تحوّل ميناء صلالة العُماني، الواقع على بحر العرب خارج مضيق هرمز، إلى عنوان بارز في الحرب الجارية بين أمريكا و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى.
كان الميناء العُماني يُسوّق كبديل آمن لسفن الحاويات والبضائع العابرة للمحيط الهندي، لكن هجومين بطائرات مسيّرة إيرانية، وضعا تلك الصورة على المحك.
التقرير التالي يرصد ما جرى في الميناء، وطبيعة الأضرار فيه، ويشرح لماذا يُعد صلالة عقدة شديدة الأهمية في شبكات التجارة والطاقة العالمية، وكيف يمكن أن يؤثر الهجوم على قناعة الشركات بأن الممرّات خارج هرمز آمنة.
ماذا حدث في صلالة فعلًا؟
بدأت أولى الحوادث مساء 3 مارس/آذار 2026 بقصف بمسيّرات إيرانية دون إصابات بشرية أو أضرار مادية، لكن الصدمة الحقيقية وقعت ظهر الحادي عشر من نفس الشهر بضرب خزانات وقود في ميناء صلالة.
يوضح الإنفوجراف التالي التسلسل الزمني للهجوم على الميناء وطبيعة الأضرار:
وبعد الضربة الثانية، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في اتصال مع سلطان عُمان هيثم بن طارق إن بلاده ستحقق في الحادث، فيما عبّر الأخير عن استيائه من الهجوم.
فيما قال المتحدث باسم مقر “خاتم الأنبياء” للعمليات الحربية الإيرانية العقيد إبراهيم ذو الفقاري إن الحادثة التي وقعت في ميناء صلالة العماني “مشكوك فيها”، قائلًا إن “سيادة وأمن سلطنة عُمان محلّ احترام كامل لدى القوات المسلحة الإيرانية”، وفق تعبيره.
الموقع الجغرافي والأهمية الإقليمية
يقع ميناء صلالة في محافظة ظفار على الساحل الجنوبي الشرقي لعُمان، مطلاً على بحر العرب وعلى مسافة نحو 500 كم جنوب غرب مضيق هرمز وشمال باب المندب، وهي جغرافيا تجعل منه الوحيد بين موانئ الترانزيت الخليجية الذي يعمل خارج المضيقين معًا.
وتصف شركة الخدمات اللوجستية العالمية “Kuehne + Nagel” الميناء بأنه “محور الترانزيت الرئيس في المحيط الهندي الذي لا يحتاج إلى عبور هرمز أو باب المندب”.
تضاعفت أهمية الميناء خلال الأزمة عندما دفعت المخاطر في هرمز الشركات إلى البحث عن ممرات بديلة. إذ يكاد يكون ميناءي صلالة والدقم المجاور الخيار الوحيد في الخليج العربي الذي يسمح للسفن الطويلة بالتوقف دون المرور بمضيق هرمز المهدَّد، وهو موقع جعل الميناء محطة ربط بين الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وشرق إفريقيا.
فعلى خطوط الملاحة الرئيسة بين آسيا وأوروبا، يُعد صلالة مركزًا لإعادة شحن الحاويات، إذ يمكن للسفن الكبيرة أن تفرغ حمولاتها ثم تُعيد تحميلها على سفن أصغر تتجه إلى موانئ الخليج أو شرق أفريقيا.
وأشارت بعض التقارير إلى أن مؤشر ربط الخطوط البحرية (LSCI) للميناء ارتفع من 133 إلى 237 نقطة في 2025، ما وضعه ضمن أفضل خمسة موانئ أداء في تقرير البنك الدولي،
ويفسر هذا الموقع الاستراتيجي حساسية استهدافه، فتعطيل صلالة يعني إغلاق بوابة بديلة كانت الشركات تراهن عليها عندما تعرقلت الملاحة في هرمز.
ميناء صلالة.. أحد أكبر مراكز الحاويات بالمنطقة
تطوّر ميناء صلالة ليصبح أحد أكبر مراكز الحاويات في المنطقة، إذ تضم محطة الحاويات 6 أرصفة بطول 2,197 مترًا وبعمق 18 مترًا.
كما أن هذه المحطة مجهزة برافعات جسور عملاقة (Ship‑to‑Shore) تسمح بالتعامل مع أكبر سفن الحاويات في العالم.
وإلى جانب الحاويات، يمتلك الميناء محطة سوائل متطورة تعمل كبوابة لوجستية للطاقة والمنتجات الكيميائية، وتشتمل على رصيفين يمكنها مناولة 6 ملايين طن سنويًا من المنتجات السائلة من بينها الوقود والميثانول وغاز البترول المسال وإيثيلين جلايكول والزيوت النباتية.
ويتصل الرصيف بممر أنابيب بطول 4.5 كم يربط الميناء بالمنطقة الحرة بصلالة، ما يسمح بنقل السوائل مباشرةً إلى مرافق التخزين والإنتاج.
ويوجد أيضًا مرسى خاص لتصدير الغاز المسال، يعكس دور الميناء في تصدير منتجات الطاقة من المنطقة. ويبرز الإنفوجراف التالي أبرز مؤشرات تشغيل ميناء صلالة العماني:
تُبرز هذه القدرات أن صلالة ليس مركزًا لإنتاج النفط الخام، بل منصة لوجستية لتخزين وتوزيع المنتجات السائلة، وهو ما يفسر تصريح السلطات العمانية أن إمدادات النفط والمشتقات لم تتأثر بالهجوم؛ فالمنشآت المتضررة مخصصة للتخزين والتزويد، ويمكن تعويضها بسرعة من مرافق أخرى.
لماذا يعد استهداف صلالة مؤلمًا؟
أولًا، لأنه يهدم تصور “الملاذ الآمن” خارج مضيق هرمز
فخلال الأشهر التي سبقت الهجوم كان الكثير من الخطوط الملاحية يحوّل مساراته إلى صلالة في ظل تهديدات الحرس الثوري للسفن في هرمز، كما أشارت تقارير عمانية إلى أن ميناء صلالة يُسوّق كـ “مركز بديل” للملاحة الإقليمية.
غير أن ضرب خزانات الوقود في الميناء أو قربه يعني أن حتى الممرات البعيدة عن المضيق ليست بمنأى عن الصراع، ما يرفع تكاليف التأمين ويجبر الشركات على إعادة حساب المخاطر.
ثانيًا، بسبب دور صلالة في سلاسل الإمداد العالمية
إذ يعالج الميناء ملايين الأطنان من البضائع العامة ويتعامل مع صادرات الجبس والحجر الجيري العُمانية، ويعيد توزيع الحاويات للعديد من الموانئ الخليجية والأفريقية. ولذلك فإن تعليق العمليات يعني تأخير إفراغ وتحميل سفن الحاويات وتراكم الشحنات.
وقد نقلت شركة “Kuehne + Nagel” تحذيرات من احتمال حدوث ازدحام في موانئ بديلة إذا تعطّل صلالة. كما أن توقف تزويد السفن بالوقود في الميناء يدفع السفن إلى البحث عن موانئ بديلة في ظل نقص منشآت التزود الآمنة في المنطقة.
ويُظهر الهجوم على ميناء صلالة أن القيمة الاستراتيجية له تتجاوز خزانات الوقود والأرصفة؛ فهو عقدة لوجستية بديلة لشبكات النقل البحرية العالمية خارج المضائق المهدَّدة.
وبإصابة هذا المحور الاستراتيجي، تدخل التجارة الدولية وأسواق التأمين والطاقة في نفق من الحسابات المربكة، حيث لا جغرافيا مستثناة، ولا بنية تحتية محصنة في زمن حرب الموانئ الجديدة.