انتشر مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي مقال قديم يرجع إلى نحو عام من تاريخ كتابة هذه السطور، لكاتبة يهودية هاجرت إلى إسرائيل من أصول يمنية، تطرح مجموعة تساؤلات رآها الكثيرون أنها مشروعة فتناقلوها على نطاق واسع، رغم أن ما كانت تحتاج إليه الكاتبة هو إجابات وليس "شير".

لكن للأسف نحن كمسلمون نشأ بيننا وبين مشاكلنا نوع من التطبيع والتصالح، وأصبحنا نكتفي بترديدها ونستعذب التغني بها، كشكل من أشكال إراحة الضمير .

ما أبحث عنه في هذا المقال هو تحليل موضوعي لأسئلة الكاتبة المطرحة دون شعور مقدم بالذنب، والخلوص إلى إجابات ربما تساهم في إزالة السدود أمام الكاتبة. 

تبدأ الكاتبة بتساؤل رئيسي " يا ترى المسلمون اليوم بماذا سيغرون اليهودي لدخول الإسلام..!؟ "

تساؤل يحرك شجونك ك"مسلم" ، ويجعلك تتذكر مئات المشاهد التي تحسرك على حال "المسلمين" لتسارع في الإجابة دون أن تتوقف أمام صيغة السؤال نفسه، التي قامت الكاتبة ببناء كل مقالتها على أساسه.

فالسؤال يخاطب المسلمين كافة، ثم تجد جميع الأسئلة التي تطرحها فيما بعد تتمحور حول المسلم العربي فقط، وهو قصور في رؤية المساحة الإسلامية واختصار للتواجد الاسلامي في الدول العربية، رغم أن الكتلة الإسلامية الأكبر تقع خارج نطاق هذه المنطقة، حيث أن حوالي 62٪ من مسلمي العالم يعيشون في آسيا، وتعتبر اندونيسيا وباكستان والهند وبنغلاديش هي الدول الأربع الأولى على قائمة دول العالم المحتضنة للمسلمين، في مقابل أن مسلمي الشرق الأوسط يشكلون نسبة أقل بين مسلمي العالم تصل إلى حوالي 20 %.

وفي اعتقادي أن تصحيح السؤال الرئيسي يجعلنا نضع الأسئلة الآتية بالمقال في مسارها الصحيح. 

"المسلمون اليوم مذاهب متعددة وكل مذهب يعتبر الآخر "كافر" ويحلل قتله.. فلو أردت - كيهودية- دخول الاسلام فهل أدخله من باب "السنة" أم "الشيعة" أم المذاهب الأخرى؟"

الحقيقة أن تعدد المذاهب هو  قضية أصلية في كل دين، وهي ليست بالقضية المستحدثة ولا تدخل في سياق الحديث عن مسلمي اليوم، وهنا تكون الكاتبة قد انتقلت إلى مناقشة الدين ذاته.

وحيث إن تعدد المذاهب هو مسألة غير قاصرة على الإسلام فقط، فينعكس السؤال إلى الكاتبة، أي المذاهب اختارت أو ثبتت في إتباعها لليهودية؟ 

ففي اليهودية أربع طوائف أساسية – طائفة الأرثوذكس والمحافظين والإصلاحيين و"المجددين"، بالإضافة للقراء الرافضين للتلمود وللسامريين الذين يرفضون اسم اليهود ويسمون أنفسهم بني إسرائيل أو المحافظين على العهد.

و الفرق اليهودية يرى كل منها الآخر على الباطل، وفي اعتناق أيا منها مغامرة، كما هو في اعتناق أي دين وملة.

أما الجنة فليست ملكا لبشر كي يعد بها الآخرين، بل أنت من تعد نفسك بالجنة عند "اختيارك" لدين ومذهب بعينه قد اقتنعت بثوابته وأركانه، ورأيت فيه الخلاص ، كما أن هناك بشر آخرين بإرادتهم الحرة أنكروا قضية الجنة والنار من أساسها، وقرروا عدم اعتناق أيا من الأديان.

 فمن سيربح ضمانه ؟ الإجابة في الحياة الآخرة.

أما عن استحلال القتل، فليراجع كل مسلم سني أومأ برأسه وأقر هذه النقطة، بسبب  ممارسات اعتبرها عموم المسلمين مجرمة ومخالفة لصحيح الدين، إذا كان لها أساس في عقيدته وما درسه من أمور تخص شريعته أم هي ممارسات مبنية على تعصب أعمى يغير نفوس بني البشر منذ خلق آدم، ويستجيب له الضعفاء من البشر في دروب شتى، فتجد المتعصب في الدين والمتعصب للعرق بل والمتعصب للفرقة الرياضية التي يشجعها !!

" المسلمون اليوم يتقاتلون بينهم البين في كل مكان، ويذبحون بعضهم البعض بطرق بشعة جداً.. فكيف يقتنع اليهودي بدخول الاسلام إذا وجد المسلم يقتل أخيه بسبب الدين نفسه"

ثم ذكرت مثالي سوريا والعراق.

هذا التساؤل إجابته على محورين، المحور الأول هل المسلمون اليوم يتقاتلون "في كل مكان " ؟ والمحور الثاني هل أي اقتتال بين فئتين من المسلمين يعني اقتتال بسبب الدين ؟؟

1.62 مليار نسمة هو تعداد المسلمين حول العالم (وفقًا لمركز" بيو" الأمريكي للأبحاث) .. كم تبلغ نسبة الاقتتال وكم يبلغ عدد الضحايا من بين هذه النسبة ؟  هل هي نسبة يمكن أن تجعل الاقتتال هو القاعدة بين المسلمين أم تؤكد على إنه الاستثناء المرفوض ؟

فإذا ذكرنا الاقتتال في دولة أو اثنين "بسبب الدين"، ففي مقابلهم يمكن ذكر مئات الدول التي تتعايش فيها المذاهب، ويكفينا في هذا المقام ذكر دولة اندونيسيا التي  يقطنها نحو  203 مليون مسلم (أي ما يقارب ثلثي الوطن العربي مجتمعًا) متعددي المذاهب، يتعايشون تحت شعار "الوحدة في التنوع"، كما تعامل الحكومة الأديان جميعها معاملة متساوية وتقدم  برامج متساوية على شاشة التلفزيون لنشر تعاليم كل الأديان.

بينما يعانى المسلمون من أسوأ أشكال الاضطهاد الديني في دول متعددة، منها مينامار والصين وأفريقيا الوسطى .

أما المحور الثاني، فهو أنه ليس كل اقتتال بين فئتين من نفس الدين أو الملة يعني اقتتال طائفي، وإلا لاعتبرنا الاقتتال بين القوى  الغربية في الحروب العالمية ، وكانت حصيلتها نحو 70 مليون شخص في الحرب العالمية الأولى خلال خمس سنوات، ومن 60 إلى 70 مليون شخص خلال ست سنوات في الحرب العالمية الثانية هي اقتتال طائفي وهو الأمر الخاطئ.

أما مصطلح الصراع الديني فهو يطلق مثلًا على نموذج حرب الثلاثين عاما بين معسكريّ الكاثوليك والبروتستانت، والتي مزقت أوروبا وانتشرت خلالها المجاعات والأمراض ودمرت مناطق بأكملها.

أو حروب ايرلندا التي حدثت بين الكاثوليك والبروتستانت أيضًا.

وهنا نأتي لمثالي سوريا والعراق اللذين استندت إليهما الكاتبة.

الحرب في سوريا بدأت بثورة شعبية تجمع أبنائها بتنوع معتقداتهم شأنها شأن جميع دول الربيع العربي من أجل توزيع عادل للثروة وتخليص السلطة من أيدي فئة احتكرتها واحتكرت المال ومارست القمع لعدة عقود، واستمرت الثورة الشعبية قرابة ثمانية أشهر سلمية، ثم اضطرت صفوف الأهالي لحمل السلاح لصد مذابح نظام الأسد، دون أن يكون تحت شعار طائفي.

ولعل التركيبة المذهبية للنظام التي جعلت السيطرة على الثروة والسلطة في البلاد مقصور على الشيعة العلويين الموالين لأسرة الأسد، وأحكمت قبضتها بوضعهم كقيادات عليا في الجيش وفي المناصب النافذة في الدولة ، ليس تبعًا للكفاءة إنما أداءًا لفروض التبعية والولاء لإيران، أضفت صورة طائفية للحرب، خاصة أن النسبة الأكبر من القاعدة الشعبية في البلاد  تنتمي للتيار السُني، إلى جانب المسيحيين والشيعة العلويين، ومع ذلك لم يكن الصراع المذهبي هو المحفز الرئيسي أو البادرة الأولى للثورة منذ البداية.

أيضًا دخول جبهات خارجية ذات شعارات وأبعاد مذهبية في الحرب، مثل حزب الله وإيران مؤازرين للنظام، وأفراد من القاعدة وداعش (التي ظهر أحد مقاتليهم في الفيديو المذكور من قبل الكاتبة) مناهضين للنظام وللجيش السوري الحر أيضًا (الذي هو في الأصل الجيش الشعبي) أجج هذه الصورة الطائفية وأصّل لها.

وقد عاش المسلمون من السُنة والشيعة قبل الثورة السورية طويلا دون اقتتال، على غرار دولة العراق، التي لم يندلع فيها الاقتتال سوى بعد الغزو الأمريكي.

وهذا لا يبرأ ذمة أي مسلم يقتل مسلمًا أو غير مسلم بدوافع طائفية أو غير طائفية، لكن أيضًا لا يعكس صورة المسلمين أجمعين، لذا وجب وضع الأمر في سياقه، وعدم تقييمه بافتراض الكمال في فئة من البشر، وتجاهل حقيقة أن وجود مجموعة باغية وأخرى مسلوبة الحق داخل الوحدة الواحدة هو سُنة كونية، لذا لم يكن أبدًا الاقتتال ظاهرة شاذة عن التاريخ البشري !

 ختمت الكاتبة العبارة الأولى بجملة " فكيف يقتنع اليهودي بدخول الاسلام إذا وجد المسلم يقتل أخيه بسبب الدين نفسه، بينما لايمكن أن يسمع أحدكم بأن اليهود يقتلون بعضهم البعض بسبب الدين، بل على العكس اسرائيل اقامت دولتها بسبب الدين.!!"

هنا تضرب الكاتبة المثل الأعلى بدولة الاحتلال الإسرائيلي، التي قامت على أساس ديني "متعصب"، يقتل أبناء الأديان الأخرى ويغتصب وطنهم.

فالكاتبة لا تريد الانتساب إلى  دين تقول بأن أتباعه يقتل فرقه بعضهم بعضا، لكن يمكنها الانتساب إلى دين يقوم أتباعه بقتل الآخرين !!

بل إن أصحاب المذاهب اليهودية المختلفة لا يعيشون سواسية في دولة إسرائيل المزعومة، وفي حادثة قريبة رفضت "مؤسسة نجم داوود" في اسرائيل الموازية لمنظمة الصليب الأحمر قبول تبرع بالدم من نائبة من يهود الفلاشة، وفق لتعليمات وزارة الصحة التي لا تسمح بقبول تبرع دم لشخص من يهود الفلاشة !

وغيرها من مظاهر العنصرية التي لم تعري الكاتبة لها انتباهًا في زجلها بالدولة اليهودية واليهود.

اليوم عندما المسلمون يدعون اليهود لدخول الاسلام بماذا يغرونهم؟

لنكون صريحين وصادقين: فمعظم دولنا العربية الاسلامية يعمها الفقر والجهل والظلم وانتهاكات حقوق الانسان وتفتقر للتنمية والقوة الاقتصادية، ولولا ذلك لما قامت ثورات الربيع العربي

بينما الدول التي يديرها مسيحيون ويهود ممن يعتبرهم البعض (كفار) أصبحت هي من تغري المسلمين للهجرة اليها والعمل او العيش فيها.. بل هي من تصنع للمسلمين حتى ملابسهم الداخلية..

حقيقة ظاهرة، مع تصحيح بسيط، أن الغنى المادي ليس ما يؤخر الوطن العربي بقدر اعتماد سياسات النماء الاقتصادي العربية على الغرب، إلى جانب أزمات الثقافة والتعليم "المتطور" والانفتاح ال"واعي" على العالم وغيرها.

لكن هل التأخر الاقتصادي والتردي الحضاري للدول الأفريقية مثل كينيا وأوغندا وتنزانيا، حيث يشكل مسيحيو القارة نسبة حوالي  53.46 في المائة من سكانها، حجة على الديانة المسيحية في حد ذاتها ؟

المسألة الثانية أن الكاتبة قد ارتكزت على التقييم المادي للدول الغربية التي يتطلع العربي للسفر إليها، دون أن تشير إلى الحروب الاستعمارية التي خاضتها هذه الدول لنهب خيرات الشرق، والانتهاكات التي ارتكبتها بالماضي والحاضر، آخرها جرائم القوات الأمريكية بالعراق وأفغانستان، إلى جانب  فقدان العامل الروحاني لدى كثيييير من أبناء الغرب، الذين يلجأون للانتحار حتى في أكثر دول أوروبا رفاهة، والذين ربما لا يهتمون كثيرًا بعامل النمو الاقتصادي في الدول الإسلامية عند بحثهم عن الإسلام بقدر اهتمامهم بالسر وراء الاستقرار العقائدي والأسري لدى النسبة العظمى من المسلمين، الذين رغم الفقر والجهل والظلم لا يلجأون للانتحار بنفس نسبة مواطني الدول المتقدمة اقتصاديًا وحضاريًا.

النص ((ليسوا سواء من اهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون))
صحيح أن القرآن لم يكفر الشرائع السماوية السابقة عليه ولكن التي تبعها أتباعها كما أنزلت وليس كما حُرفت.

وهؤلاء هم أقوام النصارى واليهود قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، أو الذين لم تصلهم دعوة الإسلام في الوقت الحاضر.

لاحظت في أجزاء كثيرة من المقال أن الكاتبة تتحدث بلسان اليهودي والمسيحي، وأتمنى أن هذا لا يمنع من وجود تحليل مشابه عن أسباب عدم اعتناقها للمسيحية التي من المؤكد دعاها إليها كثيرون. 

في النهاية، فإن اتباع الأديان هو اتباع  لفكرة ومنهج، ولرسل أصحاب رسالة وليس لبشر يصيبون أحيانا ويخطئون الكثير، فالتأسي بالأنبياء هو كونهم أصحاب رسالات ووحي من الله عز وجل، وليس لصفتهم البشرية، أما من  دونهم من البشر فيكن الاقتداء هو لصفة  صالحة في أحدهم، وليس للشخص ككل. 

وهذا ما فطن إليه الغرب، فلما عزم الكثيرون من غير العرب على معرفة الاسلام، لم يلتفتوا إلى ممارسات المسلمين أو مدى تقدمهم المادي، ولعل هذه الفجوة تظهر بسبب كون الكاتبة اليهودية هي في النهاية مواطنة عربية، نشأت وتعلمت ثقافة اتباع الشخوص وتعظيم شأنهم، والحكم على الأمور من منطلقهم.

فمن عجز عن التأسي بأي صفة حميدة في المسلمين الحاليين، فله أسوة حسنة ومثل أولى أن يُتبع في الرسول الكريم.