بين الركام والموت.. الدفاع المدني في غزة ينقّب عن الآلاف بأيديهم

ترجمة وتحرير: نون بوست

لا تزال المهمة التي التي جرت في 17 سبتمبر/ أيلول تؤرق نوح الشغنوبي؛ حين قصفت القوات الإسرائيلية منزلًا بالقرب من منطقة السها في شرق مدينة غزة، مما أسفر عن مقتل أكثر من 30 فردًا من عائلة واحدة، وكانت معظم جثثهم عالقة تحت الأنقاض.

وانتشل قام فريق الدفاع المدني التابع للشغنوبي في غزة جثتي فتاتين صغيرتين من المنزل الذي قُصف وواصل الحفر، زاحفاً تحت الأرضيات المنهارة. قال لموقع “الإنترسبت”: “نحن لا ننزل تحت الانقاض إلا إذا كان هناك شخص على قيد الحياة. وإلا، فإننا نحفر من الأعلى، سقفًا تلو آخر”. ما تلا ذلك كان نزولاً إلى شيء مروع يشبه الحلم.

قال: “حفرنا 12 مترًا تحت الأنقاض، وكان الهواء يقل مع كل متر. زحفتُ متجاوزًا أرجل وأذرع وجثة طفل يحتضن أمه الميتة. شعرت بالأرض تهتز من القصف فوقنا“.

ومن أعماق الأنقاض، سمع الفريق فتاة صغيرة تنادي: “أنا هنا. أنا هنا”.

قوات الدفاع المدني هي مجموعة عمليات طوارئ وإنقاذ تديرها وزارة الداخلية الفلسطينية، ويبلغ عدد أفرادها حوالي 900 فرد بعد عامين من الإبادة الجماعية الإسرائيلية، وقد فقدت حوالي 90 بالمائة من قدرتها التشغيلية، حسبما صرح عمال الدفاع المدني لموقع “الإنترسبت”. وفي ظل غياب المعدات الثقيلة، تستخدم فرق الدفاع المدني أدوات بسيطة مثل المطارق والفؤوس والمجارف؛ حيث قد تستغرق عملية إنقاذ واحدة عدة أيام بدون حفارات أو معدات ثقيلة.

وتشير تقديرات عمال الدفاع المدني المحليين إلى أن هناك 10 آلاف جثة لا تزال مدفونة تحت الأنقاض.

قال الشغنوبي: “ما يحفزنا هو أنك عندما تسمع صوتًا – ولو كان صوتًا واحدًا – تعرف أن هناك حياة. وهذا يكفي لتخاطر بحياتك من أجل إنقاذ هذه الروح الحية”.

عندما وصل الشغنوبي أخيرًا إلى ملاك، كانت فاقدة الوعي وبلا نبض وعيناها مفتوحتين وساقاها زرقاوتين، كانت قد فارقت الحياة.

وقال الشغنوبي: “حاولت إيقاظها، لكن الأوان كان قد فات. كنت في لحظة من السكون التام، ولم أسمع أي شيء سوى صوت أنفاسي”.

فرق الدفاع المدني تنتشل الجثث في موقع الكتيبة في 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.

وأمضى الشغنوبي، البالغ من العمر 24 عامًا، سبع سنوات في العمل مع قوات الدفاع المدني في غزة. وكحال العديد من زملائه، فهو يأكل وينام في مكان عمله؛ ف   قد دُمر منزل عائلته في منطقة تل الهوا غرب مدينة غزة في الأيام الأخيرة من الحرب، ولا تزال عائلته نازحة في الجنوب.

وقال: “يعتقد الناس أن وقف إطلاق النار يعني أننا نستطيع أن نتنفس الصعداء. لكن بالنسبة لنا، نهاية الحرب هي بداية الحرب الحقيقية: انتشال الجثث”.

ويعتقد الشغنوبي أن جثة خالته من بين 10 آلاف جثة لم يتم انتشالها بعد؛ إذ لا تزال مناطق شاسعة مثل الشجاعية وأجزاء من رفح غير قابلة للوصول في ظل تمركز القوات الإسرائيلية فيها ووضعها علامات على هذه المناطق باعتبارها “داخل الخط الأصفر”، مما يمنع فرق الدفاع المدني من الوصول إليها.

قال الشغنوبي: “بالكاد تمكنا من انتشال بعض الجثث خلال فترة وقف إطلاق النار هذه. ليس لدينا آلات. نعلم أن هناك المئات تحت الأنقاض في بعض المناطق، لكننا ببساطة لا نستطيع الوصول إليها”.

وقال علاء خمش، 25 عامًا، إنه يشعر بالحزن الشديد عندما يتعذر على فريق الدفاع المدني الذي ينتمي إليه إنقاذ شخص ما.

وقال: “عندما أُكلّف بمهمة، أشعر بمسؤولية إنجازها بالكامل. لا يمكنني التوقف في منتصف الطريق”. قد يستغرق استخراج جثة واحدة 10 إلى 12 ساعة إذا كانت تحت سقف أو جدار منهار، وأضاف: “أحيانًا لا نستطيع انتشال الجثة لأن ذلك يتطلب معدات ثقيلة”.

وتركت سنوات الإبادة الجماعية الشغنوبي يشعر بالتبلد؛ حيث قال الشغنوبي: “لم نكن نستطيع النظر إلى الجثث في بداية الحرب، كنا نغلق أعيننا عند انتشالها. في منتصف الحرب، كنا نلفها في أكفان بيضاء كعادتنا اليومية. مع نهاية الحرب، أصبحت مشاعري أكثر انكسارًا. تراكم الضغط جعل لمس الجثث أمرًا صعبًا”.

وأضاف: “كنا نعثر على الجثث في حالات مختلفة: متحللة، وغير متحللة، ومحترقة، أو حتى متبخرة، وأحيانًا لا يتبقى منها سوى جمجمة أو هيكل عظمي. ويكون ملمس الجثة ناعمًا ورخوًا عند العثور عليها”.

ويرتدي أعضاء فريق الدفاع المدني زيًا وقفازات وأقنعة خاصة بسبب رائحة الجثث المتحللة. وقال خمش إن الجثث تتحلل بسرعة عندما تكون معرضة لأشعة الشمس، وأضاف: “يحدث هذا عندما تكون الجثة مكشوفة في الهواء الطلق، معرضة لأشعة الشمس والهواء. أما التحلل البطيء فيحدث عندما تكون الجثة تحت سقف أو محمية من الهواء وأشعة الشمس”.

وقد تؤدي الرائحة إلى فقدان الشغنوبي لشهيته لعدة أيام؛ فقد عانى لمدة ستة أشهر من مشاكل في الجهاز الهضمي، وقد حدث هذا في إحدى المرات خلال شهر رمضان، قال الشغنوبي: “كنت صائمًا، عندما أخرجنا جثة كانت تحت الأنقاض منذ عام في مستشفى الشفاء، وكانت الجثة نصف متحللة. صعقتني الرائحة، وتشوشت رؤيتي، وكدت أن يغمى عليّ”.

أوضح الشغنوبي: “نحدد مواقع الشهداء نهارًا بناءً على بقع الدم والعظام والجماجم. نعتمد على عائلات الشهداء… يتصلون بفريقنا، وغالبًا ما يوفرون المعدات على نفقتهم الخاصة لتكريم ودفن أحبائهم”.

ومع عدم وجود اختبارات الحمض النووي، يتعرف العاملون على الجثث من خلال الملابس والأحذية والخواتم والساعات والأجزاء المعدنية المزروعة وبطاقات الهوية والأسنان الذهبية. أما الجثث المجهولة الهوية – غالبًا ما تكون مجرد جماجم أو هياكل عظمية – فتُنقل إلى مقبرة للضحايا المجهولين.

بعد انتشال الجثث، يكتب عمال الدفاع المدني ورقة مفصلة تصف المنطقة والزاوية والمبنى وقياس الارتفاع وموقع الدفن، وتُكتب جميعها على الكفن حتى تتمكن العائلات من التعرف على الجثة لاحقًا.

في بعض الأحيان، تصر العائلات على رؤية الرفات للتأكد من وفاة أحبائها. أوضح الشغنوبي: “يتقبل الناس الموت بسهولة أكبر عندما يرون الجثة”.

قال وهو يتذكر إعادة دفن: “نقلتُ صديقي من قبر إلى آخر. لم يكن سوى جمجمة. ظللتُ أفكر: هذه نهاية كل إنسان: عظام”.

وقال محمد عزام، البالغ من العمر 27 عامًا، إن استعادة جثة شخص تنطوي على مفارقة عاطفية غريبة.

وأضاف: “تشعر بالسعادة لأنك وجدتهم، لكنك تشعر بالحزن لأنهم متحللون. إنه شعور لا أستطيع تفسيره”.

غالبًا ما تنتظر العائلات في مكان قريب، وعندما يُخرج الفريق الجثة، تكون ردود أفعالهم حزينة للغاية.

وقال عزام: “عندما نعثر على شخص ما، عادةً ما يكون نصف متحلل. لا يمكن التعرف على وجهه، فقط حذاؤه أو محفظته أو سواره يُخبرك من كان”.

ويواجه العاملون هذه اللحظات المؤلمة بينما يعيشون أهوال الإبادة الجماعية في عائلاتهم ومنازلهم. يعيش خمش، مثل الشغنوبي، في مكان عمله؛ فمنزله شرق مدينة غزة يقع على مقربة شديدة من الوجود العسكري الإسرائيلي.

وقال خمش إنه تلقى أثناء عمله في أحد الأيام اتصالًا هاتفيًا مفزعًا من صديق: “أخبروني أن أخي أصيب في الجنوب، بالقرب من نقطة توزيع المساعدات الأمريكية، ونُقل إلى مستشفى العودة في النصيرات. اتصلت بصديق لي يعمل ممرضًا هناك، فأخبرني أن أخي قد توفي”.

كان الأمر لا يُطاق، وقال خمش لموقع “الإنترسبت”: “لم يكن أخي مجرد شقيق لي، بل كان أقرب أصدقائي، أصغر مني بسنة واحدة فقط. تشاركنا كل شيء، وفهمنا بعضنا البعض دون أن نتحدث. ذهبنا معًا إلى كل مكان. هذا النوع من الفقد لا يفارقك أبدًا، والفراق هو أشد الألم”.

وأضاف خمش: “الموت أمر لا مفر منه. كما قال الله: “كل نفس ذائقة الموت”. ونحن كمسلمين ندرك أن ما بعده خيرٌ بكثير مما نعانيه هنا”.

وتتلقى فرق الإنقاذ مكالماتٍ متواصلة خلال وقف إطلاق النار: جارٌ يُبلغ عن رائحة كريهة، أو عائلةٌ تستنجد للمساعدة في انتشال أحد أفرادها، أو مبنى ينهار، أو طرف من جثة يظهر من تحت الأنقاض، أو ذبابٌ يتجمع في زاويةٍ يكشف ما يكمن تحتها.

بدأ خمش يشعر بالموت كحضور لا كحدث، حيث قال: “إنه يحيط بنا. ربما نكون نحن الموتى القادمون. نحن نقبل قضاء الله وقدره، ولكننا ما زلنا نحب الحياة في أعماقنا”.

كانت إحدى أصعب المهام التي قام بها خمش في ظل وقف إطلاق النار في برج قصف في حي الرمال؛ حيث كانت توجد امرأة على قيد الحياة تصرخ في مكان ما تحت الطابق العلوي المنهار، لكن رجال الإنقاذ لم يتمكنوا من تحديد مكانها.

ويتذكر قائلاً: “كان الظلام دامسًا. ظللتُ أُحرك مصباحي، مُحاولًا تحديد مصدر صوتها”، وفجأةً، وجدها تحت قدميه، مضيفًا: “وضعتُ قدمي بجانب رأسها دون أن أُدرك. أخرجناها حيةً”.

استغرقت أطول عملية إنقاذ قام بها خمش يومًا كاملًا؛ حيث انتشل مرح الحداد، وهي فتاة دُفنت تحت عدة طوابق في منطقة الدرج قبل شهر.

قال: “كانت على قيد الحياة عندما وصلنا إليها، وكانت تتنفس الغبار والمتفجرات. ظللت أنا وزميلي عبد الله المجدلاوي نناديها: أين أنتِ يا مرح؟ فأجابت: أنا هنا. أنا هنا”.

وقال: “عندما رأتنا عاد الأمل إلى وجهها. إن إنقاذ شخص من الموت هو ما يدفعنا للاستمرار”.

المصدر: ذي انترسبت