

بهذه الخلفية، حين انطلقت «ردع العدوان» لم تنطلق من فراغ؛ كانت خلف المقاتلين شبكة متكاملة من الاستطلاع الإلكتروني والبشري تعمل منذ سنوات. وحدات متخصصة تجمع ما يمكن جمعه عن بنية النظام في الشمال والوسط؛ بنك أهداف يضم غرف العمليات، ومخازن الذخيرة، ومواقع الدفاع الجوي، ومعابر الإمداد، والمطارات. تُحدَّث هذه الخرائط باستمرار عبر مزج دقيق بين الاستطلاع البري (العناصر المنتشرة قرب خطوط التماس) والاستطلاع الجوي عبر «الشاهين»، بينما تعمل وحدات إلكترونية صغيرة على اعتراض الاتصالات اللاسلكية، قراءة حركة الأرتال، وتقدير أين تتشكل الثغرات وأين يبدأ التآكل في خطوط الدفاع.

في إحاطاته المتكررة، كان العقيد حسين عبد الغني المتحدث العسكري وأحد أبرز وجوه المعركة يشير إلى أن «ردع العدوان» لم تُخَض كمعركة عمياء، بل كعملية بُنيت على معرفة مسبقة ودقيقة بمفاصل تنفّس النظام ونقاط ضعفه؛ أين يتغذى وأين يمكن خنقه بأقل كلفة ممكنة، بشرياً وعسكرياً. هكذا تداخلت «الشاهين» مع عمل وحدات الاستطلاع والاستخبارات، لتصبح السماء لأول مرة منذ سنوات جزءاً من المعركة لصالح قوى الثورة، ضمن عقيدة قتالية جديدة ترى في التكنولوجيا وسيلة لتعويض الفارق الهائل في سلاح الجو التقليدي.

من خلف الخطوط إلى أسوار دمشق

مسار المعركة في 11 يوماً

لم يبدأ اليوم الأول من «ردع العدوان» مع أول قذيفة سقطت على جبهة ريف حلب الغربي، بل قبل ذلك بأيام، في مكان أبعد بكثير من خطوط التماس. في تلك الأيام الباردة وقبل الـ 27 نوفمبر، دخل خمسة شبان إلى حلب وهم يرتدون الزي العسكري ذاته الذي ترتديه قوات النظام. كانوا يتحركون كما تتحرك دورياته، يمرّون على الحواجز ذاتها، لكنهم لم يكونوا جزءاً من جيشه، بل من الخطة التي ستفكك عموده الفقري.

تصف روايات عدة وشهادات لاحقة هؤلاء الشبان الذين ينتشر ذكر أسمائهم اليوم في منصات الثورة بوصفهم «كوماندوس الشهداء الخمسة»: كل واحد منهم مكلَّف بغرفة عمليات بعينها، مزوّد بإحداثيات دقيقة، وصورة عن عدد الضباط والعسكريين في الداخل، وموقعها في شبكة القيادة التي تحكم ما يجري في شمال البلاد.

في ساعات الفجر الأولى، كانت أربعة مراكز قيادة للنظام وحلفائه تتعرض لهجمات متزامنة تقريباً: غرف عمليات أمنية وعسكرية في محيط حلب وريفها، أخطرها غرفة العمليات الإيرانية التي كانت تدير عبرها طهران حضورها المباشر في الشمال. هناك، قُتل العميد في الحرس الثوري الإيراني كيومرث بور هاشمي، المعروف بـ«الحاج هاشم»، وهو أحد كبار المستشارين العسكريين الإيرانيين في سوريا وقائد شبكة الميليشيات المرتبطة بطهران في حلب ومحيطها، وفقاً لما أكدته وكالات أنباء إيرانية وقنوات دولية.

بهذه الضربة، لم يُستهدف مبنى فقط، بل عُطبت «العين والعقل» التي كان النظام وحلفاؤه ينظرون بها إلى الجبهة الشمالية ويخططون ويستجيبون من خلالها للواقع العسكري. في الساعات التالية، وبينما كانت أخبار مقتل «الحاج هاشم» تنتشر في الإعلام الإيراني وتُقدَّم بوصفها «استشهاداً في مهمة استشارية»، كانت وحدات «ردع العدوان» قد فتحت محاور الهجوم الرئيسية حول حلب: ريفها الغربي، ثم الجنوبي، مع قصف مدفعي مركز وضربات «شاهين» على العقد الدفاعية الأشد تحصينا.

كان المخطط الأصلي، كما يرويه قادة ميدانيون بعد المعركة، أن تكون «ردع العدوان» معركة حلب قبل أي شيء آخر: عام كامل من العمل المتدرج، يبدأ بتحرير الريف، ثم تطويق المدينة، فإسقاطها على مراحل. لكن ما جرى على الأرض سبق الأوراق. في أقل من 48 ساعة، كانت وحدات غرفة العمليات العسكرية قد وصلت إلى تخوم قلعة حلب، أحد أكبر المدن السورية وأهمها، وبدأت صور المقاتلين عند أسوارها تجتاح وسائل التواصل ووكالات الأنباء.

في 29 نوفمبر، بدت حلب وكأنها تعيد كتابة فصل قديم من تاريخها؛ المدينة التي حوصرت وقُصفت لسنوات تعود هذه المرة من الباب المعاكس: قوات «ردع العدوان» تدخل أحياءها الغربية بلا حرب شوارع واسعة، والنظام يفقد السيطرة على مركز ثقله في الشمال بسرعة أدهشت حلفاءه قبل خصومه. تقارير ميدانية لاحقة ستشير إلى أن وحدات النظام «انفلتت من مواقعها» في ريف حلب وإدلب وانسحبت نحو الجنوب من دون قتال يُذكر، في واحدة من أسرع موجات الانهيار التي شهدتها الجبهة منذ 2011.

لحظة دخول قوات ردع العدوان إلى أحياء حلب الغربية، كان أمام القيادة خياران: أن تترك المدينة تعيش نشوة النصر كما في تجارب أخرى، بكل ما يرافق ذلك من فوضى، أو أن تحوّل حلب إلى «نموذج» لما يمكن أن تكون عليه المدن المحررة. اختارت الخيار الثاني. خلال ساعات، ظهرت دوريات شرطة محلية بلباس موحّد، أعيد تشغيل بعض المؤسسات المدنية تحت إشراف لجان مهنية، فُتحت المدارس ببرامج إسعافية، أُرسل قضاة ومحامون لإعادة تشغيل المحاكم.

يروي أحمد الدالاتي في أحد حواراته أن لحظة حلب كانت الاختبار الحاسم لفكرة «التحرير بالنموذج»: حين لم تنزلق المدينة إلى الفوضى، بل استقرّت سريعاً تحت إدارة منضبطة، أدركوا أن ما كان يُقال في الاجتماعات المغلقة يمكن أن يعيش على الأرض، لا أن يبقى ترفاً خطابياً.

ومع استمرار انهيار جيش النظام في معظم الجبهات، برز السؤال داخل غرفة العمليات: هل تقف المعركة عند حلب كما رُسمت على الورق، أم تُستثمر حالة الانهيار للذهاب أبعد؟

الوقائع حسمت الجواب. مع كل يوم يمرّ، كانت خارطة النظام تتقلّص من دون أن يخوض معارك جدّية للدفاع عن مواقعه، إلى أن قرّر أن يجرّب «وقفة أخيرة» في حماة. هناك، فوق جبل زين العابدين المطلّ على المدينة، حاول أن يجمع ما تبقى له من وحدات نخبة وميليشيات محلية، ويرسم حول الجبل خط صدّ جديداً يوقف اندفاعة «ردع العدوان» شمالاً ووسطاً. تحوّل الجبل في أيام قليلة إلى ما يشبه قلعة محصّنة: مدفعية، دشم إسمنتية، خنادق، ومحاولات متكررة لشن هجمات معاكسة تعرقل زخم المعركة خطوة إلى الوراء. جولات قتال عنيفة دارت على السفوح، استخدم فيها النظام كل ما بقي في يده تقريباً من ذخيرة ثقيلة، بينما كانت وحدات ردع العدوان تعتمد على مزيج من قصف «الشاهين» وقطع طرق الإمداد وتحريك مجموعات اقتحام صغيرة تحفر طريقها صعوداً.

مع كل ليلة تمرّ، كانت موجات الهجوم المعاكس تضعف، إلى أن جاء الصباح الذي ظهرت فيه رايات الثوار على أعالي زين العابدين، وتحوّل الجبل الذي كان يُقدَّم لسنوات كرمز لهيبة السلطة إلى دليل حيّ على انهيار إرادتها القتالية. من تلك اللحظة، لم يعد الطريق إلى حماة حُلماً بعيد المنال، بل بدا معبّداً بالدمع والذكريات؛ مدينة ظل اسمها يُهمس أكثر مما يُقال، كأن السوريين يخافون من استدعاء شبح 1982 كلما نطقوه. وحين انفتحت الجبهة نحوها هذه المرّة، كان كثيرون يشعرون أن ما يقتربون منه ليس «هدفاً» على الخريطة، بل جرحاً قديماً يتنفّس للمرة الأولى منذ عقود.

لهذا لم يكن تحرير حماة خطوة عسكرية فحسب، بل حدثاً رمزياً أيضاً: المدينة التي ظلت لعقود عنواناً لمجزرة صامتة صارت هذه المرة مسرحاً لصور مقاتلين عند النواعير، يهتفون لمدينة خرجت أخيراً من ظل 1982 المخيم على صدرها.

بعد حماة، فُتح الطريق نحو حمص. هنا أيضاً تكررت المعادلة نفسها تقريباً: انكفاء أكثر مما هو قتال، وتراجع لوحدات النظام أمام تقدم قوات «ردع العدوان» في أحياء المدينة وريفها، إلى أن أعلنت غرفة العمليات في 7 ديسمبر عن السيطرة الكاملة على حمص وسجنها، بالتوازي مع تحرير بلدات مفصلية في ريف دمشق الشمالي والغربي.

وفي الوقت ذاته تقريباً، كانت جبهة أخرى تستيقظ في الجنوب. فصائل «غرفة عمليات الجنوب» التي تشكّلت من مجموعات أعادت خلع «ثوب التسوية» في درعا والقنيطرة تشاركها قوات عسكرية من السويداء، أعلنت سيطرتها خلال أيام قليلة على عشرات الحواجز والمدن والبلدات، من درعا البلد إلى معبر نصيب الحدودي، في تنسيق معلن مع غرفة عمليات «ردع العدوان» في الشمال.

هكذا وجدت قوات النظام نفسها أمام كماشة واسعة: من الشمال، قوات ردع العدوان التي تجاوزت حلب وحماة وحمص بسرعة؛ ومن الجنوب، فصائل تستعيد المبادرة بعد سنوات من الإذعان القسري لاتفاقات التسوية أو التهدئة. ومع أن دمشق كانت نظرياً «آخر الخطوط الحمراء»، فإن ما جرى في الأيام الأخيرة قبل 8 ديسمبر يشير إلى أن القرار الفعلي بالمواجهة لم ينجح قط: تقارير ميدانية وحقوقية متطابقة تتحدث عن انسحابات واسعة من دون قتال يُذكر في حماة وحمص وريف دمشق، وعن انهيار في الإرادة القتالية أكثر مما هو هزيمة في معركة فاصلةبعد انهيار خط الصد الأخير في جبل زين العابدين.

فجر 8 ديسمبر، دخلت طلائع قوات «ردع العدوان» دمشق من أكثر من محور، وسط اشتباكات محدودة قياساً بمدينة بهذا الحجم والتعقيد، فيما فضّلت وحدات كثيرة من جيش النظام والأجهزة الأمنية الانسحاب أو عقد تفاهمات موضعية على الانخراط في حرب شوارع خاسرة. مع ساعات الصباح الأولى، بدأت الصور تتوالى: تماثيل مقلوبة، حواجز خالية، وثوّار في الساحات التي ظلت لسنوات رمزاً لسطوة السلطة.

في المساء، كان المشهد الذي سيعلَق طويلاً في ذاكرة السوريين: الجامع الأموي مكتظ، ليس بمصلّين عابرين، بل بمزيج من مقاتلين وناشطين ووجوه مدنية جاءت لترى بأعينها ما قيل لهم طويلاً إنه مستحيل. هناك، وقف أحمد الشرع الذي عرفه السوريون لسنوات باسم أبي محمد الجولاني لا بوصفه قائد فصيل محاصر في «جيب محرَّر»، بل كقائد معركة انتهت إلى قلب العاصمة. رفع صوته ليذكّر بأن السوريين هم «أصحاب البلد الحقيقيون»، وأن هذا النصر لم يُهدَ إليهم، بل دُفع ثمنه بسنوات من الألم والتشرّد؛ تحدّث عن الذين غرقوا في البحار، وعن الذين ناموا في الخيام، ثم قال عبارته التي التقطتها عناوين الصحف: «تاريخ جديد يُكتب» في المنطقة بعد سقوط الأسد، لكن بناء سوريا الجديدة سيكون «عملاً شاقاً» يتطلّب جهداً طويلاً لا نشوة عابرة

وفي تغطيتها للخطاب، لخصت وسائل الإعلام الرسائل الأساسية في نقطتين واضحتين: لا انتقام، وسوريا لكل السوريين. دعا الشرع إلى طيّ صفحة الثأر المفتوحة منذ عقود، مشدِّداً على أن البلاد لا تُدار بهوية غالبة تُقصي غيرها، بل بدولة تحاول مهما تعثرت أن تكون بيتاً مشتركاً، وانتقد علناً الدور الإيراني الذي حوّل سوريا إلى ساحة نفوذ، مؤكداً أن زمن القرار المصادَر من العواصم الأخرى يجب أن ينتهي.

بهذا المعنى، لم تكن 11 يوماً من التقدم الخاطف مجرد سلسلة انتصارات عسكرية متتابعة؛ كانت الخاتمة العملية لأربع سنوات من إعادة الهيكلة والإعداد، اختُبرت لأول مرة في معركة حلب، ثم تمددت لتشمل حماة وحمص والجنوب، قبل أن تصل إلى قلب دمشق. النتيجة النهائية تلخّص المسار كله في معادلة واحدة: نظام ينهار من الداخل، وجيش يتفكك تحت وقع تقدّم أصحاب الأرض، وثورة تحاول أن تربح معركتها بأقل كلفة ممكنة في الدم، وهي تدرك أن الامتحان الأصعب يبدأ من اليوم الذي تتوقف فيه البنادق عن إطلاق النار.

جبهة المعنى: حين اصطفّت الكلمة إلى جوار البندقية

كل ما بُني من قدرة صلبة ما كان ليصل إلى أسوار دمشق لو لم يسنده، في الخلفية، عمل طويل على جبهة أخرى أقل صخباً وأكثر عمقاً: جبهة المعنى. أربع سنوات من الاشتغال على رواية مختلفة للثورة، وعلى خطاب يشرح للناس لماذا تُخاض هذه المعركة، ولمن تُكتب نهايتها، وبأي وجه ينبغي أن تظهر القوة المنتصرة أمام شعب أنهكته كثرة الرايات المتصارعة.

منذ عام 2020 تقريباً، بدأ خطاب أحمد الشرع يتخفّف من حمولته الأيديولوجية الثقيلة ويتجه شيئاً فشيئاً إلى لغة أقرب إلى لغة الدولة. في لقاءات علنية مع المدنيين والعسكريين، كان يظهر بلهجة وطنية عامة، أقرب إلى خطاب زعيم سياسي منها إلى لغة قائد فصيل؛ يتحدث عن سوريا الواحدة، وعن حق الناس في العودة إلى بيوتهم ومدنهم، ويعدهم بأن معركتهم مع نظام الأسد لم تُطوَ صفحتها بعد، مهما بدا المشهد الخارجي عكس ذلك. من كان يتابع تلك الخطابات من بعيد كان يراها ضرباً من البروباغندا، لا تنسجم مع واقع مثقل بالهزائم الميدانية والسياسية، يُعاد فيه تأهيل بشار الأسد وتُفتح له أبواب العواصم تباعاً. لكن في الشمال المحرر، كانت هذه اللغة تتراكم بهدوء كرواية بديلة تقول للناس إن الثورة لم تنتهِ، وإن ما خسرته على الأرض يمكن أن تستعيده حين تتغيّر موازين القوى.

عندما بدأ الحديث في خريف 2024 عن «الفرصة الأخيرة» لكسر المعادلة، لم تكن القيادة السياسية بحاجة إلى اختراع خطاب جديد من العدم؛ كانت «ردع العدوان» اسم عسكري لمسار معنوي بدأ قبلها بأعوام. لذلك، حين أُعلنت العملية، قدّمت منذ اللحظة الأولى بوصفها معركة دفاع عن الناس، لا مجرد هجوم على النظام: ردّ على القصف المكثف على إدلب وأرياف حلب، ومحاولة لوقف نزيف اللجوء، لا مغامرة توسعية تبحث عن مجد عسكري مجرد. النبرة بقيت هي نفسها التي صيغت في سنوات الخسارة: هادئة، واثقة، قليلة الشعارات، مشغولة أكثر بصياغة جمل موزونة يمكن للناس أن يعلّقوا عليها أملهم، ففتحت بذلك هامشاً أوسع للتعاطف مع المعركة داخل سوريا وفي الشتات.

على الأرض، لم يبقَ هذا الخطاب حبراً على الورق. في كل منطقة كانت تتغيّر فيها خطوط السيطرة، كانت وحدات من «إدارة العلاقات المدنية» تسير بمحاذاة الأرتال العسكرية، أو تسبقها إلى المدن والقرى. تدخل حياً جديداً فتجلس مع الوجهاء والأعيان، تطمئن الناس إلى أنه لا قوائم انتقام ولا ثأر جماعي، وأن أبواب البيوت ليست غنائم حرب. في الأحياء التي كان الخوف فيها أقدم من الثورة نفسها، كانت هذه الوحدات تحاول تفكيك إرث عقود من الإذلال: تشرح أن الهدف هو إعادة الدولة إلى الناس، لا استبدال طغيان بآخر. لخّص أحمد الدالاتي، أحد قادة المعركة، تلك الفلسفة في أحد حواراته المسجلة: لم يكن المطلوب «تحرير سوريا بالبندقية» على الطريقة الكلاسيكية التي تهدم المدن على أهلها، بل «تحريرها بالنموذج»؛ بسلوك المقاتل، وبأخلاق القوة المنتصرة قبل شعاراتها.

وخلف هذه الجبهة المدنية، كانت تعمل جبهة أخرى لا تقل ضراوة: جبهة السياسة. إدارة الشؤون السياسية أدارت طوال أيام «ردع العدوان» غرفة عمليات ثانية، تكتب بياناتها بالسرعة نفسها تقريباً التي تتحرك بها الأرتال على الأرض وأحياناً كثيرة تسبقها. في اليومين الأولين فقط، خرجت سلسلة بيانات تشرح للعالم وللسوريين معاً لماذا أطلقت العملية: ليست حرب توسّع جديدة، بل محاولة لوقف القصف على الشمال الغربي وفتح طريق عودة للمهجّرين، مع دعوة واضحة لوسائل الإعلام والصحفيين الأجانب أن يأتوا ويروا بأعينهم ما يجري. تلت ذلك رسالة صريحة إلى المجتمع الدولي والعربي والدول الفاعلة والمعنية بما يحصل.

في الداخل، لم يكن الخطاب موجهًا إلى «شارع واحد» كما حاولت بروباغندا النظام أن تختزل المعارضة لسنوات. الرسائل توزّعت بعناية على خرائط المجتمع السوري: بيانات خاصة تُوجَّه إلى الكرد في أحياء حلب المحررة تطمئنهم؛ كلمات دقيقة تُرسل إلى أهالي السلمية وأبناء الطائفة العلوية في ريف حماة، تدعوهم للبقاء في بيوتهم وعدم الانجرار إلى معارك يُراد لهم أن يكونوا وقوداً فيها مرة أخرى، وتؤكد أن الثورة لا ترى فيهم خصماً وجودياً، بل جزءاً من نسيج بلد واحد. فرق ميدانية من الإدارة انتشرت في السليمانية والعزيزية في حلب بعد التحرير، تجلس في الشوارع والمقاهي، تطوف على بيوت الناس، تستمع أكثر مما تتكلم، ثم تعيد صياغة الجملة السياسية بلغة الناس، لا بلغة البيانات الجافة.

وفي الخارج، امتدت خيوط الخطاب إلى ما وراء الحدود. بيانات بالعربية والإنجليزية تُرسل إلى العواصم المترددة والخصوم التقليديين في آن: رسائل تطمئن أنقرة بأن المعركة لن تتحول إلى فوضى على حدودها، وتعلن استعداد القيادة الجديدة للتعاون في ملفات الأمن واللاجئين. أخرى تومئ لواشنطن بأن هناك شريكاً جديداً يمكن مخاطبته في قضايا المفقودين والرهائن والحدود. وحتى مع موسكو، التي ظل اسمها لسنوات قريناً بالبراميل المتساقطة على المدن السورية، خرج بيان يندّد بقصفها، لكنه يفتح لها في الجملة ذاتها باباً مختلفاً: الثورة ليست ضد أي شعب أو دولة، بما في ذلك روسيا، وارتباط مصالحها بسوريا لا يجب أن يكون مرهوناً إلى الأبد بشخص بشار الأسد، بل بالشعب السوري وتاريخه ومستقبله؛ وإذا اختارت أن تنحاز إلى هذا الشعب، يمكنها أن تكون شريكاً في بناء سوريا حرة لا راعياً لطاغية سقط.

بهذا الأسلوب تحوّلت إدارة الشؤون السياسية إلى ما يشبه «وزارة خارجية تحت النار»: تنشر أرقام اتصال خاصة للبعثات والفرق الأجنبية في حلب لضمان سلامتها، تؤكد حماية القنصليات والمقار الدبلوماسية، وتعلن تباعاً عن دول تستأنف عمل سفاراتها في دمشق بعد سقوط الأسد، في مشهد كان حتى الأمس القريب محسوباً بالكامل على النظام. وفي الخلفية، كان أسعد الشيباني، الرجل الذي أسّس هذه الإدارة قبل سنوات، يجني ثمار عمل طويل من الاتصالات مع دبلوماسيين وممثلي الأمم المتحدة، وهو ينتقل من دور مهندس «الجبهة السياسية» إلى وزير خارجية في الدولة الجديدة.

على الضفة الأخرى من المشهد، اشتغلت «الجبهة الإعلامية» كظلّ ميداني لهذه الجهود. غرفة إعلام مركزية تنسّق بين مراسلي الجبهات والحسابات الرسمية، ناطق عسكري واحد يقدّم الرواية، بدلاً من مئات الأصوات المتضاربة التي أرهقت الثورة في سنواتها الأولى، وسباق دائم مع الزمن لقتل الشائعة في مهدها قبل أن تتحول إلى «حقيقة» في وعي الناس. كلما سيطرت وحدة على بلدة أو موقع، كان الفيديو القصير يسبق النشرات الرسمية، يصل إلى شاشات السوريين في الداخل والشتات قبل أن تتمكن ماكينة النظام من صياغة روايتها المضادة.

بهذا التراكم، وللمرة الأولى منذ اندلاع الثورة، بدا أن هناك تناغماً حقيقياً بين البندقية والخطاب السياسي والصورة: ما يُقال في بيانات إدارة العمليات العسكرية عن أهداف «ردع العدوان» يترجم في بيانات إدارة الشؤون السياسية للداخل والخارج، ثم يجد صورته الحية في مواد الإعلام الحربي والمدني. لم يعد القائد العسكري يَعِد بشيء، والسياسي يتورط في انكاره، والإعلامي يبالغ فوقهما؛ بل ظهرت لغة واحدة بأصوات متعددة، تحاول أن تقول لسوريا والعالم معاً إن ما جرى كان لحظةً حاولت فيها الثورة أن تغيّر ليس فقط من يحكم سوريا، بل الطريقة التي تُحكى بها قصة هذا البلد أمام أهله وأمام العالم.

بين «ردع العدوان» و«ردع الانهيار»: أي درس تبقّى لسوريا؟

معركة «ردع العدوان» لم تكن معجزة هبطت من السماء، ولا مجرد انهيار تلقائي لنظام أكلته تناقضاته من الداخل. كانت، قبل كل شيء، نقطة التقاء نادرة بين إعداد منهجي طويل النفس أعاد لقوى الثورة عقلها التنظيمي بعد سنوات الفوضى، وبين شجاعة ميدانية بُنيت على قدرة قتالية حقيقية لا على حماسة عابرة، وبين لحظة تاريخية تراجع فيها حلفاء النظام وتآكل جيشه حتى صار قابلاً للسقوط بضربة مركزة، وبين رواية وطنية حاولت – بقدر ما تستطيع – أن تضع النصر في سياق دولة لا في سياق ثأر.

غير أن الدرس الأصعب ربما لا يتعلق بسقوط النظام نفسه بقدر ما يتعلق بما جاء بعده. فسوريا التي استطاعت أن تُسقط منظومة أمنية عمرها عقود في أحد عشر يوماً، تحتاج إلى سنوات طويلة كي تُسقط آثار تلك المنظومة من النفوس والمؤسسات والعلاقات بين مكوّناتها. «ردع العدوان» كانت، بهذا المعنى، نهاية معركة وبداية امتحان: هل تستطيع القوى التي نجحت في هندسة إسقاط النظام أن تنجح في هندسة قيام الدولة؟ هل يمكن لعقلية «التحرير بالنموذج» التي بدأت في شوارع حلب أن تمتد إلى كل سوريا، فلا يعود منطق الغلبة هو الحاكم، بل منطق عقد وطني جديد يطمئن الجميع إلى مكانهم فيه؟

هذا هو السؤال المفتوح الذي سيحكم ما إذا كان التاريخ الذي كُتب في الجامع الأموي في كانون الأول/ديسمبر 2024 يمثل افتتاحية حقيقية لحقبة جديدة، أم أنه فصلٌ إضافي في رواية سورية طويلة لم تكتب بعد سطرها الأخير.