منذ آخر خروج إعلامي له صيف هذا العام، ظل عبد الإله بنكيران متواريًا عن الأنظار يتابع الوقائع دون أن ينبس ببنت شفة، ومع حلول الشتاء خرج الرجل ليتحدث إلى الناس في مناسبتين، كي يوضح أن سباته السياسي كان لأسباب شخصية وحزبية دون أن يوضحها، لافتًا إلى أن كلامه يزعج بعض الجهات، دون أن يسميها.

قبل أشهر، أثار رئيس الحكومة السابق جدلًا واسعًا حينما خرج منتقدًا قانون إصلاح التعليم الذي يتضمن في أحد بنوده تدريس بعض المواد العلمية باللغة الفرنسية، ولم يتردد في مهاجمة خلفه في رئاسة الحكومة والحزب سعد الدين العثماني، معتبرًا أن التنازل عن اللغة العربية جعل حزب العدالة والتنمية أضحوكة الزمان.

استشعار الإنسانية

استقبل بنكيران شبابًا من جمعية "أطلس للتنمية" في بيته وألقى أمامهم كلمة بثها مباشرة على صفحته، جاء فيها أن المدرسة العمومية المغربية ليست بالسوء الذي يتحدث عنه البعض، موضحًا أنها ساهمت في تخريج أجيال من الكفاءات، ودعا الشباب إلى رد الاعتبار لأنفسهم، إذ يجب أن يستشعروا إنسانيتهم ويشقوا مسارهم الخاص بمعزل عن التوجه العام الذي جعل الإنسان يبدو كما الآلة.

يسود لدى المغاربة طموح بالحصول على عمل وفتح بيت والزواج، "ليس بالضرورة أن تحصلوا على وظيفة، ولكن من الأفضل التفكير في إحداث مشروع شخصي" على حد تعبير بنكيران، حيث أكد أن فرص العمل متوافرة على عكس ما يعتقده عموم الشباب، "في الحقيقة ليست فرص الشغل غير متاحة ولكن من يشغل هذه المناصب غير موجود"، في إشارة منه إلى التكوين الضعيف الذي يتوافر عليه الشباب العاطلون عن العمل.

لا تقارنوا بين الحكومتين!

في مناسبة ثانية، استمر خطابه نحو أربعين دقيقة، وكان عنوانه المركزي إصلاح التعليم، لفت بنكيران الانتباه إلى أنه بعد فوز حزبه بتسيير المدن الكبرى، طلب من رؤساء المجالس أن ينظروا إلى وضعية المراحيض والعمل على إصلاحها إذا كانت في وضعية متردية، واستقدام حراس لها، مشيرًا إلى أنه من غير المقبول أن يلج التلميذ أو الأستاذ مراحيض متسخة.

وتبرأ الأمين العام السابق للعدالة والتنمية من الحكومة التي يترأسها رفيق دربه سعد الدين العثماني، فرفض المقارنة بين الحكومة الأولى والثانية التي يقودها الحزب ذي المرجعية الإسلامية، وقال في اللقاء الذي نظمته المبادرة الشبابية "تيزي": "يجب محاسبة كل حكومة على حدة، فالعثماني هو العثماني وبنكيران هو بنكيران"، مشيرًا إلى أنه من الإنصاف أن تحاسب كل حكومة وحدها.

لا يزال المغاربة يكنون له الود، حسبما يعتقد بنكيران، حيث صرح أنه بعد خمس سنوات من ترؤسه للحكومة، جدد له الشعب الثقة ومنح حزبه 125 مقعدًا في البرلمان، ويعد ذلك مصدرًا لاعتزازه، إضافة إلى إشادة الملك محمد السادس بعمل بنكيران عندما أعفاه من رئاسة الحكومة. 

ثنائية الريع والفساد

الريع السياسي الذي حصل عليه بنكيران، بالنسبة له هدية من الملك، حيث أكد أن السيارة الفاخرة التي حصل عليها ليست ملكًا للحكومة بل مهداة من الملك، وفي معرض حديثه عن راتبه التقاعدي الذي جر عليه وابلًا من الانتقادات، إذ يعادل 7 آلاف يورو شهريًا، أكد أنه حصل عليه كذلك من الملك "أحسن الله إليه".

الوصفة التي قدمها الرجل للمغاربة من أجل تقدم البلاد، هي تجنب الكذب "أي نحن في حاجة إلى الصدق من أجل النهوض ببلادنا، واسمحوا لي أن أقول لكم أن الكذب منتشر بشكل واسع في المجتمع، وإذا تحلينا بالصدق سنقوم بحل نصف مشاكل المغرب"

ديمقراطية البلاد ليست مثالية، لكن يمكن تطويرها كما حدث في عدد من البلدان ومنها ألمانيا التي كانت بلدًا مستعمرًا إلى حدود القرن 19، لكنها اليوم من أقوى البلدان في العالم، لأنها قررت العمل باستقامة وصدق وجد، وفق ما جاء على لسان بنكيران الذي اعتبر المغرب أحسن البلاد العربية، بالنظر للأوضاع التي تعيشها تلك البلدان.

الوصفة التي قدمها الرجل للمغاربة من أجل تقدم البلاد، هي تجنب الكذب "أي نحن في حاجة إلى الصدق من أجل النهوض ببلادنا، واسمحوا لي أن أقول لكم أن الكذب منتشر بشكل واسع في المجتمع، وإذا تحلينا بالصدق سنقوم بحل نصف مشاكل المغرب"، واستطرد قائلًا: "أيها الشباب لا تكذبوا على أحد مهما كان الأمر، لكن هناك إمكانية لتكذب على زوجتك في يوم ما، على سبيل المثال إذا طلبت منك شراء فاكهة موسمية وليس لك مال لتشتري، قل لها إنها غير متوافرة في الأسواق بعد، أما غير ذلك فلا مجال للكذب الذي أصبح رياضة وطنية"، على حد تعبيره.

صلح مع الجلاد

تصالح بنكيران مع جلاده، في قصة أسر بها أمام الحضور، حكى أن الشرطي الذي كان يستنطقه في أثناء الاعتقال طلب منه إفشاء خمسة أسماء للذين كانوا يحضرون معه الجلسات، وكانوا قد علموا من طرف معتقل سابقة ثلاثة أسماء، فيما تكتم بنكيران عن اسمين، فهدده الشرطي بالتعذيب، "قلت له إذا ضربتني وصبرت لن أقول لك، وإذا لم أصبر سوف أبوح لك ولي عذر عند الله.. حقًا ضربني وأخبرته بالاسمين المتبقيين وتم اعتقالهما"، وأشار إلى أن الشرطي أصبح يتعاطف معه لأنه تحدث معه منذ البداية بصدق، فبقي ذلك الشرطي في مهمته إلى حدود سنة 1986، "اسمه الخلطي ذكره الله بالخير، وأصبح صديقًا لي وما زلت أرسل له الود والسلام إلى الآن، لأنه شرطي مغربي مثلنا مثله يقوم بدور منوط به.. ربما نحن غلطنا وربما هو تجاوز في عقابه، لكننا إخوة" يضيف بنكيران.

وثيقة

وثيقة منسوبة إلى محكمة الرباط سنة 1980، وتتضمن إصدار الحكم على عبد الإله بنكيران بـ3 أشهر سجنًا نافذًا

في سنة 1980 أدين رئيس الحكومة السابق بثلاثة أشهر سجنًا نافذًا، وغرامة مالية بقيمة ألف درهم، حسب الحكم الذي أصدرته المحكمة على بنكيران الذي كان ينشط حينها ضمن حركة "الشبيبة الإسلامية"، بتهمة تنظيمه رفقة آخرين مظاهرة دون ترخيص سابق بعد أداء صلاة الجمعة بالمسجد المحمدي بالرباط، واستخدامهم للعنف ضد قوات الأمن العمومية. وكان اعتقاله من محمد الخلطي، رئيس فرقة محاربة التطرف السياسي والديني التي تأسست بالرباط خلال 1975، بمثابة اللقاء بين الرجلين الذي شكل بداية لمسار تعاون بنكيران مع الأجهزة الأمنية للدولة. 

نادرة

صورة ناذرة تجمع بنكيران وإخوانه سنة 1990

كان الرجل ضد النظام، حاملًا لأفكار سوداوية ولا يعجبه شيء، لكنه تراجع تدريجيًا عن قناعاته السابقة في سبيل المساهمة في إصلاح البلاد، فكان تعيينه في منصب رئيس الحكومة، في الـ29 من نوفمبر/تشرين الثاني 2011، متزامنًا مع تطلعات كبيرة للمواطن المغربي نحو التغيير، رفع منسوبها حراك اجتماعي داخلي وسياق إقليمي عرف بـ"الربيع العربي"، فكان ذلك سياقًا خاصًا جعل الرهان كبيرًا على حكومة بنكيران، وفي الوقت الذي منح فيه دستور 2011 صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة، فضل التنازل، إذ اتهمه منتقدوه بأنها محاولة منه لـ"إرضاء الملك".

خلال ترؤسه للحكومة، أثارت بعض قراراته سخط الشارع المغربي، مثل إصلاح منظومة التقاعد، لكن مراقبين يرون أنها تحسب لصالح بنكيران، إذ كانت صناديق التقاعد مهددة بنفاد سيولتها بعد خمس سنوات، فتقرر رفع سن التقاعد تدريجيًا من 60 إلى 63 سنة، علاوة على رفع مساهمة الموظفين في هذه الصناديق من 10 إلى 14% بشكل تدريج، وتوجهت الحكومة ذاتها إلى دعم الفئات المعوزة من خلال خلق منحة شهرية للأرامل، والتغطية الصحية لصالح الطلبة، ورفع منح الطلبة، والاتفاق مع المقاولات على الرفع من الحد الأدنى للأجور.

بنكيران

بنكيران والعثماني

منذ تاريخ الإعفاء من تشكيل النسخة الثانية من الحكومة التي يتزعمها الإسلاميون، في 17 من مارس/آذار 2017، توارى بنكيران عن الأنظار، فقل حديث الرجل في السياسة، واعتقد الناس أنه سوف يضعف، لكنه سواء كان داخل الحكومة أم خارجها فإنه يصنع الحدث، وما زال تأثيره في الحزب أقوى من تأثير العثماني الذي تعوزه القوة التواصلية والسياسية، في حين أن بنكيران خطيب سياسي بارع، لغته بسيطة لكنها فاعلة ومؤثرة، وماكرة أيضاً.