ترجمة وتحرير نون بوست

تسرّبت إلى العلن يوم الأحد المنصرم ملايين الوثائق السرية التي أضحت معروفة باسم "أوراق بنما" وذلك بفضل العمل المضني الذي بذلته عشرات المؤسسات الإعلامية، حيث أظهر التسريب كيف عمد الأفراد الأثرياء، بما في ذلك أكثر من 140 سياسيًا حول العالم، للتعامل مع شركة محاماة مشبوهة في بنما لإخفاء أصولهم والتهرب من دفع الضرائب.

ربما ندرك جميعًا سلفًا فكرة قيام الأغنياء بالتلاعب لإخفاء وتبييض أصولهم وأموالهم بطرق مختلفة ولهدف مشترك واحد، ولكن يبقى من المقنع حقًا أن يُسلّط الضوء على مجموعة الطرق والقواعد التي يتبعها هؤلاء لتحقيق هذه الغاية، وعلى الرغم من أن تسريب البيانات، والذي أضحى يعد التسريب الصحفي الأكبر في التاريخ، لا يزال في مرحلة الفرز والتدقيق على يد مجموعة كبيرة من الصحفييت الاستقصائيين في جميع أنحاء العالم، إلا أن المعلومات التي كُشف عنها إلى العلن حتى الآن، أجبرت رئيس وزراء أيسلندا على الاستقالة بعد ظهور اسمه في أوراق بنما.

يُتوقع على الأرجح أن يتم الكشف عن المزيد من المعلومات إلى العلن تباعًا؛ ففي يوم الثلاثاء المنصرم، أفادت بعض المصادر المطلعة بظهور اسم الحزب اليميني الفرنسي المتطرف، الجبهة الوطنية، ضمن أوراق بنما، وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، غرّد المحرر الرقمي لصحيفة زود دويتشه تسايتونج الألمانية، والتي كانت أول صحيفة تضع يدها على المستندات المسربة البالغة عددها 11.5 مليون وثيقة، على موقع تويتر قائلًا: "ترقبوا ما سيأتي لاحقًا".

قلة من الأشخاص فقط تدرك ربما ماهية الكشوفات القادمة، ولكن في خضم بحثنا عن شخص ما قادر على تقديم تخمين مثقف ومعقول، التقينا بآرون بيلاي إسيكس، الذي يعمل كمحلل مخاطر في شركة المخاطر السياسية فيريسك مابلكروفت في نيويورك، وهو مختص برصد وتبنؤ الاتجاهات التي تموج ضمن هياكل السلطة الخفية في العالم، حيث أوضح لنا، من خلال الحوار الذي قمنا به معه، السبب الكامن خلف احتمالية الحماية من التدقيق التي يتمتع بها الأمريكيون الفاسدون حاليًا في الوقت الذي تنهال فيه التحقيقات على نظرائهم الأجانب، وكيف ستختلف تداعيات الكشوفات ما بين أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا.

فايس: ما الذي تجده مهمًا حول تأثيرات أوراق بنما حتى الآن؟

إسيكس: لا يمكن فصل قضية التهرب الضريبي عن مسألة عدم المساواة في الدخل العالمي الجارية على قدم وساق في كافة أنحاء العالم على مدى السنوات الـ15 الماضية، تتمتع هذه المسألة بذروة الاهتمام العام في العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم، وليس فقط في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، بل أيضًا في الأسواق الناشئة؛ فعندما تنظر إلى أوراق بنما، لا بد من أن تقر بأن الكشوفات التي تقدمها صارخة للغاية، ولكنها من ناحية أخرى تغذي السرد الجاري والمعروف حول اختلاف التأثيرات التي يعكسها النظام الضريبي على الأشخاص العاديين وعلى أولئك الذين يبدون ظاهريًا على قمة الهرم السياسي والاقتصادي؛ فالكثير من الحسابات الخارجية المؤسسة التي تم الكشف عنها تعد قانونية، وكما تعلمون، في بعض الحالات توجد أمثلة صارخة على قيام الأشخاص بإخفاء دخولهم المتأتية عن فوائد مشاريعهم المختلفة.

ولكن في الكثير من الأحيان يتم القيام بهذه الممارسات على نحو علني، وهو أمر يستدعي القلق، ويوضح تمامًا الثغرات التي تعتور النظام الضريبي الدولي في نطاق ولايته، وكيف يبدو أولئك الأشخاص على أتم الاستعداد لاستغلال تلك الثغرات.

من جهة أخرى، يبدو بأن أوراق بنما ظهرت في الوقت المناسب، سيّما من خلال إطلاق الكشوفات في الوقت الذي يشهد فيه العالم تناميًا مطردًا بالشعور بالظلم الاقتصادي الهائل، فضلًا عن تباطؤ النمو العالمي؛ فعلى الأقل في الولايات المتحدة، شهدنا تدنيًا بالأجور منذ عامي 2008 و2009، لذلك تقدم أوراق بنما مثالًا آخر على التشابك الدائم القائم ما بين قضايا الضرائب، الدخل، وعدم المساواة.

فايس: من حيث التأثير المباشر على النخب العالمية والديناميكية الأمنية في جميع أنحاء العالم، كيف يمكن مقارنة أوراق بنما مع تسريبات إدوارد سنودن عن وكالة الأمن القومي؟

إسيكس: تسريبات سنودن كانت أكثر أهمية إلى حد ما، لأن ذلك التسريب يتعلق بالحلفاء المحتملين للولايات المتحدة، ويرتبط للغاية بكشوفات تتعلق بإيران والمملكة العربية السعودية، حيث أثّرت تلك التسريبات بشكل كبير على المصالح الخارجية للولايات المتحدة، في حين تبدو أوراق بنما مجرد مثال آخر على أن الأشخاص الذين يتمتعون بصلات مهمة حول أنحاء العالم يتمتعون بامتيازات مالية أيضًا، وأعتقد بأن الحكومات التي تتمتع بحرية صحافة جيدة وهياكل ضريبة متقدمة شهدت بالفعل تداعيات تسريبات بنما، حيث شهدنا استقالة رئيس الوزراء الآيسلندي بعد احتجاجات ضخمة خرجت ضده، والمثير للاهتمام حول ذلك، هو أن آيسلندا تعيش مسبقًا تحت ضوابط تقشفية لإنفاق رأس المال، وعندما يكون البلد في وضع ضبط رأس المال اللاحق لوقوع الأزمة المالية، وفي نفس الوقت يعمد قمة هرم الدولة لحماية أو إخفاء بعضًا من ثروته الخاصة، سيشكل ذلك بالتأكيد قضية مهمة.

فايس: ولكن رد الفعل يعتمد على البيئة السياسية، أليس كذلك؟ فالجميع يتحدث اليوم عن تورط فلاديمير بوتين وحلفاؤه في قضية أوراق بنما، ولكن مع ذلك يبدو من غير المرجح أن يسفر ذلك عن وقوع أي استقالات في روسيا.

إسيكس: في أماكن مثل روسيا والصين، لم تغطِ وسائل الإعلام الرئيسية القضية بشكل كبير للغاية، أنا متأكد من أن هناك بعض الصحف ذات الميول الليبرالية التي قامت بتغطيها، ولكن ليس على نحو ملائم؛ ففي الصين، تم إخراس القضية بشكل محتم، وما يثير الاهتمام فيما يخص الصين بشكل أساسي، هو أن حملة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، لمكافحة الفساد كانت إحدى الأدوات الرئيسية لمنحه الشرعية، ولكن حقيقة أن أقاربه متهمين بالتهرب الضريبي، يجعل من حملة مكافحة الفساد تبدو، على أقل تقدير، قائمة لخدمة مصالح ذاتية، وهو الأمر الذي لطالما تحدث عنه الكثير من النقاد.

في البلدان التي تتمتع بحرية صحافة وهياكل ضريبة متقدمة، ستُحدث الكشوفات مشاكل كبيرة؛ فالجمهور قلق للغاية، وهو ما رأيناه فعلًا في المملكة المتحدة بعد كشف تورط والد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بأوراق بنما، وطلب جيريمي كوربين، زعيم حزب المعارضة، من كاميرون لضرورة كشف مصالحه المالية، أما في البلدان المغلقة مثل روسيا والصين، فإن القضية لا تتمتع بالكثير من التأثير في أوساط الصحافة المحلية، ومن جهة أخرى، وضمن ديكتاتوريات الخليج العربي، كالمملكة العربية السعودية، قطر، والإمارات العربية المتحدة، فأنا لا أعتقد بأننا سنرى ضجة كبيرة ناجمة عن هذه الكشوفات، لأن صافي ثروة هؤلاء القادة تقدر بالمليارات، لذلك لا أتصور بأن تهريب عدة ملايين أو عشرات الملايين من الدولارات إلى الخارج غبر شركات الأوف شور سوف يتسبب بأي نوع من الاضطرابات الداخلية.

فايس: لماذا كانت تداعيات الكشوفات خافتة نسبيًا في الولايات المتحدة، رغم أنها تتمتع بحرية الصحافة وبديمقراطية متحررة؟

إسيكس: من الصعب أن نجزم بذلك، لأن القضية متعلقة ببساطة بالطريقة التي يُفرج بها مجموعة الصحفيين الاستقصائيين عن المعلومات خطوة بخطوة، ولهذا السبب لم نسمع بتورط شخصيات أميركية بارزة بالقضية حتى الآن، ولكن ما يزال يوجد أكثر من 11 مليون ملف تحت التدقيق، والأمر سيستغرق بعض الوقت للمرور على هذه الملفات، لذلك أعتقد بأنه من المبكر أن نجزم بأي شيء؛ فمثلًا الرئيس الأرجنتيني موريسيو ماكري استبق الأمور بسرعة وكشف عن علاقة والده مع إحدى الشركات الخارجية موضحًا بأن علاقته بالأمر قانونية وسليمة، وفعلاً أوضح الكيان الحكومي المسؤول عن التحقيق بالفساد معه بأن علاقته بالأمر على الغالب قانونية تمامًا.

في باكستان، على سبيل المثال، تغذي تلك الكشوفات السرد الأكبر حول تواجد طبقة سياسية ونخبة من رجال الأعمال التي تمارس اللصوصية، وهذا الأمر ليس بالكشف الجديد، أما فيما يخص الولايات المتحدة، فإنني أعتقد بأن ضعف تأثير الكشوفات متعلق بعدم وصول أي صحيفة أمريكية، باستثناء واحدة فقط، إلى الوثائق.

فايس: هل سيكون لأوراق بنما أي تأثير على الانتخابات الأمريكية؟

إسيكس: لا أعتقد أنها ستعكس أي تأثير مباشر على الانتخابات الأمريكية، لكنها ستوفر للمرشحين البارزين الذين يتناولون مواضيع الظلم الاقتصادي مثل بيرني ساندرز، وبطريقة غريبة، دونالد ترامب، المزيد من الأدلة ليطروحها في حملاتهم الانتخابية.

ما أعتقد أنه مثير للاهتمام هو أن أميركا استهدفت محاربة التهرب الضريبي بشكل كبير بالمقارنة مع أوروبا؛ ففضلًا عن قيام الحكومة بخوض حرب ضد البنوك الأوروبية الكبيرة، لاحقت البنوك السويسرية في عام 2014، كما حاربت أيضًا ممارسات تحويل الضرائب، التي وصفها أوباما بالممارسة الأكثر إضررًا ضمن الثغرات التي يعاني منها النظام الضريبي، حيث اتخذت وزارة الخزانة خطوة مهمة للغاية اليوم في محاولة لجعل فوائد تحويل الضريبة صفرية تقريبًا، وبالمجمل مارست الولايات المتحدة جهودًا هائلة في مجال مكافحة التهرب الضريبي، ولكن على الجانب الآخر، السبب الذي قد يكون لعب دورًا في عدم ظهور العديد من الأسماء الأمريكية ضمن تسريبات بنما، هو أن الولايات المتحدة تمتلك صناعة تهرب ضريبي داخلية على مستوى عالٍ.

فايس: إذن يسهل للغاية التهرب من الضرائب في الولايات المتحدة بشكل محلي دون الاعتماد على شركات الأوف شور؟

إسيكس: يمكنك فعل ذلك بسهولة، فسواء في نيفادا، وايومنغ، أو في داكوتا الجنوبية، وفي الكثير من الولايات الأخرى، يمكنك تأسيس شركات محدودة المسؤولية في كل ولاية تقريبًا ضمن الاتحاد الأمريكي، ومن هذا المنطلق، تبدو سياسة الولايات المتحدة في نطاق التهرب الضريبي مهمة للغاية، فهي من ناحية عدوانية للغاية، سيّما في ظل إدارة أوباما، الذي تحدث في وقت مبكر بشكل مطوّل عن التهرب الضريبي وعن رغبته باستعادة ما يقارب الـ200 مليار دولار أميركي على شكل عائدات ضريبية مفقودة، ولكن من ناحية أخرى، تعد الولايات المتحدة من البلدان التي تسمح فيها التشريعات الضريبية المتمايزة في كل ولاية بالتهرب الضريبي دون الحاجة لاستخدام خدمات مكتب محاماة في بنما؛ فالولايات المتحدة من هذا المنظور تبدو وكأنها تحوز سياسات متضارية بشأن مسألة التهرب الضريبي.

فايس: لكن ما يزال من الممكن أن يتأثر بعض الأشخاص البارزين أو يحصل حدث دراماتيكي جرّاء التسريبات التي ستظهر لاحقًا حول السياسيين أو بنوك الولايات المتحدة الأميركية، أليس كذلك؟

إسيكس: من حيث انخراط القطاع المصرفي الأمريكي، كشفت مجموعة الصحفيين الاستقصائيين عن البنوك التي استخدمت خدمات شركات الأوف شور أكثر من غيرها، وأنا لا أعتقد بأن المواطنين الأمريكيين يستعدون لسماع المزيد من الأسماء، أو لمعاينة نوع من الكشوفات المزلزلة التي تعد بقلب السياسة الأمريكية رأسًا على عقب، وأعود لأذكر مرة أخرى بأن البيانات التي تم كشفها هي غيض من فيض البيانات الموجودة، ودعونا نتذكر بأن مكتب محاماة بنما هو رابع أكبر شركة تتعامل بهذا النوع من القضايا، ولكم أن تتخيلوا الأعمال التي تمارسها المكاتب التي تحتل المراكز الثلاثة الأولى.

المصدر: فايس