منذ نحو 15عامًا من اليوم قرأ الممثل الأمريكي المخضرم روبرت دي نيرو نسخة من كتاب "I Heard You Paint Houses" للمحقق الأمريكي السابق تشارلز برانت الصادر عام 2004 ليتحمس للقصة بشدة ويطلب من المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي أن يخرج فيلمًا مقتبسًا عنها، وبدأ سكورسيزي التحضير بالفعل لإخراج الفيلم خلال عام 2007 ولكن توقف المشروع بسبب مشاكل تتعلق بكتابة السيناريو وانشغل سكورسيزي بعدها بإخراج ثلاثة أفلام وذلك قبل أن يعاود التفكير في مشروعه مرة أخرى خلال عام 2017.

لكن المشروع تعطل للمرة الثانية بسبب البحث عن تمويل، ليخرج المشروع أخيرًا للنور متجسدًا بفيلم The Irishman في 27 من نوفمبر من هذا العام وذلك بعد أن تصدت نتفليكس لإنتاجه بميزانية وصلت إلى أكثر من 140 مليون دولار، والفيلم من بطولة روبرت دي نيرو وآل باتشينو وجو بيشي.

قصة الفيلم: العوالم الخفية للمافيا في أمريكا

في صناعة الكثير من أفلامه يميل المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي إلى تناول شخصيات حقيقية وذلك مثلما فعل في "The Wolf of Wall Street" و"Goodfellas"، وخلال فيلم The Irishman اتبع سكورسيزي النهج ذاته ليخبرنا بالقصة الحقيقية للأيرلندي فرانك شيران الرجل الذي قاتل في الحرب العالمية الثانية ثم عمل كسائق شاحنة وذلك قبل أن يتوغل في عالم الجريمة المنظمة بتوجيه من راسل بافالينو.

طوال ثلاث ساعات ونصف هي مدة عرض الفيلم نتنقل مع الأبطال عبر 30 سنة من الحاضر إلى الماضي، إذ يسير السيناريو بشكل متعرج وغير خطي عبر حكايتين: الأولى مع بداية حياة فرانك شيران وهو لا يزال شابًا يدخل عالم الجريمة على استحياء والثانية وهو رجل مسن أثبت نفسه بجدراة في عالم المافيا بعد سنوات من العمل حصد خلالها الكثير من الأرواح.

فيلم

تبدأ أحداث الفيلم من النهاية وذلك بمشهد فلاش فوروارد حيث نرى فرانك شيران وهو جالس على كرسي متحرك بدار للمسنين يحكي قصته لقس كاثوليكي من البداية، كيف خدم في الجيش الأمريكي بإيطاليا خلال الحرب العالمية الثانية وكان يقتل الأعداء بدم بارد دون أن يرف له جفن، وكيف أتقن اللغة الإيطالية وكيف علمته الخدمة في الجيش الطاعة العمياء لرؤسائه.

بعد الحرب يعود شيران إلى فيلادلفيا ليعمل كسائق شاحنة مهمتها توصيل اللحوم لبعض المطاعم، وفي أحد المرات تتعطل سيارته على الطريق ويتعرف على راسل بافالينو أحد كبار زعماء المافيا ويصبح بعدها شيران مساعده المخلص ورجل المهمات السرية الذي يحصل أموال العصابة ويقتل المتأخرين عن السداد دون أي تفكير.

اختفاء جيمي هوفا: أحد أكبر الألغاز في تاريخ الولايات المتحدة

في الحقيقة، جيمي الذي جسد دوره آل باتشينو هو جيمس ريدل هوفا رئيس نقابة سائقي الشاحنات الذي كان يملك سلطة طاغية بالولايات المتحدة في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي محققًا شهرة واسعة للغاية وسمعة سيئة بأقوى نقابة في الولايات المتحدة وقد اختفى هوفا عام 1975 ولا يزال اختفاؤه لغزًا حتى هذا اليوم بل ويعد من أكبر الألغاز في تاريخ الولايات المتحدة.

في أحداث الفيلم: تعرف شيران على هوفا عن طريق بافالينو ونشأت بينهما صداقة قوية للغاية، إذ كان مساعده الشخصي وصديقه المقرب وحارسه الأمين وكانا يتشاركان دومًا غرفة الفندق ذاتها كما كانت تربط بين زوجاتهما علاقة صداقة وكانا يقضيان الأعياد معًا، ولكن لأن عالم المافيا له قوانينه الخاصة يضطر شيران في النهاية إلى قتل صديقه، وهنا يدرك شيران حقيقة ما فعله طوال حياته، فمع كل روح يقتلها كان يفقد جزءًا من روحه في الطريق.

جيمي

يصنع سكورسيزي إيقاعًا خاصًا في الفيلم، فهناك تقلبات كثيرة على مدار الساعات الثلاث، ليس هناك صداقات دائمة ولا أحداث هادئة وعلى غرار الأحداث أيضًا تأتي الشخصيات، وهي لعبة سكورسيزي المفضلة إذ لا نشاهد أبدًا أبطالًا مستقرين نفسيًا، فهناك دومًا اضطرابات تموج بالأبطال، في هذا الفيلم تحديدًا الذي يلعب على وتر الصداقة على مر السنين والولاء والشعور بالذنب والندم نجد أمامنا فيلمًا يبعث على التأمل أكثر من الإثارة، كيف يصبح البطل قاتلًا محترفًا دون تردد، كيف تتصاعد الأحداث في النهاية لنجد البطل ورغم نجاحه في كل مهمات القتل التي أوكلت له إلا أنه كان مهزومًا للغاية من الداخل، أكثر هشاشة ويرى الموت دومًا يولح له في الأفق؟

صورة الولايات المتحدة في الستينيات

لن تستطيع الإلمام بأحداث الفيلم بشكل كامل دون معرفة السياق السياسي والاجتماعي للولايات المتحدة في الستينيات وهي سمة يتميز بها سكورسيزي، إذ لا يكتفي ببناء شخصياته جيدًا ولكنه يهتم أيضًا بالتأريخ للولايات المتحدة من خلال أبطال الفيلم وذلك لأن أحداث الفيلم عادة ما تعكس الوضع السياسي للبلاد، وقد سبق وعكس سكورسيزي صورة الولايات المتحدة في أفلامه The King of Comedy وTaxi Driver.

وخلال فيلم The Irishman نسمع في الكثير من المشاهد أسمي الرئيسين الأمريكيين جون كينيدي وريتشارد نيكسون وهو ما يجعلنا نتساءل عن العلاقات المريبة بين البيت الأبيض والمافيا، إذ كان يميل زعماء المافيا إلى سيناريو إنجاح جون كينيدي في الانتخابات حتى يمكنهم التخلص من فيدل كاسترو وبالتالي إعادة فتح الملاهي الليلية في كوبا وهو ما دفع المافيا أيضًا إلى المشاركة في عملية غزو خليج الخنازير وهي عملية فاشلة لقلب نظام الحكم في كوبا والإطاحة بكاسترو، في الفيلم أيضًا نرى أن جيمي هوفا خرج من السجن من خلال دفعة سرية قدرها نصف مليون دولار منحها للجنة انتخاب الرئيس الأمريكي نيكسون وحصل مقابلها على عفو رئاسي وإطلاق سراح مشروط.

ملحمة سينمائية

رغم أن الفيلم يتحدث عن عالم الجريمة والعصابات والمافيا، فإن مشاهد القتل لم تكن صادمة أبدًا ولكن على العكس تمامًا، كانت مشاهد القتل تُصور من بعيد في لقطات عامة وعلى جانب الشاشة كانت تُكتب عناوين على الشاشة توضح لنا كيف ستلاقي تلك الشخصيات مصيرها وتاريخ موتها، في مشاهد القتل أيضًا ندرك أن عمليات القتل كانت تتم بشكل خال تمامًا من المشاعر وذلك لأن المافيا تقتل من أجل المال وليس الانتقام الشخصي.

الحديث عن براعة سكورسيزي في هذا الفيلم لا نهاية له، فمع كل العوامل التي سبق ذكرها ركز أيضًا في الفيلم على الانتقال ببراعة وشكل شديد الاتقان بين أجواء الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، إذ تغير على مدار ساعات الفيلم طراز السيارات وشكل الملابس والشوارع وواجهات المحلات التجارية وحتى تصفيفات الشعر وذلك مع الاهتمام بإضفاء ملامح الحقبات القديمة وذلك عبر توزيع الضوء في بعض المشاهد الداخلية وغلبة الألوان القاتمة كاللون البني.

تعاون سكورسيزي مع روبرت دي نيرو بعد أكثر من 24 عامًا على آخر عمل جمعهما معًا وهو فيلم Casino عام 1995 وفي تعاونه الأول مع آل باتشينو صنع لنا ملحمة سينمائية حميمية ومفجعة في الوقت ذاته: إذ برع سكورسيزي في إظهار الجانب المفرط من العنف في نفس الوقت مع إظهار جوانب ضعف الأبطال في سرد نموذجي لسيكولوجية الأبطال من القمة وحتى الانهيار، بناء للشخصيات دقيق ومتقن يشمل طموحاتهم وصدماتهم وسعادتهم ومخاوفهم، رحلة صعودهم وهبوطهم، صور لكل مشتقات الحياة مع قسوتها وجمالها وكوميديتها السوداء.

والحقيقة أن الفيلم لم يكن ليخرج بتلك الصورة لولا إبداع تصوير رودريغو بريتو، والإخراج الفني للمتميز بوب الشو والمونتاج لثليما شونمايكر ومقطوعات الأغاني الكلاسيكية الإيطالية التي اختيرت بعناية والموسيقى التصويرية التي ارتكزت بالأساس على أنغام الجاز والبلوز والمامبو، والمؤثرات البصرية للأرجنتيني بابلو هيلمان الذي اعتمد في الجزء الأول من الفيلم على تقنية تصغير السن (de- aging) التي جعلت وجوه الشخصيات تبدو أصغر سنًا من عمرهم الحقيقي خاصة أن جميع أبطال الفيلم تجاوزوا سن السبعين آل باتشينو (79 عامًا) دينيرو (76 عامًا) وجو بيشي (76 عامًا).