إصرار كبير من المصريين على تحقيق أهداف الثورة

بتاريخ مصر العظيم وحلاوة نيلها وسمراء أرضها وفقر ملايينها، أقسم المصريون بشهداء سيناء ورفاتهم المخطوف، وحلفوا ألا يبقى على أرضهم كل من محى تاريخها ودفع شعبها إلى التسول على أبواب الأمم وصغًر دورها من دولة عربية إلى معبر مسدود، فكان لهم ما كان.

في هذا اليوم قبل ثمان سنوات، خرجت جموع من الشباب المصري منددين بالأوضاع المعيشية والحقوقية في بلادهم، فضلا عن تصديهم لمشروع التوريث الذي كان يعبد لنجل الرئيس المخلوع حسني مبارك، تحركوا حينها في محاولة إنقاذ وطنهم قبل أن يتحول إلى "عزبة" يتحكم بمصيرها حفنة من الفاسدين.

لم يكن يتوقع أحد أن بضعة ألاف من الشباب الأعزل قادرة على الإطاحة بنظام ديكتاتوري كنظام مبارك، لكن سرعان ما تحولت ميادين مصر ومدنها إلى ساحات يفوح منها رائحة الثورة، في مشهد ثمنه الجميع، ساسة وحقوقيون، محليون ودوليون، حتى تصدرت المشاهد التالية لهذا اليوم وحتى تنحي مبارك في 28 فبراير 2011 صفحات المجلات وشاشات الفضائيات وموائد النقاش ومدرجات المحاضرات.

لكن شتان شتان بين ماكان وما هو الآن، فميدان التحرير الذي تخضب بدماء شباب الثورة والذي كان الأيقونة التي فاح منها عبير النصر وقبلة للباحثين عن الحرية والكرامة، بات اليوم ساحة للتندر وملتقى للعاشقين تحت قبضة سلطات الأمن التي تحيطه من كل جانب، حتى الميادين التي أظلتها أرواح الشهداء منذ 8 سنوات تجمد في عروقها نبض الحياة.. ما الذي تغير؟

منذ الاخفاق الكبير الذي منيت به الثورة وكل تيار سياسي يحمل الآخر مسئولية هذا الفشل، حتى باتت تلك الجدلية هي العقبة الأولى والأهم في مشوار بناء قاعدة مشتركة يمكن الوقوف عليها لتوحيد الرؤى في مواجهة الاستبداد

مفارقات عجيبة

من عجائب الأقدار أن ذكرى الثورة الثامنة التي أسقطت مشروع التوريث وأجبرت مبارك على إزالة فكرة الترشح مرة أخرى، تصادف مساعي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورجاله نحو إجراء تعديل دستوري يسمح له بتمديد فترته الرئاسية الثانية، لتنتهي على الأقل في عام 2024 بدلاً من 2022، وإزالة القيد الدستوري على البقاء لولايات تالية.

هذا بخلاف انسداد الأفق العام على كافة المستويات، السياسية والثقافية والإعلامية، حتى تحولت الدولة إلى ثكنة عسكرية غير مسموح فيها إلا بما يملى عليها من قادة الأمر، فلا دور للأحزاب عكس ما كان عليه الوضع إبان السنوات الأولى للثورة، هذا بخلاف كبت الحريات وتضييق الخناق، في الوقت الذي شهدت فيه مصر أزهى فترات حرياتها الإعلامية في 2011-2012.

https://twitter.com/mshinqiti/status/1088565447740420097

إضافة إلى مناخ الرعب والخوف الذي فرضته السلطات الحالية بأذرعها الأمنية والإعلامية، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ومن يجرؤ على التغريد خارج السرب فلا يلومن إلا نفسه، علاوة على ذلك المفارقة العجيبة بين إدعاء الفقر وتبرير السياسات التي زجت بملايين المصريين في آتون الفقر والعوز في ظل رفع الدعم وزيادة الأسعار وبين المشروعات القومية التي يقوم بها وتتكلف مئات المليارات من الدولارات والتي لا تصب في صالح المواطن في المقام الأول قدر ما تحسن صورة الرئيس وحكومته على المستوى الخارجي، ولعل أخرها العاصمة الإدارية الجديدة ومئات الملايين التي أنفقت على مسجد وكنيسة في الوقت الذي يموت فيها المواطنون جرًاء البرد والفقر بخلاف تزايد حالات الانتحار من شدة العجز، وما ينتظرهم من مستقبل غير مبشر في ظل ديون تجاوزت المائة مليار دولار.

تصادف ذكرى الثورة الثامنة مع محاولات السيسي تعديل الدستور

لم يتغير شيئ

ثمان سنوات كاملة مضت على الثورة، تآكلت فيها عاما تلو الآخر، حتى لم يعد منها سوى رفاة يتشبث البعض بها لعل الروح تنبض فيها يومًا ما، وسط مناخ مسدود وأفق مغلق، وقوى لا ترى إلا تحت أقدامها، وبات الحديث عن تغيير قادم في ظل الحالة الحالية بتفاصيلها الكاملة دربا من الخيال وعزفا على ألحان الماضي الجميل.

الباحث المصري، تقادم الخطيب، اتهم قوى يناير بأنها "مبعثرة" بين أفراد وأشخاص يظن بعضا منهم أن العالم يدور حوله وأنه مركز الكون، وأنه ممثل الثورة الأوحد، مجموعة من الأفراد أصابهم العمي الأيدلوجي الذي لا يثمن ولا يغني من جوع، بعضا منهم حول الثورة إلي سبوبة يتكسب منها.

https://twitter.com/DrMahmoudRefaat/status/1088576257950916609

الخطيب في مقال له نشره على صفحته الشخصية على "فيس بوك" أضاف أن مجموعة من الأفراد حتي اللحظة يظنون أن العمل الاحتجاجي أو التظاهر هنا أو هناك، أو رفع شعارات بائسة هو المعارضة، بينما الحقيقة أن المعارضة لها أشكال وألوان مختلفة، ولن يقلق الدولة العميقة التي لديها تنظيمها وسلاحها وقوتها وأيدلوجيتها أيا من هذه المحاولات، وهي دولة مرتكبة ومتخبطة لكن قوي يناير لا تفهم هذا.

وتابع: كنت أتمني في الذكري الثامنة أن يخرج أحدهم أن يقول لدينا مشروع سياسي نسعي لإيصاله للناس، ولنقوم بإنتاج خطاب جديد يقنع الناس ويفضح عورات هذا النظام. لكن للأسف تبقي الأمور منذ ثمان أعوام حتي اللحظة كما هي عليه. إن المعركة مع الدولة العميقة لم تبدأ بعد، بل إنها معركة طويلة الأمد، حتي لو سقط السيسي غدا صبيحة ذكري يناير، فالمعركة مع الدولة العميقة وتركيبتها وبيروقراطيتها ممتدة وتحتاج لأعوام وأعوام

جدلية مسئولية الإخفاق

بعد مرور 96 شهرًا على هذا الحدث التاريخي الكبير، تبدو النخب السياسية والفكرية المصرية في حالة يرثى لها من التشرذم وتبادل الاتهامات حول مسؤولية كل منها عن الإخفاق الذي لحق بالثورة، وعن فشلها في التوافق على إقامة نظام بديل اكثر ديقراطية، وعن دورها في تسليم مقاليد السلطة إلى ثورة مضادة، نجحت في إقامة نظام أكثر استبدادا وقمعا من النظام الذي كانت قد نجحت في إسقاط رأسه.

منذ الاخفاق الكبير الذي منيت به الثورة وكل تيار سياسي يحمل الآخر مسئولية هذا الفشل، حتى باتت تلك الجدلية هي العقبة الأولى والأهم في مشوار بناء قاعدة مشتركة يمكن الوقوف عليها لتوحيد الرؤى في مواجهة الاستبداد وبناء مشروع قادر على تحقيق آمال وأهداف الثورة.

الديمقراطية لن تبنى بدون ديمقراطيين حقيقيين، أما ما يوصف الآن بالقوى الديمقراطية فهي أقرب ما تكون إلى صالونات عاجزة عن بناء أي جسور مع الطبقات المتوسطة والدنيا

التيار العلماني ما يزال في مخيلته وخارطة معتقداته أن التيار الإسلامي يتحمل وحده دون غيره هذا الفشل وذلك لعدة أسباب منها أن الثورة وليس فقط صناديق الاقتراع، هي التي مكنته من الفوز في المارثون البرلماني والرئاسي، وبدلا من التعاون مع القوى العلمانية التي فجّرت شرارة الثورة لاستئصال جذور النظام القديم، راحت جماعة الإخوان تتحالف مع فصائل أخرى سهلة الاختراق على رأسها السلفيين.

https://twitter.com/a_sayyad/status/1088153053688201216

كذلك اتهام التيار الإسلامي بارتكاب عدد من الأخطاء منها الإصرار على إجراء الانتخابات البرلمانية في 2012 قبل صياغة دستور توافقي، والمضي قدما في خوض الانتخابات الرئاسية بمرشح من صفوفها، بدلا من التوافق على مرشح تقبل به مختلف القوى الثورية.

وفي المقابل ما يزال تيار الإسلام السياسي مقتنعا بأن كراهية التيار العلماني للإسلام ولنموذجه الحضاري، كان الدافع الرئيسي وراء إقدامه على الاستقواء بالمؤسسة العسكرية والتحالف معها للانقلاب على الشرعية الدستورية، وبالتالي لا يرى في «حركة تمرد» وفي «انتفاضة 30 يونيو» وفي «خريطة الطريق» التي أعلنها وزير الدفاع يوم 3 يوليو/تموز 2013 سوى مظاهر لا تخطئها العين، وأدلة قاطعة على تواطؤ هذا التيار .

جبهة الانقاذ التي تحالفت مع الجيش لإسقاط حكم مرسي

الخروج من الأزمة

الجدل الدائر على منصات السوشيال ميديا وفي ساحات النقاش والإعلام حول تحديد هوية المسئول عن هذا الإخفاق يعكس طبيعة المشهد بصورة كاملة، فلو استمر الوضع على ماهو عليه – وهو المطلوب بلا شك من النظام- سيتآكل ما تبقى من رفاة الثورة حتى تتحول مع مرور الوقت إلى لعنة تطارد أصاحبها ومؤيديها وهو ما بدا في الأفق قبل فترة.

إن جوهر الاستبداد واحد أيا كان نوع الغطاء الذي يضعه على رأسه(قبعة، عمامة، كاب) ولأن كل نظام استبدادي إقصائي بالطبيعة، لأنه يقوم على استبعاد وتهميش كل من لا يدينون له بالولاء التام، فمن الطبيعي أن يأكل نفسه وأن يعجز عن إيجاد حلول تمكن من استقرار المجتمعات على المدى المتوسط أو الطويل، لذا فمصيره الفشل والسقوط المحتوم طال الزمن أم قصر، هكذا أشار الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

نافعة في تصريحاته لـ "نون بوست" أشار إلى أن الديمقراطية لن تبنى بدون ديمقراطيين حقيقيين، أما ما يوصف الآن بالقوى الديمقراطية فهي أقرب ما تكون إلى صالونات عاجزة عن بناء أي جسور مع الطبقات المتوسطة والدنيا والتي تشكل الغالبية العظمى من الشعب.

https://twitter.com/AhmedZeinah/status/1088617830675873793

وأضاف أن جماعة الإخوان المسلمين لا تستطيع أن تسهم إيجابيا في تأسيس نظام ديمقراطي في مصر، ما لم تقم بتغيير جلدها كجماعة ترى في نفسها المجتمع البديل الذي يتمتع بالكمال الخلقي والديني في مواجهة مجتمع قائم، ومن ثم عليها تقديم طروحات جديدة تقوم على المواطنة وقبول الآخر المختلف سياسيا وفكريا ودينيا وتداول السلطة..الخ، إذا أرادت اليوم إقناع الأغلبية الصامته بأنها حسمت قرارها لصالح التحول الديمقراطي.

المرحلة التاريخية الحرجة التي بات فيها الجميع ويدفع ثمنها الجميع تتطلب وضع آلية للحوار بين كافة القوى الراغبة في تأسيس دولة مدنية ديمقراطية

وفي المقابل لن يكون بمقدور المؤسسة العسكرية أن تسهم بدورها إيجابيا في تأسيس نظام ديمقراطي ما لم تقتنع نهائيا بحتمية عودتها، إن عاجلا أو آجلا، إلى الثكنات وبأن وظيفتها الوحيدة هي المحافظة على حدود وأمن الوطن في مواجهة الأطماع الخارجية، وتابع: ولا توجد حتى اللحظة مؤشرات تفيد بقرب حدوث هذا التحول الحاسم.

المشهد بتفاصيله الحالية ربما يشير إلى أن أوان خروج مصر من نفق المأزق السياسي الذي تعيشه منذ سنوات لم يحن بعد، ويحتاج إلى مراجعات جذرية من جانب كافة التيارات السياسية والفكرية الرئيسية، التي لم تنضج بعد ولا توجد مؤشرات حالية على أن هذا النضج المطلوب بات وشيكا.

المرحلة التاريخية الحرجة التي بات فيها الجميع ويدفع ثمنها الجميع تتطلب وضع آلية للحوار بين كافة القوى الراغبة في تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، وعلى الجميع، إسلاميين وعلمانيين وليبراليين وبعض العسكريين الوسطيين، مراجعة مواقفهم السابقة بأمانة وضمير وطني، واستخلاص الدروس المستفادة من أخطائها والتوافق على رؤية مشتركة للمستقبل تضمن تداول السلطة ومكافحة الفساد ولا تستبعد أحدا، هذه هي الحالة الوحيدة التي من الممكن أن تأتي في إطارها ذكرى يناير وهناك تغيير حقيقي على أرض الواقع بدلا من التباكي والاكتفاء بالشعارات التي لا تزيد الوضع إلا تأزما.