يقترب العد التنازلي، من ظهور قمة كوالالمبور الإسلامية المصغرة للنور، والتي ستعقد خلال الفترة بين 18 و21 ديسمبر الجاري، وتضم ماليزيا، وتركيا، وباكستان، وإيران، وقطر، فضلاً عن مشاركة دول عدة آخرى، وكلما اقترب الوقت، تصاعد الجدل حولها، في البلدان المؤيدة والمعارضة لها على حد سواء، خاصة أنها تضع قضايا وتحديات الإسلام عنوانًا لها، وترفع شعار "الرسالة الإسلامية الحقيقية إلى العالم"، هدفًا لها، في حل قضايا التطرف وكراهية الإسلام.

التطرف، وصعود مصطلحات تحمل الكثير من اللبس، وخاصة في الدول الأوروبية، مثل ما يسمى بـ«رهاب الإسلام»، ومن ثم إنعكاسات ذلك، على تنامي التمييز ضد المسلمين، من الأسباب الرئيسية لإقامة هذه القمة، حسب التصريحات المقتضبة التي خرجت من الدولة الداعية لها.

وهي قضايا سُتحمل القمة، الكثير من المسؤولية، لإثبات تقدمية الفكر السياسي الإسلامي في الوقت الحالي، وجدارة الدول المسلمة في اللحاق بركب الحداثة، خاصة إذا ما علمنا تعقيدات المفردات، التي سيناقشها المجتمعون، والتي تركز على وضع حلول لعد مجالات أساسية، تمثل أزمة حقيقية في البلدان الإسلامية، وهي التنمية والسيادة والنزاهة والحكم الرشيد والثقافة والهوية والعدالة والحرية والأمن والدفاع والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا.

وتفرض موضوعات القمة الشائكة، ضرورة كبرى، لاستعراض إمكانات الدول المشاركة ونقاط القوة والتأثير من جغرافية وعدد سكان واقتصاد وقوة ردع عسكري وتحالفات، لمعرفة ما الذي يربط كل دولة منهم بالموضوعات المعلنة، وهل ستمكنهم إمكاناتهم حقًا من المساهمة في معالجة المشكلات المزمنة، التي تواجه غالبية البلدان الإسلامية.

الجغرافيا والسكان

يبلغ تعداد الدول الخمس، وهي ماليزيا وتركيا وباكستان وإيران وقطر، نحو 400 مليون نسمة، تتصدر القائمة باكستان التي تملك قوة بشرية تتجاوز 213 مليون نسمة، على مساحة جغرافية نحو 882 ألف كيلومتر مربع، وتأتي خلفها تركيا بتعداد يبلغ 84 مليوناً، بمساحة نحو 783 ألف كيلو متر مربع، في موقع جغرافي استراتيجي، يقع بين قارتي آسيا وأوروبا.

تدخل إيران المنافسة بموارد بشرية تتجاوز 82 مليون نسمة، ومساحة أكثر من 1.6 مليون كيلو متر مربع، بينما يبلغ تعداد ماليزيا نحو 32 مليون نسمة، ومساحة نحو 330 ألف كم مربع، وأخيرًا قطر، التي يبلغ تعدادها نحو ثلاثة ملايين نسمة، على مساحة تبلغ نحو 11.5 ألف كم مربع.

الاقتصاد

تتصدر تركيا دول القمة، باحتلالها رقم 13 هذا العام، في قائمة اقتصاديات العالم، كما أنها عضو في حلف الناتو، ومجموعة العشرين لأكبر اقتصاديات العالم، وبعدها ماليزيا التي تحتل المركز الـ 37 عالمياً من حيث إجمالي الناتج المحلي، بحسب إحصاءات صندوق النقد الدولي، وباكستان التي تحتل المركز 41 عالمياً، بنفس المقاييس، حتى إيران التي تواجه ضغوط اقتصادية شرسة، تملك اكتفاء ذاتيًا في الصناعات الغذائية والتحويلية، نهاية بقطر التي تحتل ميزة منفردة، فهي الدولة الثالثة عالمياً، من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي والنفط.

ويعني تنوع مفردات القوى الاقتصادية، أن التحالف يملك مميزات مختلفة عن غيره، من بلدان العالم الإسلامي، من حيث النهضة الاقتصادية، والثقل الصناعي والتجاري، وهي بالطبع تعطي الزخم الأكبر لقمة كوالالمبور، إذا ما نتج عنها تفاهمات تشير إلى تدشين تكتل اقتصادي إسلامي، بتعريفات جديدة للواقع وتحدياته، وبالتالي سيترقبه العالم، لمعرفة ما الذي يمكن أن يسفر عنه.

الردع.. معايير القوة العسكرية

تتصدر تركيا بلدان الحلف الجديد في القوة العسكرية، فهي تحتل المركز التاسع عالميًا، وفق تصنيف موقع «جلوبال فاير باور» المتخصص في الشؤون العسكرية، والذي ينشر سنويًا ترتيبًا أقوى الجيوش في العالم، وتبلغ ميزانية الجيش التركي حوالي 8 مليار دولار ونصف سنوياً، ويحتل المرتبة الـ25 عالمياً من حيث حجم ميزانية الدفاع.

أما القوات المسلحة الإيرانية والباكستانية، فالأولى تحتل المرتبة الـ 14 عالميا، بمزانية تصل إلى 4 مليارات ونصف مليار دولار، وخلفها مباشرة جيش باكستان، الذي يحتل الترتيب الـ 15 عالميًا، بميزانية دفاع تصل إلى 7 مليار دولار امريكي، فضلًا عن ترسانته النووية، أما ماليزيا فتأتي في الترتيب الـ 41 عالميًا، وأخيرًا قطر التي تحتل الترتيب الـ 100 عالميًا، وإن كانت تسير مؤخرًا بوتيرة متسارعة في تحديث بنيتها العسكري، لذا رفعت ميزانية الدفاع إلى ما يتخطى حاجز الـ 19 مليار دولار.

التحالفات.. تحديات مشتركة للحلف الجديد

يمكن القول إن جميع بلدان الحلف الجديد، تتشارك في قضايا تجعلهم في حاجة إلى بعضهم البعض، بداية من تركيا التي تعيش حالة من التوترات والاشتباكات التي تصاعدت مع بعض بلدان حلف الناتو خلال الأعوام الأخيرة، ولكنها لا تزال تقوم بدور كبير في جميع مهام الحلف الرئيسية، من كوسوفو والبوسنة، إلى لبنان وأفغانستان.

وخلال العقد الماضي، وخاصة بعد محاولة انقلاب 15 يوليو، أصبح لدى الأتراك انطباعات راسخة، تؤكد أن أمريكا وحلف الناتو، لا يمثلون حليفاً صادقاً لها، وكان ذلك أحد أسباب لجوء أنقرة إلى إعادة تشكيل علاقاتها الخارجية، وفق المخاوف الأمنية، والديناميات الإقليمية التي تعمل فيها، والوقائع الجيوسياسية.

انقلاب 15 تموز

وتتنوع علاقات تركيا وتحالفاتها الآن، بخلاف محاولاتها الإبقاء على تحالفها التاريخي مع البلدان الغربية، إلا أنها توثق علاقتها على جميع المستويات، مع روسيا وإيران وباكستان وقطر وماليزيا نهاية بفنزويلا، وكذك الحال بالنسبة لباكستان، التي تواجد ضغوط متزايدة من الولايات المتحدة، بسبب الملف الأفغاني.

وتعمل إسلام أباد على تعزيز علاقاتها مع تركيا وروسيا والصين وإيران؛ في محاولة منها لمواجهة سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجديدة في جنوب آسيا، بجانب أزمتها التاريخية مع الهند، والتي تعقدت بعد إلغاء وضع الحكم الذاتي الدستوري للجزء الهندي من إقليم كشمير المتنازع عليه، اعتمادًا على تفضيل الولايات المتحدة للشراكة مع الهند، ودعمها في القرارات التصعيدية ضد باكستان.

إيران، تمضى هي الآخرى على قدم وساق، لصناعة تأثير في الإقليم، دون أن يخل ذلك بسعيها الدائم في أن تصبح دولة مواجهة مع "إسرائيل"، التي تراها العدو الرئيسي، ولهذا تتنوع تحالفاتها مع روسيا وكوريا الشمالية والصين بجانب جميع بلدان التحالف الجديد، أما قطر، فلا حاجة للحديث عن أزمتها الخليجية، التي دعت وزير خارجيتها محمد عبد الرحمن، للحديث علانية العام الماضي عن الحاجة إلى تحالف إقليمي جديد.

اتجهت الدوحة إلى تركيا وإيران وروسيا والصين خلال العاميين الماضيين، بخلاف تحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة، والآن تتجه بقوة إلى البحث عن البلدان الإسلامية، التي تشاركها توجهاتها السياسية، لهذا يبدوا الحلف الجديد، الأفضل لقطر على جميع المستويات، ربما بدرجة تزيد على جميع البلدان المشاركة.

تميم بن حمد

يقول محمد المشد، الباحث في الاقتصاد السياسي بأكاديمية ساواس بلندن: إن ما يجمع هذه الدول ويميزها عن دول إسلامية أخرى، تمتعها بالقوة السياسية والاقتصادية، فالدول الخمس تحتل مراكز متقدمة، ضمن أكبر 55 دولة على مستوى العالم ــ بحسب إحصائيات صندوق النقد الدولي عام 2018 ــ فتركيا في المركز 19، وإيران الـ30 وماليزيا 37، وباكستان 41، وقطر في المركز 55، بينما يمثل حجم الاقتصاد في الدول الخمس، رقماً ليس بالقليل في معادلة الاقتصاد العالمي.

يضيف المشد: مقومات الحلف الجديد، تمنحه القدرة على التأثير السياسي، من خلال تحالفات كل دولة، ونفوذها في محيطها، فباكستان قوة نووية، وتركيا عضو في حلف الناتو، وماليزيا تتمتع بوضع إقليمي جيد في المحيط الآسيوي، وهو حديث يتفق معه يوسف كاتب أوغلو، المحلل السياسي التركي، الذي يرى أهمية قصوى لإقامة الحلف، في تشكيل تكتل، لديه قدرة على التأثير وفرضه حضوره على العالم، فكل دولة بمفردها لن تشكل شيئا أمام هيمنة القوى العظمى. 

ويتابع كاتب أوغلو: الكل يعلم أنه لايوجد من يستطيع الآن، أن يقف أمام «الصين» بمفرده، حتى ولو كانت هذه الدولة هي الولايات المتحدة نفسها، التي لا تستطيع فرض رأيها بالقوة على التنين الصيني، وتلجأ لتحالفاتها لتمرير ما تريد، مما يعني أن الحلف الوليد، لديه فرص بقوة الاقتصاد والسياسة والسكان والموقع الجغرافي المتعدد والممتد، أن يؤثر بشكل أكبر من تأثير كل دولة بمفردها.

هل تسعى قمة كوالالمبور لإنهاء دور منظمة التعاون؟

يرفض يوسف أوغلو الاتهامات المتزايدة لقمة كوالالمبور، بأنها تحاول إلغاء دور وتأثير منظمة التعاون الإسلامي، فهي بنظره ليست موجهة ضد أي بلد أو أي منظمة، لكنه هذا لا يمنعه في الوقت نفسه من انتقاد المنظمة التي يراها، ثقيلة الحركة، فاتخاذ القرارات فيها بالإجماع شبه مستحيل، فضلًا عن وضوح الانقسام السُني الشيعي داخلها.

منظمة التعاون

يمضي الكاتب التركي خلال مقابلة له مع موقع دويتش فيله الألماني مؤكدا أن "فكرة التحالف تقضي بوجود محرك يمكنه دفع الدول الإسلامية عند اللزوم ضد أي هجوم أو خطر يتعرض له الإسلام والمسلمون في العالم، حدث هذا في السابق ولم يكن هناك أي تفاعل كبير أو إيجابي".

"المنظمة ليست بالفاعلية التي يجب أن تكون عليها، ولهذا فالتحالف الجديد يهدف لإعادة ترتيب الأفكار حول القضايا الكبرى، حتى تكون هناك نواة صلبة للوقوف في وجه أي هجوم، ليس بالضرورة أن يكون عسكرياً، بل قد يكون هجوماً ضد الإسلام وثوابته"، على حد قوله.

تبدو قمة كوالالمبور طموحة بالنظر إلى ما ترفعه من شعارات وما تطرحه عبر أجندتها، على أن الأمر منوط ليس بمخرجاتها النظرية فحسب؛ بل بما تتمكن الدول المتحالفة من فرضه على أرض الواقع وتنفيذه فعليًا.