لا تنسجم الصورة الحاليّة للواقع الذي يعيشه الفلسطينيون مع حجم التضحيات الكبيرة التي قدموها لنيل حقوقهم، فلم يُرهق الانقسام الحاصل المواطن الفلسطيني فحسب، بل أصاب الإعياء النخبة السياسية والاقتصادية والثقافية الفلسطينية أيضًا.

بُنِيتْ جميع المصائب الجديدة التي حلَت بالفلسطينيين على أساسات الانقسام، وأعطبت قدرة الفلسطيني على الترويج لحقوقه وقضيته، بل وأعطبت ذاته بإرهاقها في البحث عن أولوية "الغذاء والأمن" التي يرتكز عليها لبقائه فاعلًا وقضيته في متداول النقاش الدولي، على أساس أن إبقاء القضية الفلسطينية في التداول يعني إبقاء الشرعية الفلسطينية.  

في السياق الداخلي عطل الانقسام الفلسطيني الحاصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة كل السياسات الفلسطينية، وأعطب قدرة الفلسطينيين حتى على إدارة ذاتهم بعد نشوء قوتين في الضفة وغزة تعملان بشرعية منقوصة، كما أضر تعطيل كثير من مؤسسات النظام السياسي الفلسطينيالمواطن الفلسطيني بشكل خاص على حساب برنامجين مختلفين أحدهما يرى في المفاوضات والنضال السلمي حلًا وحيدًا لإنشاء الدولة، وآخر يرى في المقاومة المسلحة حلًا وحيدًا للتحرير، ما أدى في النهاية لفشل الإستراتيجيتين معًا - قياسًا بالنتيجة الحاليّة -.

في خضم الإجراءات الأمريكية الإسرائيلية المتسارعة لانتزاع الصلاحيات من الفلسطينيين وإعادة تشكيل حصتهم فيها، وإعادة هندسة وجودهم في الداخل والخارج، لم يتخذ الفلسطينيون أي موقف موحد لإعادة ضبط إجراءاتهم السياسية لمواجهة التحديات التي تتعرض لها القضية الفلسطينية

العطب الأكبر الذي أحدثه الانقسام هو تعامل الفلسطينيين مع قضاياهم الداخلية كل حسب منطقته، في غزة أو في الضفة الغربية أو في الداخل المحتل أو في المخيمات الفلسطينية في الخارج أو مجتمع الغربة الفلسطيني، ولم تخرج طموحاتهم الكبيرة من بوابات همومهم المعيشية الداخلية، لتصبح أكبر مطالبهم تتمحور حول الاحتياجات الحياتية اليومية، ما أثر على شكل المشروع الوطني برمته.

وفي خضم الإجراءات الأمريكية الإسرائيلية المتسارعة لانتزاع الصلاحيات من الفلسطينيين وإعادة تشكيل حصتهم فيها، وإعادة هندسة وجودهم في الداخل والخارج، لم يتخذ القادة الفلسطينيون أي موقف موحد لإعادة ضبط إجراءاتهم السياسية لمواجهة التحديات التي تتعرض لها القضية الفلسطينية برمتها، بل كانت مواقفهم السياسية المتناقضة وصراعهم الداخلي سببًا في تعطيل أي دور للوسطاء نحو تحسين حالتهم الاقتصادية والسياسية.

وأمام اللائحة الطويلة للمواقف الأمريكية الجديدة في عهد ترامب من القضايا الإسرائيلية الفلسطينية سيجد أي رئيس أمريكي مستقبلي صعوبة شديدة في تغيير السياسة الأمريكية تجاه الشعب الفلسطيني والإسرائيليين مع مشروطية الرباعية، ما يعني زيادة التعقيد في التعامل مع إفرازات أي انتخابات فلسطينية جديدة، حتى وإن خضعت لمعايير الديمقراطية.

هذه المرة.. انتخابات تشبه الانتخابات لكنها مدخل للحل

جاءت هذه المرة الإجراءات متسارعة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس رغم تأخرها، حيث أعلن في جلسة افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي أنه سيباشر حال عودته إلى رام الله التحضير لإجراء انتخابات منظمة التحرير الفلسطينية والضفة الغربية والقدس الشرقية.

وما بين الإعلان والقرار النهائي، كانت جولات ثلاثة لرئيس لجنة الانتخابات حنا ناصر إلى غزة للقاء حماس بصفتها المسيطرة على قطاع غزة وتحديد موقفها من الانتخابات، وشكل تصريح الرئيس محمود عباس الثلاثاء 10-12-2019 قائلًا: "فلسطين ذاهبة إلى الانتخابات بعد أن وافقت عليها جميع الفصائل الفلسطينية وخاصةً حركة حماس"، ما أعطى ملامح أكثر جدية للتعاطي مع الانتخابات.

ولعل تحطيم البيئة السياسية وتعطيل النظام السياسي - بسلسلة مراسيم معطلة - ثم إعادة بنائه من جديد سيستغرق وقتًا طويلًا لا يتناسب مع حجم التغيرات الإقليمية ولا الدولية الحاصلة، ولا مع حجم الإنهاك في الظروف المعيشية للمواطن الفلسطيني.

وقد أوصلت أزمة المال والمانحين التي تعاني منها السلطة الفلسطينية - متمثلة بمشروع المفاوضات والدولة - وحماس - متمثلة بمشروع المقاومة والتحرير - الطرفين للعودة إلى الداخل الفلسطيني من جديد، بعد مضي 13 سنة على الانقسام الفلسطيني أعطبت خلالها النخبة السياسية صورة الديمقراطية في مخيال الفلسطينيين، وها هي ذاتها تستخدم نفس الأساليب المبتذلة في الترويج لعملية الانتخابات الحاصلة، مع تمترس النخبة في مواقعها، بحدة أيديولوجيا متزايدة مصحوبة بعمر النخبة، وتقويض مشاركة الجيل الجديد.

لكن العودة لفتح حوار عن الانتخابات البرلمانية لمنظمة التحرير الفلسطينية بإشراك جميع الفصائل الفلسطينية قد يسهل نجاح عملية الانتخابات التشريعية والرئاسية التي وافقت عليها الأطراف باعتبارها الوسيلة الأنجع لاختيار النخبة السياسية لمنظمة التحرير لتحقيق قرار فلسطيني شبه موحد أمام العالم.

ورقة المستقلين الرابحة

يضع الفلسطيني بارقة أمل في المستقلين أو المؤطَرِين الأكثر بارغماتية في الساحة السياسية الفلسطينية لتصعيدهم إلى السلطة، باعتبار أن شاغلهم الحياتي أولويات صمودهم، وأن حيز الفراغ الناتج عن إزالة الانقسام يمكن للمستقلين ملؤه بصورة أفضل، وترى الفصائل الفلسطينية في المستقلين ورقة "الجوكر" لتعزيز حصتها في الانتخابات القادمة أو إعادة سيطرتها، وما دمنا نتحدث عن إعادة سيطرة دون شراكة سنصل للنتيجة ذاتها.

قد يبدو إنزال جيل جديد شاب للساحة السياسية الفلسطينية لم تتعمق فيه فرضية صراع الإرادات بين فتح وحماس مدخلًا جيدًا في الانتخابات القادمة لرأب الصدع الحاصل، ويلقى قبولًا أكثر في المجتمع الدولي.

هناك أصوات أوروبية سياسية فاعلة جديدة بدأت تتبنى خيار الدولة الواحدة، أمام فشل مشروع الدولتين، ورهنت تقدمها في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بالموقف الفلسطيني الموحد، أما أمريكا، بدأت تتعاطي مع سلاح حماس في غزة على أنه ليس مشكلة في أي حل مستقبلي ما دامت قادرة على ضبط الأمن، في كلا السياقين لم ينجح أي من المشروعين.

من خلال الانتخابات يستطيع الفلسطيني في الداخل من جديد التشابك مع الفلسطيني في الخارج، خصوصًا الفاعلين من النخبة المغربة في الأمريكيتين وأوروبا وشرق الشرق الأوسط والمجتمعات العربية، بموقف موحد لإعادة إحياء المشروع الوطني الفلسطيني

لو تعامل الفلسطينيون بموقف موحد لما وصلنا إلى هذه التكلفة الكبيرة التي دفعتها غزة وباتت على قناعة أن المقاومة ذات البعد المسلح فقط لن توصلها إلى الخروج حتى من قوقعة الحصار إلى الأفق الدولي للمناورة، أو تلك التي دفعتها السلطة، وباتت على قناعة أن الدولة لن تتحقق إلا بتحرير الاقتصاد والإنسان الفلسطيني، رغم كمية الأموال التي صرفها المانحون الدوليون لتحرير بنية الدولة الفلسطينية لدعم عملية التسوية التي تحتضر بشكلها التقليدي.

من خلال الانتخابات يستطيع الفلسطيني في الداخل من جديد التشابك مع الفلسطيني في الخارج، خصوصًا الفاعلين من النخبة المغربة في الأمريكيتين وأوروبا وشرق الشرق الأوسط والمجتمعات العربية، بموقف موحد لإعادة إحياء المشروع الوطني الفلسطيني.

في النهاية، لم يبق أمام الفلسطينيين من خيار إلا إزالة الانقسام، وقد تبدو الانتخابات رغم الظروف الداخلية والإقليمية والدولية المحيطة بها المخرج الوحيد أمام إعادة تنشئة الفلسطيني من جديد ليتخذ قراراته من مؤسسات صناعة القرار الديمقراطية، ولكن الظروف الحاليّة التي تشهدها القضية الفلسطينية والذهاب بهذا الشكل المباشر إلى الانتخابات دون خطوات متسارعة للمصالحة يحكم على الانتخابات بالفشل، فالمصالحة أولًا.