الجيش الجزائري

لم تمنع الأزمات المتعدّدة التي تعيشها الجزائر وحالة الركود الاقتصادي الذي تشهده البلاد منذ منتصف سنة 2014 نتيجة تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية، من مواصلة سباق التسلح واقتناء مزيدًا من الأسلحة الثقيلة من أسواق عدّة.

ميزانية الجيش فوق كل الميزانيات

تتجه مؤشرات إعداد مشروع قانون الموازنة العامة للعام القادم في الجزائر، إلى احتفاظ الجيش الشعبي الجزائري بالحصة المعتادة من الموازنة العامة، رغم توجه الحكومة إلى فرض الإجراءات التقشفية، لمواجهة أعباء الأزمة الاقتصادية، وتقلص مداخيل الخزينة العمومية الناتجة عن تراجع موارد الدولة.

ترجع أوساط جزائرية هذا الارتفاع في ميزانية الدفاع إلى الدور القوي للجيش في مراكز القرار وتأثيره في السياسة الخارجية والدبلوماسية

ومن المتوقع حسب عديد المراقبين، ألا ينزل نصيب وزارة الدفاع عن سقف العشرة مليارات دولار خلال العام 2018، وهو الرقم الذي لم يتأثر بالإجراءات التقشفية الجديدة، ما يعكس الأهمية التي توليها القيادة السياسية في البلاد، للمؤسسة العسكرية نظير الثقل الاستراتيجي الذي تنطوي عليه، في حفظ أمن البلاد واستقرارها.

وتتفوق ميزانية الجيش في الجزائر على جميع الوزارات، وترجع أوساط جزائرية هذا الارتفاع في ميزانية الدفاع إلى الدور القوي للجيش في مراكز القرار وتأثيره في السياسة الخارجية والدبلوماسية، والحرب الباردة مع المغرب التي طال أمدها، بالإضافة إلى الوضع غير المستقر بليبيا وتونس، واستيقاظ جيوب إرهابية بالمناطق الحدودية والصحراوية للبلاد.

وتتضمن موازنة الجيش الجزائري، التي وصلت إلى سقف 17 مليار دولار في سنوات الأريحية المالية، إلى جانب موازنة التسيير مخصصات التجهيز والتموين العسكري، عبر الوفاء بصفقات سارية المفعول أو بحث إبرام صفقات جديدة للحصول على تجهيزات متطورة ووسائل لوجيستية.

روسيا أولا ثم ألمانيا

في ردّها على طلب إحاطة من الكتلة البرلمانية لحزب “اليسار”، ذكرت وزارة الاقتصاد الألمانية أن الجزائر كانت أكبر دولة مستوردة للأسلحة الألمانية خارج الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في النصف الأول من العام الحالي. ورغم تراجع القيمة المالية للأسلحة مقارنة بقيمة الأسلحة التي اشترتها الجزائر من ألمانيا في نفس الفترة من العام الماضي، التي بلغت 4 مليار يورو، فقد بلغت قيمة الأسلحة التي استوردتها الجزائر من ألمانيا في النصف الأول من هذا العام أكثر من مليار يورو.

ويأتي تعامل الجزائر مع ألمانيا في محاولة منها لتنويع الشركاء في مجال التعاون العسكري وعدم الاكتفاء بالمموّنين التقليديين وفي مقدمتهم روسيا والصين، بالإضافة إلى بريطانيا وأميركا وإيطاليا وفرنسا. وتقول تقارير إعلامية إن السوق الألمانية باتت ثاني سوق تستورد منها الجزائر بعد روسيا، منذ سنة 2011.

صواريخ أرض جو على الحدود الجزائرية الليبية

وتظل روسيا المصدر الأول للجزائر بشأن المعدات الحربية منذ 24 سنة، وكانت موسكو قد عرضت على الجزائر مؤخرًا، منحها الأولوية في تصدير منظمات الدفاع الجوي الأكثر تطورًا من نوع بانستير سي 1 القادرة على التصدي للصواريخ (نسخة مشابهة لمنظومة الدفاع الجوي ضد الصواريخ الأمريكية)، بالإضافة إلى نقل تكنولوجيا تصنيع القذائف الصاروخية الذكية للجزائر والمشاركة التقنية في المشروع الجزائري لتطوير العربات القتالية.

ومن أهم التجهيزات العسكرية الروسية المصدرة للجزائر، نجد الدبابة القتالية الشهيرة "تي. 90 إس إي"، التي تسلم الجيش الشعبي الوطني 67 نسخة منها شهر يوليو 2016، في إطار صفقة أبرمت عام 2014 وتتضمن تصدير 200 دبابة من هذا النوع، حسب تقرير نشرته وكالة "تاس" الروسية"، على أن تتسلم الجزائر طائرات عمودية هجومية من نوع "إم آي - 28 إن إي"، ومروحيات للنقل التكتيكي الثقيل صنف "إم آي 26 تي2" روسية الصنع.

ارتفاع الانفاق

من المنتظر أن يبلغ حجم الانفاق العسكري الجزائري، في ظل تزايد التحديات الأمنية بدول الجوار الاستراتيجي، 16 مليار دولار سنة 2020 مقابل 13 مليار دولار، في 2015، حسب تقرير أمريكي أصدره مركز "ماركت للأبحاث".

وقال التقرير إن تنامي حجم التهديدات الإرهابية في المنطقة وتردي الأوضاع في تونس وليبيا ومالي، ورهان ضمان التوازن العسكري مع المغرب الأقصى، والحاجة الماسة لتطوير قدرات الجيش الجزائري ستدفع إلى رفع الإنفاق على المعدات والأسلحة من 4.5 مليار دولار سنويًا إلى 6.8 مليار دولار سنويًا بحلول العشرية المقبلة، وقبل ذلك قدّر المعهد الدولي لأبحاث السلام والأمن في بروكسل في شهر فبراير 2012، حاجات الجيش الجزائري في السنوات الخمس القادمة بما لا يقل عن 10 مليار دولار من أنظمة الأسلحة المختلفة.

تحتلّ الجزائر المركز الأول على قائمة الدول الأفريقية المستوردة للأسلحة، حيث أنها تستورد لوحدها أسلحةً بنسبة 46% من إجمالي ما استوردته جلّ دول أفريقيا

ويحتل الجيش الجزائري المركز الـ27 عالميًا والثاني عربيًا بعد مصر ضمن التصنيف العالمي لأقوى الجيوش الذي تعده المؤسسة الأمريكية غلوبال فاير باور المتخصصة في لسنة 2016، فيما احتل الجيش الجزائري المرتبة الأولى عربيًا من حيث التعداد وبلغ عدد أفراده 512 ألف جندي، حسب تصنيف لنفس المؤسسة لسنة 2015.

وتحتلّ الجزائر المركز الأول على قائمة الدول الأفريقية المستوردة للأسلحة، حيث أنها تستورد لوحدها أسلحةً بنسبة 46% من إجمالي ما استوردته جلّ دول أفريقيا، حسب تقرير عن تجارة السلاح في العالم لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام العالمية (سيبري)، أما على الصعيد العالمي، فتشير التوقعات إلى أن الجزائر اشترت نحو 3.7% من مجموع الأسلحة المباعة في السوق العالمية للسلاح.

ودخلت الجزائر في تعاون عسكري لافت مع عدة دول مصدّرة للسلاح، منذ مجيء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى قصر المرادية في 1999، لا سيما مع ارتفاع مداخيل خزينة الدولة من العائدات النفطية، حيث أبرمت عدة صفقات عسكرية ضخمة وعلى رأسها الصفقة التي أبرمها بوتفليقة مع نظيره الروسي في العام 2006 بقيمة ثمانية مليارات دولار لتزويد الجيش بمعدات وتجهيزات ثقيلة ومتطورة.

أزمة اقتصادية

ارتفاع الانفاق على التسليح، يأتي على حساب الحاجيات المحلية للشعب، وعلى حساب أولوية توظيف مقدراتها المالية في تطوير الاقتصاد المحلي وتحسين الخدمات، والاعتناء بالمطالب الاجتماعية الفئوية، في وقت تعاني فيه الجزائر من أزمة اقتصادية حادة.

وتعتمد الجزائر، العضو في منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك»، على عائدات النفط والغاز بنسبة كبيرة في موازنتها، كما أن المحروقات تمثل نسبة 96% من صادراتها. وانخفضت عائدات الجزائر من النفط والغاز سنة 2016 إلى حدود 27.5 مليار دولار بعد أن كانت 35.7 مليار دولار في 2015، وستين مليار دولار في 2014، بحسب التقديرات الأولية للحكومة.

تواصل تراجع أسعار النفط يقلق الجزائريين

وسجّلت موارد "صندوق ضبط الإيرادات" المخصص لتغطية عجز الموازنة الجزائرية تراجعا بنحو 59.5% بنهاية عام 2016 مقارنة بعام 2015، حيث بلغت موارد الصندوق 7.6 مليارات دولار في ديسمبر 2016 مقارنة ب 18.8 مليار دولار في 2015. وأنشأت الجزائر "صندوق ضبط الإيرادات" لادخار عائدات النفط منذ 17 عاما، ويضم الإيرادات المحسوبة من الفارق بين سعر النفط المرجعي البالغ 37 دولارا للبرميل وسعر بيع النفط في السوق.

ونتيجة هذا عادت الجزائر في نوفمبر الماضي إلى الاقتراض الخارجي، بعد 11 سنة من قرار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وقف الاستدانة من الخارج، من أجل تمويل مشاريعها في ظل عجز خزينتها العامة، وأعلن في وقت سابق مدير ديوان الرئيس الجزائري حينها والوزير الأول الحالي، أحمد أويحيى، أن الجزائر ستضطر إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي ما يعادل 5 مليارات دولار سنوياً ابتداء من السنة المقبلة، وذلك إذا تواصل انهيار سعر برميل النفط.