منذ ما يقرب من ثمانين عامًا، ومدينة الأحواز العربية تقبع تحت الاحتلال الفارسي الصفوي، همشت وضيعت قضيتها ونساها المسلمون عامة والعرب خاصة، على الرغم من أن الإقليم غني بالنفط والغاز، وتمتاز أرضه بالخصوبة الزراعية، بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي له، حيث يقع إلى الجنوب الشرقي من العراق، ويتصل معه اتصالاً طبيعيًا عبر السهول الرسوبية وشط العرب، بينما يفصله عن إيران حاجز طبيعي متمثل بسلسلة جبال زاجروس.

بهشت آباد والدوحة!!

مؤخرًا بدأت الدولة الفارسية في بحث إمكانية نقل المياه من مصب نهر الدجيل في الأحواز إلى إقليم كرمان وسط إيران، ضمن مشروع "بهشت آباد"، الذي تقدر الإحصاءات المختلفة حجم المياه التي سيتم سرقتها خلاله بنحو 180 مليون مترمكعب سنويًا، حيث ستنقل هذه الكمية من المياه إلى المناطق الشمالية من إقليم كرمان وهي مدن رفسنجان، وسيرجان، وزرند، وشهربابك، وبردسير، وأنار.

تعود قصة تحويل المياه من منطقة الأحواز إلى الداخل الإيراني منذ العام 91، وتحديدًا بعد حرب الخليج الثانية، حينما بدا في الأفق اتفاق قطري إيراني يقضي بأن تمد الدولة الفارسية الدوحة بالمياه العذبة عبر خط أنابيب، تبدأ من نهر الكارون جنوب غربي طهران، وتمتد بمحاذاة الساحل الإيراني، مرورًا تحت مياه الخليج حتى قطر بهدف مساعدتها في حل مشكلة المياه بها، بعد أن أصبح بناء محطات التحلية عبئًا كبيرًا على كل دول الخليج بسبب الارتفاع المستمر لتكاليف البناء وقتها.

علاقة دافئة

على الرغم من فتور العلاقات بين طهران ودول الخليج كافة خلال السنوات الأخيرة، حافظت الدوحة وطهران على دفء العلاقة بينهما، ولم تصل أبدًا العلاقات بينهما إلى حد القطيعة أو الخصام، قبل أن يعلن الطرفين في العام 1995، عن مشروعهما المسمى "مياه الإيمان" أو "المشروع الأخضر"، وفي نهايات العام 97 وبعد مجموعة من الزيارات المتبادلة من الجانبين بدا أن المشروع قاب قوسين أو أدنى من التنفيذ، خصوصًا بعد نجاح طهران في مد أنابيب فولاذية وخرسانية تحت الأرض لمسافة 180 كيلومترًا، لاستغلال المياه المتسربة من المناطق الواقعة جنوب غرب البلاد، لنقلها إلى الدوحة بدلاً من ذهابها نحو مياه الخليج العربي، لكنها لم تكن بالطول الكافي لنقل المياه، وتوقف المشروع حينها عند هذا الحد، لعدم قدرتها على نقل الكميات المتفق عليها، والتي تبلغ من 10 إلى 20 مليون مترمكعب سنويًا، بالإضافة للتكلفة الكبيرة التي بلغت وقتها 13 مليار دولار.

توقف مفاجئ

خلال العام الماضي 2015 وبعد توقيع إيران اتفاقها النووي مع الدول الغربية، واتساع آفاق علاقاتها السياسية بدول الجوار - باستثناء دول الخليج -، عاد المشروع للواجهة مجددًا، لكن الشح المائي الذي عانته طهران مع انخفاض سقوط الأمطار في بعض المناطق، دفع بالجهات الحكومية في البلاد للمطالبة بترشيد استهلاك المياه، وعدم الإسراف فيها، فوجهت طهران رسالة إلى أمير قطر مفادها العدول عن الاتفاقية الموقعة بين الجانبين؛ لأن بلادهم في حاجة لتلك المياه أكثر من أي وقت مضى، لتبدأ الدولة الفارسية في مشروع تحويل المياه من منطقة الأحواز للداخل الإيراني، للاستفادة منها عبر مشروع تشرف عليه مؤسسة "خاتم الأنبياء" التابعة للحرس الثوري، بتكلفة مالية فاقت الألف و172 مليار تومان، عبر مد أنبوب بطول 270 كيلومترًا خلال فترة زمنية لا تتجاوز الأربعة أعوام.

كارثة بيئية

بيئيًا ستعود سلبيات هذا المشروع على منطقة الأحواز ككل، وتهددها بكارثة بيئية، بسبب انخفاض منسوب المياه في النهر بشكل غير مسبوق، خصوصًا وأن العديد من الدراسات أشارت إلى أن منسوب المياه في نهر الكرخة انخفض بنسبة 80% مقارنة بمعدله الطبيعي، بالإضافة إلى انخفاضه في نهري كارون والدز بنسبة 35%، في حين انخفض منسوب المياه في نهر الجراحي بنسبة 70% بسبب مشروع تحريف الأنهر إلى المناطق والمدن الفارسية، مع الوضع في الاعتبار أن مشروع "بهشت آباد" سينقل نحو مليار و100 مليون متر مكعب سنويًا إلى أقاليم أصفهان وكرمان ويزد، إلى جانب مشاريع أخرى مثل "كوهرنك 1 و2 و3"، و"قمرود1"، و"جشمه لنكان" و"خدنكستان"، حيث تنقل هذه المشاريع نحو مليار و146 مليون مترمكعب سنويًا، ما يعني كارثة لمنطقة الأحواز بكل المقاييس، خصوصًا مع ازدياد حالات التدمير البيئي للإقليم، وتحويله إلى موقع لمكبّ وتخزين المواد الكيماوية والبيولوجية، وغيرها من العناصر المؤشرة من مخلفات الحرب الإيرانية العراقية، التي اكتفت الحكومة الإيرانية بدفنها وتخزينها في أراضي إقليم الأحواز العربي، دون أيّ إجراءات لمعالجتها مما تسبب في تفشي الأمراض السرطانية والجلدية والتنفسية بين سكان الإقليم.

ميكيافيلية عربية

رغم كل هذه المعاناة لازالت الدوحة تفكر في التفاوض من جديد من نظام الملالي، لإعادة إحياء فكرة المشروع غير عابئة لما يتعرض له سكان الإقليم من القهر والقمع اليومي، الذي وصل إلى حد حرمانهم من التحدث بلغتهم العربية، وعدم إقامة المساجد لأهل السنّة، حتى الأسماء الشخصية لم تسلم من التفريس، فكل الأسماء العربية تم تحويلها إلى أسماء فارسية، ولم يعد من حق أي أسرة أن تسمي أولادها إلا بأسماء فارسية، ومن يرفض ذلك لا يتم إصدار أي إثبات له ولا يتم الاعتراف به.

ولم تكتف الحكومات الإيرانية بذلك بل سعت لعملية التهجير للقبائل العربية المقيمة في الأحواز إلى مناطق الشمال الإيراني، واستجلاب سكان هذه المناطق إلى الأحواز، كما مارست سياسة التجويع للشباب الأحوازي، نتيجة انعدام فرص العمل؛ من أجل إجباره على الهجرة نحو الداخل الإيراني، وبالتالي يتم إبعادهم عن وطنهم وأهلهم وانتمائهم، ولصقهم بمناطق جديدة بعادات وأعراف أخرى، أو الهجرة خارج الإقليم، وفقدهم لهويتهم العربية من خلال ارتباطهم بمعيشتهم وهمومهم الخاصة، ومازالت الأيام القادمة تحمل لهم المزيد، طالما العرب صامتون.

معركة المصالح

والسؤال هنا هو: ألا يتعارض هذا المشروع في حال تنفيذه مع قطر مع مشروع آخر سبق وأعلنت عنه طهران لمد الكويت بالمياه من نفس المصدر؟ وكيف ستفي طهران بتعهداتها لأي من الدولتين، وهي تعاني نقصًا في المياه داخليًا وتذبذب في سقوط الأمطار؟

الإجابة هنا مرهونة بما هو آت من تطورات وأحداث بالمنطقة، ومدى التقارب والتباعد في العلاقات الإيرانية - الخليجية نفسها مع اشتعال أزمة اليمن، ومدى إمكانية دول الخليج عامة سد العجز المائي لديها عبر مشاريع التحلية المكلفة جدًا لميزانيتها المنهكة أساسًا بانهيار أسعار النفط.