توجه الرئيس التركي أردوغان أمس الجمعة إلى الصين في زيارة تستغرق يومين للقاء نظيره الصيني شي جين بينغ، والمشاركة في منتدى اقتصادي دولي "الحزام والطريق" الذي سيعقد في العاصمة بكين لبحث مواضيع متعلقة بالتعاون في مجالات البنية التحتية والنقل والاقتصاد والتجارة والاستثمار وموارد الطاقة والدعم المالي وحماية البيئة. وعقد قمة ثلاثية مع الرئيسين الروسي والصيني، بالإضافة إلى عقد اتفاقيات تجارية ضخمة بين البلدين.

العلاقات التجارية بين تركيا والصين 

تطورت العلاقة بين كل من الصين وتركيا بشكل تدريجي خلال العقود الأربع الماضية واستمرت بالازدهار، وتعد التجارة العنصر الأقوى في هذه العلاقة، ففي عام 2000، وصل إجمالي حجم التجارة الثنائية بينهما إلى نحو 1.4 مليار دولار بينما بلغ 27.3 مليار دولار في عام 2015. وخلال تلك الفترة، تمكّنت الصين من التفوق على ألمانيا لتصبح المصدر الرئيسي للواردات التركية.

وقد أظهرت الإحصاءات الرسمية التركية أن التبادل التجاري خلال عام 2014 بلغ قرابة 28 مليار دولار أمريكي أي خمسة أضعاف ما كان عليه في عام 2004، وفي نفس العام كانت الصين سادس أكبر مصدر للواردات لتركيا ومقصد التصدير في المرتبة التاسعة عشر، في حين أصبحت الصين ثاني أكبر مصدر للواردات لتركيا في عام 2014. 

تعد التجارة العنصر الأقوى في علاقة الصين مع تركيا، ففي عام 2000، وصل إجمالي حجم التجارة الثنائية بينهما إلى نحو 1.4 مليار دولار بينما بلغ 27.3 مليار دولار في عام 2015.

أجرت كلا الدولتين مناورات عسكرية مشتركة في العام 2009، وفي العام 2012 ساهمت الصين في إطلاق القمر الصناعي التركي "غوكتورك-2" في إطار التعاون في مجال الفضاء، ووقّعت تركيا والصين اتفاقية تعاون مبدئية تهدف إلى تحفيز مليون مواطن صيني على الأقل لزيارة تركيا سنويًا وكذلك مواطنين أتراك لزيارة الصين، خلال زيارة وفد من رئاسة الوزراء التركية للصين في 11 من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.      

كما يأتي لقاء زعيمي البلدين الرابع خلال العامين الأخيرين للتباحث بشأن ملفات سياسية واقتصادية ومواضع أخرى ذات اهتمام مشترك،  وفي العام 2012 أصبحت تركيا شريكًا في الحوار مع منظمة شنغهاي للتعاون وهي مجموعة متعددة الأطراف تهيمن عليها روسيا والصين ويعتبرها الغرب أحيانًا طامحة إلى منافسة المؤسسات التي ترأسها الولايات المتحدة أو الحلول محلها.

وحسبما أفاد السفير الصيني لدى أنقرة يو هونغ يانغ، لوكالة الأناضول اليوم 13 من مايو/ أيار الجاري، فإن بكين رحّبت بفكرة انضمام تركيا إلى "منظمة شنغهاي للتعاون"، وأبدت اسعدادها للتعاون مع المسؤولين الأتراك في هذا الإطار، وأضاف السفير "نؤمن بأن المباحثات بين الرئيسين ستكسب زخمًا للتعاون الاستراتيجي الحقيقي بين تركيا والصين، ونحن نولي أهمية كبيرة لتعزيز العلاقات مع أنقرة على الأصعدة كافة".

وكان البلدان قد توصلا إلى اتفاق لتبادل العملات بقيمة 10 مليارات يوان في عام 2012، فيما قام الجانبان في 2015، بتمديد فترة الاتفاقية لمدة 3 أعوام لتصل القيمة إلى 12 مليار يوان (1.88 مليار دولار أمريكي) وستكون قابلة للتمديد، وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي أعلنت بكين أنها ستبدأ إجراءات التعامل بشكل مباشر مع تركيا بالليرة واليوان، وإقصاء الدولار من التبادل التجاري بينهما.

بكين رحّبت بفكرة انضمام تركيا إلى "منظمة شنغهاي للتعاون"، وأبدت اسعدادها للتعاون مع المسؤولين الأتراك في هذا الإطار

وتهدف اتفاقية تبادل العملات بين أنقرة وبكين إلى تعزيز التعاون المالي وضمان التوازن ودعم التجارة والاستثمار الثنائي وضمان الاستقرار الاقليمي المالي وتلبية احتياجات المؤسسات الاقتصادية في البلدين لتخفيض تكاليف تبادل العملات، وتسهيل استخدام العملتين في التجارة والاستثمارات عبر الحدود، إذ سيتمكن الأعضاء المتعاملون في سوق العملات الأجنبية بين البنوك والمؤسسات من التعامل بشكل مباشر في تعاملاتهم بالليرة التركية واليوان الصيني.

وعلى الرغم من الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين فإنها لا تخل من الجدل برأي باحثين، ففي الوقت الذي تضاعف فيه إجمالي حجم التجارة بين البلدين عشرين مرة عن معدلاته السابقة، ازداد اختلالاً مع تجاوز نمو الواردات التركية من الصين، نمو صادراتها إلى حد كبير، ففي العام 2015، اقتصرت الصادرات التركية إلى الصين على 2.4 مليار دولار من أصل 27.3 مليار دولار من قيمة التجارة الإجمالية وهو ما يشير إلى أن الميزان التجاري مائل لصالح الصين بشكل كبير.

وتحاول تركيا في زيارة رئيسها الحالية إلى الصين تصحيح هذا الخلل في الميزان التجاري ومعالجة الخطأ الحاصل فيه، إذ أكد وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي، أن الوفد التركي المرافق لأردوغان يجري محادثات مع المسؤوليين الصينيين تتمحور حول العراقيل التي تفرضها سلطات بكين أمام دخول المنتجات التركية إلى أسواقها.

في الوقت الذي تضاعف فيه إجمالي حجم التجارة بين البلدين عشرين مرة عن معدلاته السابقة، ازداد اختلالاً مع تجاوز نمو الواردات التركية من الصين، نمو صادراتها إلى حد كبير

وأوضح الوزير زيبكجي، أن حالة عدم التوازن في الميزان التجاري مع الصين، أمر لا يمكن قبوله، وعلى حد وصفه "نقوم ببيع منتج إلى الصين، لكننا نشتري مقابل ذلك 10 سلع استهلاكية من هناك، وهذا الأمر غير مقبول، فقيمة الصادرات الصينية إلى تركيا 25 مليار دولار، ووزارتنا تراقب المنتجات المستوردة من الصين عن قُرب".

وتعد المشكلة الأكبر التي يعاني منها المصدرون الأتراك، هي الحصول على تراخيص وشهادات تصدير إلى الصين، فحكومة بكين تماطل في إجراءات قبول المنتجات التركية، الأمر الذي يقلل من حجم الصادرات إلى الصين، ومن المنتظر أن تكون محادثات الوفد التركي في الصين تركز على كيفية إزالة هذه العراقيل، بالإضافة إلى وجود صعوبة لدى التجار الأتراك في الحصول على تأشيرة دخول لزيارة الصين، وقال زيبكجي بهذا الخصوص "عدم قبول أنقرة عرقلة دخول تجّارنا إلى الأسواق الصينية"، لذا سيبحث الوفد المرافق لأردوغان مع نظرائه إعفاء المستثمرين الأتراك من شرط الحصول على التأشيرة إلى الصين.

 الحزام والطريق

سينعقد منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي خلال يومي 14 و15 من مايو/ أيار الحالي في بكين، وسيحضر المنتدى أكثر من 1500 وفد يشمل مسؤولين ورؤساء دول وأكاديميين ورواد أعمال ومندوبين عن مؤسسات مالية ومنظمات دولية.

تشير مبادرة الحزام والطريق إلى مبادرة الحزام الاقتصادي التي أطلقها الرئيس الصيني في العام 2013 لطريق الحرير الذي يربط الصين بأوروبا عبر وسط وغرب آسيا من خلال طرق برية، وإلى طريق الحرير البحري للقرن الواحد والعشرين الذي يربط الصين بجنوب شرق آسيا وإفريقيا وأوروبا عبر البحر، وتمتد الشبكة عبر ما يزيد على 60 بلدًا ومنطقة يبلغ إجمالي عدد سكانها 4.4 مليار نسمة.

وقبل توجهه إلى الصين ذكر الرئيس التركي أردوغان، بأن تركيا ستلعب دورًا مهمًا في مبادرة الحزام والطريق بالنظر إلى كونها تمثل رابطًا جغرافيًا وثقافيًا بين الشرق والغرب ولأنها شريك لا غنى عنه بالنسبة إلى الصين، وأضاف أن المبادرة "مهمة للغاية وتاريخية وتهدف إلى تأسيس شبكة للبنية الأساسية والنقل والاستتثمار والطاقة والتجارة".

تمتد شبكة "الحزام والطريق" عبر ما يزيد على 60 بلدًا ومنطقة يبلغ إجمالي عدد سكانها 4.4 مليار نسمة.

وتعهد أردوغان بأن تقوم تركيا، بوصفها شريك لا غنى عنه، بتوفير دعم قوي لمبادرة بكين، من أجل إحياء طريق الحرير القديم، وقال "سوف نبدأ في 2017 بتشغيل مشروع خط السكك الحديدية باكو - تيليبسي - كارز ، كخطوة مهمة في خطة الممر الأوسط للبلاد"، ومن المتوقع أن يتم التوقيع على اتفاقية كبرى بقيمة 30 مليار دولار، لإنشاء قطار سريع يصل بين مدينة كارس في أقصى شرق تركيا، ومدينة أدرنة في أقصى غرب تركيا، وذلك كجزء من مشروع "قطار طريق الحرير" الجديد الذي تسعى الصين لإنشائه ليصل بين بكين ولندن. 

وتعتزم الصين إنشاء خط سكة حديد يبلغ طوله 6000 كيلومتر يمتد من مقاطعة شينجانغ الأيغورية في الصين حتى إسطنبول في تركيا، سيحتوي على خطين أحدهما لنقل البضائع والآخر سريع لنقل الركاب، ويتوقع أن يحمل الخط الذي يمر بكل من قيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان وإيران، والذي يتوقع أن يدخل حيز الخدمة في عام 2020 عددًا كبيرًا من السياح الصينيين وغيرهم إلى تركيا التي تهدف لتكون محطة أساسية للسياحة حول العالم.

إيلاء تركيا أهمية كبيرة للصين يأتي ضمن استراتيجيتها لتنويع مصادر تعاونها التجاري والاقتصادي مع دول واتحادات أخرى غير الاتحاد الأوروبي، إذ تدخل تركيا في صراع مرير وطويل معه للدخول إلى التكتل، وفي هذا السياق عمدت تركيا إلى التعاون بشكل أكبر في جميع المجالات خلال السنوات الماضية مع شركات صينية لكسر احتكار الشركات الغربية على المشروعات في تركيا، لا سيما أن الشركات الصينية معروفة بمرونة أكبر في نقل التقنيات الخاصة بها عن الشركات الأوروبية.

تعتزم الصين إنشاء خط سكة حديد يبلغ طوله 6000 كيلومتر ويمتد من مقاطعة شينجانغ الأيغورية في الصين حتى إسطنبول في تركيا

ومع ازدهار السوق الاستهلاكية في تركيا والقرب من أسواق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، أصبحت مقصدًا مهمًا للشركات الصينية الراغبة في التجارة والاستثمار، نظرًا لأن تركيا تعاني من عجز في الأرصدة يسد ضخ النقد والاستثمارات الصينية في تركيا، ويخلق تأثيرًا إيجابيًا في تحديث تركيا.

وتعد شركة هواوي الشركة الصينية الأبرز في تركيا والموجودة منذ العام 2002، إذ تساهم بقوة في قاعدة البحوث والتنمية التركية، وتزود البلاد بالقدرة على مواكبة التغيرات في عالم الاتصالات، وتقوم عبر مركز البحوث الخاص بها بتنسيق التعاون التكنولوجي في المنطقة كلها.

كما أنشأت شركة صينية خط السكك الحديدية فائق السرعة بين أنقرة وإسطنبول والذي خفض ساعات السفر من 10 ساعات إلى أقل من 4 ساعات، وقامت شركات صينية مثل "هاينان" للخطوط الجوية وشركة "سي اس ار" لصناعة السيارات وشركة "نيو هوب" للمنتجات الزراعية بالاستثمار في تركيا في قطاعات النقل والطاقة والاتصالات والتعدين والسياحة، ويمكن للبلدين توسيع نطاق التعاون في مجالات جديدة مثل التمويل والطاقة والطيران والفضاء والاتصالات في إطار المبادرة الصينية "الحزام والطريق".

بالنسبة للصين فهي تنوي إنفاق 4 ترليونات دولار خلال العقدين الحاليّ والمقبل على المشروع ليكون مشروعها "الطريق والحزام" من أكبر المشاريع الاستراتيجية التي تقوم بها ليس على المستوى المحلي فحسب بل على المستوى العالمي أيضًا، ويقوم المشروع على بناء الطرق والسكك الحديدية والجسور والمواني في الدول التي سيمر منها الطريق والممتد عبر أكثر من 60 دولة في آسيا وأوروبا والمنطقة العربية، ويساهم في إيجاد عقود لشركات البناء وصناعة الأسمنت والصلب.

من المتوقع أن يتم التوقيع على اتفاقية كبرى بقيمة 30 مليار دولار، لإنشاء قطار سريع يصل بين مدينة كارس في أقصى شرق تركيا، ومدينة أدرنة في أقصى غرب تركيا، وذلك كجزء من مشروع "قطار طريق الحرير".

أما الدول التي سيمر بها المشروع ومن بينها تركيا، فسيعمل على تنمية اقتصاداتها وخلق مشروعات ضخمة وفرص عمل، ويرفع من مستوى دخل المواطنين في البلدان التي يمر بها، وتتوقع الصين أن تفوق التجارة مع دول الحزام والطريق 2.5 ترليون دولار في العام 2025. 

تحمل هذه الزيارة أهمية كبرى بالنسبة لتركيا لتعزيز العلاقات التجارية مع الصين بشكل أكبر، وتصحيح الثغرات الموجودة في تلك العلاقة فيما يخص الميزان التجاري وإعفاء المستثمرين الأتراك من تأشيرات الدخول إلى الصين، كما سيكون لنتائج هذه الزيارة أهمية بالغة على صعيد المشاريع الاستثمارية في تركيا التي ستسهم في دفع عجلة النمو الاقتصادي في البلاد في الأعوام المقبلة وهو ما تحتاج إليه تركيا في الوقت الحالي.