هل من أحد يتذكر ميلفا ماريك زوجة أينشتاين؟ ربما لن يهم معرفة زوجات العلماء المشهورين خاصة إن لم يكن لها تاريخ علمي يُذكر، إلا أن الوضع كان مختلفًا مع "ميلفا ماريك" الزوجة الأولى لعالم الفيزياء المعروف أينشتاين، فـ"ميلفا" اكتشفت موهبة أينشتاين وسجلت اختراعاتها باسمه، فتخلى عنها بعد الشهرة وخانها.

أينشتاين عالم فذ ولكن زوج فاشل وأب غير مسؤول أيضًا، تلك كانت الحياة المنسية لأذكى فتاة في أوروبا في ذلك الحين، وعالمة الفيزياء النابغة ميلفا ماريك، فعلى الرغم من عدم استطاعة أي أحد إثبات براءات اختراع لها، فإن الرسائل المنشورة من رسائل أينشتاين تدل بوضوح على مساعدتها له في أبحاثه العلمية، التي كان بعضها بفضلها هي فحسب.

تعرف الزوجان بعضهما عام 1896، ذلك قبل أن ينفصلا عام 1914 بعدما أنجبت له طفليه هانس ألبرت وإدوارد، بدأت حكايتهما من الشغف بالفيزياء، حيث كانت ميلفا صربية الأصل لأسرة ذات شأن في البلاد آنذاك، التحقت ميلفا بمدرسة الثانوية في العام الذي تلى منح الفتيات حق الدراسة في المدارس ومن ثم انتقلت للتعليم العالي في جامعة زيورخ، بعدما صار والدها وزيرًا للتربية والتعليم، حيث سمح لها بدراسة الفيزياء التي كانت حكرًا على الذكور في ذلك الوقت، لتُصبح أول أوروبية تدرس الفيزياء، حينها أصبحت صديقة مقربة لألبرت أينشتاين الذي يدرس معها في نفس القسم.

شغفها بالفيزياء أوقعها في حب أينشتاين

على الرغم من عنصرية النظام التعليمي الأوروبي في ذلك الوقت ضد الطالبات الفتيات، استطاعت ميلفا تحدي ذلك بنبوغها العلمي المشهود له، وتفوقها على طلاب قسم الفيزياء الذي لم يُعترف للنساء فيه بأهليتهن لدراسته، بل تفوقت على ألبرت أينشتاين نفسه وحصلت على معدلات أعلى منه في الاختبارات التجريبية.

بعدها بفترة قصيرة ذهبت مليفا إلى جامعة هايدلبرج لتحضر محاضرات الفيزياء والرياضيات، وكانت على اتصال دائم بألبرت أينشتاين وتكتب له عن النظريات المشروحة في جامعتها، لكنها سرعان ما أدركت أن اضطهاد المرأة وصل إلى درجة ستمنعها من الحصول على شهادتها، حيث كانوا يمتنعون عن منح الشهادات العلمية للنساء في ذلك الوقت.

حينها قررت العودة من جديد إلى جامعة زيورخ حيث أينشتاين لدراسة العلوم التطبيقية من جديد، فبدأت علاقتها تتوطد بأينشتاين وذلك تم إثباته من خلال الخطابات التي اكتُشفت بعد رحيل أينشتاين والتي كشفت الكثير من أسرار حياته الشخصية والزوجية.

لم تكن ميلفا يهودية أو ألمانية، ووفقًا لرأي والدة ألبرت، كانت ميلفا تعرج قليلاً، وتتمتع بالعقلانية بشكل مبالغ فيه، كانت هذه أسبابًا دفعت عائلة أينشتاين لمعارضة قرار الزواج

كشفت تلك الخطابات مساعدة ميلفا لأنشتاين في إتمام دراسته نتيجة لتفوقها عليه في دراسة الفيزياء، في شهر أغسطس/آب العام 1899، كتب ألبرت إلى ميلفا قائلاً: "حينما قرأت لهلمهولتز (عالم فيزياء ألماني) لأول مرة، كان صعبًا وغريبًا لأنكِ لم تكوني بجواري، ولم يتحسّن الأمر إلى الآن، ما نفعله سويًا يكون رائعًا وسهلاً".

وبانتهاء السنة الدراسية في العام 1900، حصل ألبرت وميلفا على درجات متشابهة فكانت نتيجة ميلفا 4.7 بينما ألبرت 4.6، عدا الفيزياء التطبيقية التي حصلت فيها ميلفا على الدرجة النهائية 5 بينما حصل ألبرت على 1 فقط.

برعت ميلفا في الاختبارات التجريبية على عكس ألبرت، ولكن في الاختبار الشفهي، أعطى البروفيسور مينكووسكي 11 درجة من أصل 12 درجة للطلاب الذكور، بينما حصلت ميلفا على 5 درجات فقط بسبب تعرضها للاضطهاد كونها الفتاة الوحيدة التي سُمح لها بالدراسة في قسم الفيزياء.

خطابات تكشف الحياة السرية لأينشتاين

"ميلفا" مع ابنيها هانز وإدوارد

لم تكن ميلفا يهودية أو ألمانية، ووفقًا لرأي والدة ألبرت، كانت ميلفا تعرج قليلاً، وتتمتع بالعقلانية بشكل مبالغ فيه، كانت هذه أسبابًا دفعت عائلة أينشتاين لمعارضة قرار الزواج، في سبتمبر/أيلول من العام 1900، كتب ألبرت لميلفا قائلاً: "أتطلع لاستئناف عملنا الجديد معًا، كما يجب عليكِ الآن استكمال البحث الخاص بكِ، كم سأكون فخورًا بزوجتي الحاصلة على الدكتوراه، بينما أنا رجل عادي".

قدم أينشتاين وميلفا في 13 من ديسمبر/كانون الأول من العام 1900، المقال الأول عن الجاذبية، مذيلاً بتوقيع ألبرت وحده، ومع ذلك، كان كل منهما يشير إلى المقال في خطاباتهما على أنه عملهما المشترك، بل وتشير أيضًا خطابات ميلفا لصديقاتها إلى ذلك، حيث تأكد مساعدة ميلفا وعملها المشترك جنبًا إلى جنب مع أينشتاين من الخطابات التي كانت ترسلها لدوائرها المقربة، بالإضافة إلى تأكيد ذلك من الخطابات التي عُثر عليها من مراسلاتهما أنفسهم.

كان شرط العائلة لكي تبارك زواج ميلفا وأينشتاين أن يجد أينشتاين عملًا جادًا غير أن يكون هو وزوجته معلمين يعطيان الدروس الخصوصية أو دروس التقوية، كان ذلك الدافع الذي جعل ميلفا تتخلى عن توقيعاتها على الأبحاث العلمية نتاج عملها المشترك مع أينشتاين ليجد الأخير عملًا مرموقًا ويستطيعا الزواج، فتوقيعها إلى جانب توقيعه سيقلل من قيمة الأبحاث ووزنها في ذلك الوقت في أوروبا.

لم تستطع ميلفا الحصول على شهادتها العلمية بسبب تعمد بعض الأساتذة إعطائها درجة الرسوب مرارًا وتكرارًا، حينها أُجبرت على التخلي عن دراستها ولكنها لم تتخل عن أينشتاين

تقول رادميلا ميلانتيافيتش وهي أستاذة التاريخ السابقة في كلية سيتي بنيويورك والتي أصدرت عام 2015 السيرة الذاتية الأشمل عن ميلفا، في تقرير بعنوان "الحياة المنسية لزوجة أينشتاين الأولى" إنه ربما رغبت ميلفا في مساعدة زوجها ليصنع اسمًا لنفسه ويعثر على وظيفة حتى يتزوجا.​

بداية العمل وتهميش لمن اكتشفت موهبته

"كم سأكون فخورًا وسعيدًا حينما يصير عملنا عن الحركة النسبية استنتاجًا ظافرًا".

ألبرت أينشتاين إلى ميلفا

27 مارس/آذار1901

لم تستطع ميلفا الحصول على شهادتها العلمية بسبب تعمد بعض الأساتذة إعطائها درجة الرسوب مرارًا وتكرارًا، حينها أُجبرت على التخلي عن دراستها ولكنها لم تتخل عن أينشتاين الذي رافقته في مغامراته بعد انتقاله إلى إيطاليا دون زواج، وصارت حاملًا، فحاولت إقناع أينشتاين بالزواج منها، وأنجبت ميلفا فتاة أسمتها ليزورل في يناير/كانون الثاني 1902، ولا يعلم أحد بالطبع ماذا حدث لها، فليس ثمة شهادة ميلاد أو وفاة، ويعتقد أنها عرضتها للتبني.

وفي بداية ديسمبر/كانون الأول 1901، حصل ألبرت على وظيفة بمكتب براءات الاختراعات في العاصمة السويسرية برن، تأثرت حياتهما الزوجية بالعمل، فتولت ميلفا مهام العمل المنزلية، لتقضي ليلها في مساعدة أينشتاين في أبحاثه العلمية، فكان عام 1905 "عام المعجزة" بالنسبة لألبرت، فقد نشر خمسة مقالات، الأول عن التأثير الكهروضوئي (الذي نال على إثره جائزة نوبل)، واثنين عن الحركة البراونية، وواحد عن النسبية الخاصة ومعادلتها الشهيرة E = mc2، وهو الشيء الذي أفنى أينشتاين حياته فيه لعدة سنوات بعد ذلك.

يحكي كتاب السيرة الذاتية عن حياة ميلفا الكاملة من وحي شهادات الأقارب عن كيفية عمل الزوجين معًا على الأبحاث العلمية، وكيف كانا يقضيان الليل على حل المعادلات الرياضية، حيث كانت تروي لهم ميلفا عن إنجازها لأعمال مهمة من شأنها رفع اسم زوجها عاليًا.

لم يخصص أينشتاين لها نصيبًا من جائزة نوبل، وهو الأمر الذي أوضحته الخطابات بينهما، حيث هددته بإفشاء سر مساعدتها له

كان التقدير الحقيقي الأول لألبرت في العام 1908، حين ألقى محاضرات مجانية في برن، ثم تولى منصبه الأكاديمي الأول في زيورخ العام 1909، حينها تم اكتشاف أن من كتب مسوداته في محاضراته الأولى كانت زوجته ميلفا، فالمسودات الأولية كانت بخط يدها.

عملا معًا وسجلت اختراعتها باسمه، لكنه خانها


السيرة الذاتية لحياة "ميلفا ماريك"

لم تستمر الحياة الزوجية على ما يرام طويلًا على الرغم من استمرار ميلفا الدائم في مساعدتها لعالم الفيزياء الذي صار معروفًا عالميًا، فقد خاض الأخير علاقة مع ابنة عمه "إيلسا"، حيث احتفظت إيلسا بـ21 خطابًا له ونشرتهم تحت عنوان "الأوراق المجمعة لألبرت أينشتاين" التي كشفت فيها علاقته بها.

لم يتم نشر أغلب الخطابات للعلن، وذلك بطلب من المحكمة، حيث منعت النشر بطلب من المسؤولين عن ميراث أينشتاين، في محاولة للمحافظة على "أسطورة أينشتاين"

أدت خيانة أينشتاين إلى انهيار الزواج، فبدأ بالانفصال لمدة خمس سنوات رحلت فيهما ميلفا مع ابنيها هانس وإدوارد ومن ثم الطلاق عام 1919، على شرط وهو إن حصل أينشتاين على جائزة نوبل يكون لها نصيبًا من المال مقابل مساعدتها له على تلك الأبحاث.

لم يخصص أينشتاين لها نصيبًا من جائزة نوبل، وهو الأمر الذي أوضحته الخطابات بينهما، حيث هددته بإفشاء سر مساعدتها له، مثل خطابه لها المنشور في المذكرات،  بتاريخ 24 من أكتوبر/تشرين الأول 1925 إذ قال لها: "تُضحكينني كثيرًا بتهديدك لي، هل فكرت ولو للحظة أن حديثك عن شخص لم يحقق شيئًا مهماً لن يلفت انتباه أحد، حينما يكون المرء تافهًا وضعيفًا فليس هناك المزيد لتحكيه عنه إلا الصمت والأدب وهذا ما أنصحك به".

لم يتم نشر أغلب تلك الخطابات للعلن، وذلك بطلب من المحكمة، حيث منعت النشر بطلب من المسؤولين عن ميراث أينشتاين، في محاولة للمحافظة على "أسطورة أينشتاين"، كما منعوا منشورات أخرى، قد يكون من بينها إثبات مساعدة ميلفا لأينشتاين في نظرية النسبية.

لقد هضم التاريخ حق الكثير من النساء، لم يُذكر بعضهن إطلاقًا، وتم تهميش البعض والتقليل من دورهن الحقيقي أيضًا، كانت ميلفا من بين هؤلاء، ساعدت زوجها عالم الفيزياء الفذ، ولكنه همشها وخانها واحتفظ ببراءات الاختراع لنفسه، أما ميلفا ففضلت الصمت لحماية سمعة والد ابنيها.