يدخل حزب سياسي جديد إلى حلبة السياسة التركية مع إعلان رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو عن تأسيس حزبه الجديد قبل عدة أيام  وتحديدا في 12 ديسمبر تحت اسم حزب المستقبل في خطوة يتوقع كثير من المتابعين أنها ستؤثر على الكتلة التصويتية لحزب العدالة والتنمية الذي كان أحمد داود أوغلو رئيسه في الفترة بين عامي 2014 و 2016 قبل أن يغادر منصب رئاسة الحزب ورئاسة الوزراء بعد خلافات بينه وبين الرئيس أردوغان. ولأن داود أوغلو اعتمد في تأسيس الحزب على مجموعة من كوادر الحزب ونوابه السابقين. وقد انتشرت على وسائل الإعلام التركية قوائم توضح أسماء وهويات مؤسسي الحزب الجديد الذي يعتبره داود أوغلو لحظة تاريخية لرسم مستقبل مزدهر للبلد.

لعل السؤال الأكثر أهمية من أسباب الخلاف التي أصبحت في الخلفية هو مدى قوة الحزب الجديد وهل سيؤثر في السياسة التركية ومن هي الكتلة المؤيدة له؟.

بما أن الحزب على خلاف مع الحركة القومية وعلى قاعدة عدو عدوي صديقي فإن الحزب الجديد قد يوجه خطابا مغازلا للأكراد في تركيا وبالتالي ربما يحصل على أصوات من هذه الكتلة وخاصة المتدينة منها

من الواضح أن حزب داود أوغلو الجديد على خلاف مع الحركة القومية وقد انتقد داود أوغلو تحالف حزب العدالة والتنمية معهم واعتبر أن أحد أسباب تراجع الحزب في الانتخابات الأخيرة هو تحالفه مع الحركة القومية ومع وجود خط قومي يمثله كل من الحزب الجيد والحركة القومية وحزب الاتحاد الكبير فإن كتلة هذه الأحزاب هي الأبعد عن حزب المستقبل الجديد. مع احتمالات قليلة بحصوله على أصوات من الحزب الجيد.

وبما أن الحزب على خلاف مع الحركة القومية وعلى قاعدة عدو عدوي صديقي فإن الحزب الجديد قد يوجه خطابا مغازلا للأكراد في تركيا وبالتالي ربما يحصل على أصوات من هذه الكتلة وخاصة المتدينة منها،جولكن تبقى الحقيقة الواضحة أن أغلب الأكراد يصوتون لحزب الشعوب الديمقراطية أو أي من امتداداته ولكن تزيد فرص داود أوغلو في هذه المساحة مع تشتت حزب الشعوب الديمقراطية وتبقى نقطة قوة داود أوغلو هي في تأييده المعروف لعملية السلام المتوقفة مع الأكراد.

المستقبل

أما على صعيد الأحزاب العلمانية وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري فإن العلاقة تبقى علاقة مصلحية في مواجهة هدف واحد قوي هو الرئيس رجب طيب أردوغان، كما تلتقي معه في ضرورة المحافظة على العلاقة مع أوروبا بدون أي مواجهات، ومع ذلك فإن كتلة هذا الحزب تعتبر داود أوغلو السبب الأساسي في مشاكل تركيا وتورطها في سوريا وغيرها من بلدان الشرق الأوسط أثناء عمله كمستشار ووزير للخارجية ورئيس للوزراء.

تبقى هناك كتلة مهمة لداود أوغلو وهي ما تسمى دائرة الميللي غوروش وهي دائرة يتداخل فيها حزب العدالة مع حزب السعادة وحزب الرفاه الجديد الذي يقوده فاتح أربكان نجل المرحوم نجم الدين أربكان وكذلك عدد من مؤيدي داود أوغلو ولذلك فإن كل هذه الأحزاب تتنافس على هذه الدائرة.وبما أن هذه الدائرة ليست بالكبيرة في تركيا وموزعة بين عدة أحزاب فإن جني أصوات كبيرة منها ليس أمرا محتملا.

أما على صعيد الأحزاب الأخرى الناشئة فهناك حزب مرتقب سيؤسسه علي باباجان  وزير الاقتصاد الأسبق وهو يحمل صبغة أكثر ليبرالية وفيما يبدو أن رؤى باباجان وداود أوغلو رؤى مختلفة ولم يستطع الاثنان العمل معا ولكن من الواضح أن قدرة باباجان على جذب الأصوات أكثر من قدرة داود أوغلو مع أن باباجان لم يظهر قويا أيضا في أول لقاء تلفزيوني له بعد الإعلان عن استقالته من حزب العدالة ونوايا تشكيل حزب جديد. ولعل ما تشير له الصحافة التركية أيضا إن باباجان يتلقى دعما ومباركة من قوى خارجية وله علاقات كبيرة ويدعمه الرئيس السابق عبدالله غول فيما لا يحظى داود أوغلو بمثل هذا الدعم. الأمر الآخر أن باباجان دخل إلى هذه المنافسة من باب قدرته السابقة كوزير اقتصاد ناجح وهو يقدم نفسه كمنقذ للاقتصاد التركي، ( ولذلك فإن حظوظه مع استعادة الاقتصاد عافيته ستضعف) أما داود أوغلو بالرغم من نشاطه الدبلوماسي وشخصيته العلمية الأكاديمية فإن كثير من الأتراك يربطون تراجع وأزمات سياسة تركيا الخارجية بعد 2012 به وهذا عائق كبير له، بالإضافة إلى أن الشخصيات التي خرجت من حزب العدالة والتنمية مع داود أوغلو في أغلبها ليست شخصيات قوية.

لا يطمح داود أوغلو إلى المنافسة المباشرة مع حزب العدالة وحزب الشعب الجمهوري ولكن من الواضح أن الأحزاب الجديدة الصغيرة توصلت لقناعة أن النسب الصغيرة في الانتخابات في ظل وجود تحالفات انتخابية متقاربة وفوارق قليلة حول 1 % و2 % يمكن أن تكون بيضة القبان

يمكن القول أن الأحزاب الجديدة قد تخدم حزب العدالة والتنمية أكثر من الأحزاب المعارضة فهي ستحاول استرداد الأصوات التي خسرها حزب العدالة والتنمية وذهبت للمعارضة في السنوات الأخيرة، كما أن هذه الأحزاب الجديدة ليست مفاجئة فكوادرها منذ أكثر من عامين يعارضون حزب العدالة والتنمية من الداخل بشكل مباشر وغير مباشر ولم تكن استقالاتهم مؤخرا سوى استقالات شكلية.

بالتأكيد لا يطمح داود أوغلو إلى المنافسة المباشرة مع حزب العدالة وحزب الشعب الجمهوري ولكن من الواضح أن الأحزاب الجديدة الصغيرة توصلت لقناعة أن النسب الصغيرة في الانتخابات في ظل وجود تحالفات انتخابية متقاربة وفوارق قليلة حول 1 % و2 % يمكن أن تكون بيضة القبان وتكون صانعة الملوك فقد استفاد إمام أوغلو في الانتخابات الأولى من أصوات حزب السعادة. كما قد يكون طموح داود أوغلو إلى ما هو أبعد من الانتخابات القادمة في 2023 للحصول على يروج أنه تركة حزب العدالة والتنمية بعد أردوغان، ولكن هذا يتجاهل 3 سنوات من الترتيبات والدهاء السياسي لأردوغان بالإضافة إلى التطورات السياسية القادمة وكما قال سليمان ديميريل فإن 24 ساعة في السياسة التركية تعد وقتا طويلا جدا.

وفيما لا نميل إلى الاعتماد على الاستطلاعات كحقائق بل مؤشرات قد تصح وقد تكون موجهة فقد ذكرت عدة شركات استطلاع نسبا متوقعة للأحزاب حاليا ومنها حزب داود أوغلو الجديد حيث ذكر مركز غيزجي أن نسبة حزب داود أوغلو هي 0.9% وأن 85% من هذه الأصوات ستأتي من كتلة حزب السعادة وممن صوتوا للحزب الجيد في الانتخابات الأخيرة. وقد انتقد المركز خروج داود أوغلو للإعلام مع كليجدار أوغلو مؤخرا مبينا أن ذلك يؤثر سلبا على جذبه للأصوات من كتلة اليمين. ومع ذلك سيستهدف داود أوغلو كتلة حزب العدالة والتنمية والأكراد المحافظين وربما سيحاول التموضع بتفاهمات مع الأحزاب المعارضة ولكن في المدى القريب وفي ظل ضعف احتمالات انتخابات مبكرة حتى الان سيكون من الصعب تقييم تأثير الأحزاب الجديدة ولكن بالتأكيد أقل بكثير من القوة التي تروج بها لنفسها وما زال الرئيس أردوغان هو الفاعل الأقوى في السياسة التركية خاصة في ظل النظام الرئاسي الذي يحكم تركيا حاليا.