رائدة العمارة المستقبلية كما يراها عشاقها، وملكة المنحنيات كما أشارت لها صحيفة الجارديان البريطانية بالأمس، وديكتاتورة العمارة كما يشير لها نقادها، والباحثة عن إثبات ذاتها فقط في مبانيها وإضفاء لمسة من الغرابة والفرادة دون الاكتراث بمحيطها الثقافي أو البيئي، أو ربما هي العبقرية والديكتاتورة المعمارية في نفس الوقت، والتي رسخت اسمها في عالم العمارة المقصور على الرجال بشكل كبير حتى الآن، لتصبح دون شك رائدة من رواد العمارة عالميًا، وأول سيدة ومسلمة تحصل على جائزة بريتزكر المرموقة عام 2004، ثم ميدالية ريبا الذهبية عام 2015، قبل أن ترحل عن عالمنا بالأمس إثر أزمة قلبية مفاجئة أصيبت بها وهي في مستشفى بميامي تتلقى العلاج جراء التهاب بالقصبة الهوائية.

هي زها حديد، المولودة في بغداد عام 1950، والحاصلة على بكالريوس الرياضيات من الجامعة الأمريكية في بيروت قبل أن تتجه لمدرسة العمارة التابعة لجمعية العمارة المعروفة في بريطانيا، وهي المدرسة الأقدم في مجالها هناك، لتبدأ تاريخها بتصميم محطة الإطفاء الواقعة على الحدود الألمانية السويسرية، وتُنهيه بمشروعين فُتحِا مؤخرًا هما مركز حيدر علييف الثقافي بالعاصمة الأذرية باكو والمثير للجدل بتصميمه الغريب، ومعرض سِربنتاين ساكلر في هايد بارك بقلب العاصمة البريطانية لندن، والأخير لعله كان مهمًا بالنسبة لها بالنظر لموقعه نتيجة عدم إعجاب البعض في بريطانيا بمشاريعها، وقلة المشاريع التي صممتها هناك رُغم كونها بلدها الثاني.

"أعمالي خارجة عن نطاق المقبول، ربما لأنني امرأة، وعربية كذلك، فهناك دومًا تحيزات حيال هذه المسائل،" بهذه الكلمات تحدثت زها بكل صراحة في حوار سابق عن مجالها الذي يهيمن عليه الرجال والبيض، خاصة في لندن، وهي لم تحاول أبدًا إخفاء ثقافتها أو أنوثتها بوجه تلك التحيزات على غرار البعض، فعلى العكس من معماريات كثيرات في مجالها يُعرفن بمظهر "عادي" مثل الشعر القصير وارتداء السراويل والسترات الرسمية لعدم لفت الأنظار، عُرفت زها بإطلاق العنان لأنوثتها تمامًا، ولم تكن في مظهرها وملبسها وزينتها أقل لفتًا للأنظار من مبانيها، كما أطلقت العنان على ما يبدو لآرائها عن عجرفة الرجال في مجالها وعدم مرونتهم، "إنني أجد صعوبة كبيرة في شرح الأشياء للرجال.. هو أمر شبه مستحيل! الجيل الأقدم بالتحديد في مكتبي يتصرف وكأنه يعرف كل شيء!"

مصدر إلهام هي للكثيرين بأعمالها وبشخصيتها، فعلى عكس الكثير من كبار المعماريين العقلانيين والمعروفين بدبلوماسيتهم بل وبرودهم، عُرفَت زها بفقدانها لأعصابها بسهولة وحسها الفكاهي وصراحتها، وهي صراحة تضمنت استخدامها أحيانًا للألفاظ الخارجة بأريحية، علاوة على ثقتها التامة بنفسها، والتي أتاحت لها وهي لا تزال حديثة التخرج، أن تشترط على شركة OMA الهولندية الانضمام فقط في صورة شراكة، "نعم، بكل صراحة، لقد كنت خريجة للتو، وقد سألوني ما إذا كنت سأكون شريكًا مطيعًا إذن، لكنني قُلت لا! لن أكون شريكًا مطيعًا حتى، وكانت تلك نهاية الشراكة!"

عُرفت زها كذلك بشغفها المُطلق بالعمارة الذي شغلها عن الزواج والإنجاب طيلة حياتها، وربما بعضًا من السلطة المفرطة، والتي دفعتها مرة لإرسال أحد مساعديها من فيينا إلى مسكنها في لندن بإحدى أحذيتها حيث أرادت ارتدائها لحضور حفل، وإجبار طاقم طائرة تعطلت قبل إقلاعها إلى فرانكفورت على إخراجها من الطائرة مع حقائبها لاستقلال طائرة أخرى، غير عابئة بتوسلاته بأن الطائرة ستتأخر لدقائق قليلة لا أكثر، وأنها ستُجبر الطائرة كلها على العودة لموقف الطائرات بالمطار لإخراج حقيبتها!

بوفاتها تترك زها إمبراطوريتها المعمارية، والتي تعج بحوالي أربعمائة موظف، وتُشرف على 950 مشروعًا في 44 بلدًا، بدءًا من الصين وروسيا وحتى تقديم الاستشارة من أجل مطار جديد سيتم بناؤه وفق خطط عُمدة لندن الحالي على ضفاف إحدى فروع نهر الثيمز، في تتويج لمسيرة حافلة تركت خلالها زها بصمتها في الكثير من مدن العالم المعروفة بمكتبة أو معرض أو متحف أو غير ذلك، وبقائمة طويلة من الجوائز تضم معظم الجوائز المهمة الممنوحة في مجال العمارة، وأخيرًا، وكأنها قد استشعرت رحيلها عن العالم، تدشين أرشيف خاص بأعمالها داخل متحف "ديزاين" الذي اشترته عام 2015 مقابل عشرة ملايين جنيه استرليني، والذي سيصبح أيضًا ساحة لمناقشة الإبداع في عالم الفن والعمارة والتصميم.

برج نادي الفروسية، هونج كونج

مركز حيدر علييف الثقافي في أذربيجان

المبنى الرئيسي لشركة بي إم دابليو الألمانية في مدينة لايبتزيج

الجناح الجسر Pabellón-Puente في سرقسطة بإسبانيا

مبنى بيير فيف في مونبيلييه بفرنسا

مركز الفنون المعاصرة بولاية أوهايو

محطة إطفاء فيترا كامبوس على الحدود الألمانية السويسرية

متحف برود أرت، ميتشيغن، الولايات المتحدة

متحف ماكسي بالعاصمة الإيطالية روما

مركز تابع لجامعة الاقتصاد والأعمال بفيينا

*المعلومات الواردة هنا من مقابلة سابقة لزها حديد مع هافينغتون بوست، ومن مقال بالجارديان طويل لروان مور أحد من عملوا معها لسنوات