عرفت تركيا قفزة هامة في مجال الصناعات الثقيلة

قبل عقدين من الآن، كانت تركيا تستورد معظم احتياجاتها من الصناعات الكبرى، لكن السنوات الأخيرة حملت معها تغييرات كثيرة، فقد باتت تعتمد على الإنتاج المحلي في جزء كبير من متطلباتها في الصناعات المدنية والعسكرية الثقيلة، ما جعلها تطمح إلى دخول نادي الاقتصادات العالمية الكبرى.

قطار كهربائي

مؤخرًا، اختبرت تركيا أول قطار كهربائي محلي الصنع في ولاية صقاريا (غربي البلاد)، في خطوة جديدة ضمن إستراتيجية أنقرة للتفوق الصناعي، وشارك في حفل الاختبار وزير النقل والبنى التحتية عادل قره إسماعيل أوغلو، ووزير الصناعة والتكنولوجيا مصطفى وارناك.

ومن المنتظر أن يدخل القطار الكهربائي الذي صنع بإمكانات محلية تركية في مصنع "توفاساش" بولاية صقاريا، الخدمة نهاية العام الحاليّ، وتسعى تركيا لأن تكون مركزًا عالميًا لإنتاج القطارات وفق المسؤولين في أنقرة.

تخطط تركيا لإنتاج ما يصل إلى 175 ألف سيارة سنويًا بموجب هذا المشروع، وأن تستقطب استثمارات ثابتة بقيمة 22 مليار ليرة

تخطط تركيا للقيام باستثمارات بقيمة 15 مليار يورو في مجال السكك الحديدية خلال الأعوام الـ10 القادمة، حتى تكون لاعبًا أساسيًا في هذا المجال، علمًا بأن القيمة السوقية لأنظمة السكك الحديدية في العالم تبلغ 160 مليار يورو.

عقب انتهائها من إنتاج القطار الكهربائي المحلي، من المنتظر أن تستمر تركيا في مساعيها لتصنيع القطار السريع المحلي، ما يؤكد الطفرة الصناعية الكبرى التي عرفتها البلاد في سنواتها الأخيرة في ظل حكم حزب العدالة والتنمية.

سيارة ذكية

قبل ذلك، دشنت تركيا سيارة كهربائية من طراز رياضي متعددة الاستخدامات غير كلاسيكية هي الأولى من نوعها في أوروبا تحمل علامة "توج" TOGG وهو اسم التحالف الصناعي (الكونسورتيوم) الذي صنعها، محققة بذلك حلم ظل يراود جميع الأتراك منذ عشرات السنين.

مثلت تلك السيارة الوطنية الجديدة تتويجًا لتجارب التصنيع في قطاع السيارات بجهود تركية خالصة، وشاركت فيها 5 شركات صناعية تركية عملاقة هي مجموعة "الأناضول" و"بي أم سي" و"كراجا القابضة" ومجموعة "توركسيل و"زورلو القابضة".

ويمكن للسيارة الذكية الجديدة أن تساعد في عدة أمور مثل التسوق من الإنترنت وتسليم المشتريات إلى السيارة حتى إن لم يكن سائقها موجودًا، ومن المنتظر أن تطرح تركيا سيارتها الكهربائية المحلية في الأسواق منتصف 2022.

حاول الأتراك منذ 70 سنة صنع سيارة، لكن السيارة المحلية الأولى ظهرت للعيان سنة 1961، حين رأت السيارة التركية الأولى "ديفريم" (الثورة) النور وأنتج منها 4 نسخ فقط، فقد أرادت حينها السلطات الانقلابية تقديم إنجاز صناعي يعزز شرعيتها بين أبناء الشعب التركي، لكن المشروع فشل.

وتخطط تركيا لإنتاج ما يصل إلى 175 ألف سيارة سنويًا بموجب هذا المشروع، وأن تستقطب استثمارات ثابتة بقيمة 22 مليار ليرة (3.7 مليار دولار) على مدى 13 عامًا، وتضمن الحكومة شراء 30 ألف سيارة بحلول 2035، وفق الجريدة الرسمية التركية.

صناعات عسكرية

لم تقتصر تركيا على الصناعات المدنية فقط، بل العسكرية أيضًا، حيث حققت قفزات هائلة نقلتها من خانة المستورد إلى دائرة التصنيع الذاتي وصولًا إلى الدولة المصدرة، بعد أن كانت تعتمد على الخارج بشكل شبه كامل.

وخلال السنوات العشرة الأخيرة، نمت صناعة الطائرات من دون طيار المحلية الصنع بشقيها الاستكشافي "IHA" والمسلح "SIHA"، لتحتل تركيا موقعًا بين أول أربع دول في العالم في هذا المجال، وتحلق طائرات "بيرقدار" المسيرة على قمة تكنولوجيا الصناعات العسكرية التركية.

وتمثل الطائرات المسيرة جزءًا من الإنتاج الحربي التركي المتنامي محليًا الذي حقق طفرات في السنوات الأخيرة على مستوى التصنيع والإنتاج مثل مروحيات "أتاك" وصواريخ "بورا" الباليستية ومدفع "فيرتينا" وغواصة "بيري ريس" البحرية.

تظهر قراءات اقتصادية أن تركيا ستشهد مزيدًا من الانتعاش الاقتصادي عام 2020

موخرًا وقعت هيئة الصناعات الدفاعية التابعة للرئاسة التركية، اتفاقية مع شركة الصناعات الجوية والفضائية (توساش)، لإنتاج طائرات شحن عسكرية مسيرة لخدمة القوات المسلحة التركية، وتأتي هذه الخطوة لتلبية احتياجات الجيش التركي ونقل المستلزمات اللوجستية إلى مناطق العمليات العسكرية.

وتهدف تركيا إلى تصدير منتجات عسكرية دفاعية تتجاوز قيمتها 5 مليارات دولار في العام الحاليّ، متجاوزة الرقم المسجل في العام 2018 بأكمله والبالغ 2.35 مليار دولار، ورفع سقف صادراتها الدفاعية والفضائية إلى 25 مليارًا في السنة بحلول عام 2023.

وتُظهر تقارير الصادرات العسكرية التركية أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر المستوردين للسلاح من تركيا بقيمة 748 مليون دولار بزيادة قدرها 16.27%، ثم ألمانيا بقيمة 242.21 مليون دولار بزيادة قدرها 14.42%.

أرقام مهمة

نتيجة هذه الصناعات الثقيلة، سجلت تركيا بيانات اقتصادية مهمة، حيث أظهر معهد الإحصاء التركي انتعاش مؤشر الثقة الاقتصادية في يونيو/حزيران بنسبة 19.1% مقارنة بالشهر السابق ليسجل 73.5 نقطة، كما ارتفعت صادرات تركيا بنسبة 15.8% خلال يونيو/حزيران الماضي مقارنة مع الفترة نفسها من 2019، وبلغت نحو 13.5 مليار دولار.

كما تظهر قراءات اقتصادية أن تركيا ستشهد مزيدًا من الانتعاش الاقتصادي عام 2020، فقد نجحت بخفض معدل التضخم من نحو 20% في بداية عام 2019 إلى 12% في نهاية العام.

كدليل على انتعاش اقتصاد تركيا، حققت البلاد معدل نمو اقتصادي بـ4.5% في الربع الأول من العام الحاليّ رغم ظروف أزمة فيروس كورونا، مقابل نسبة نمو مقدرة صفر بالمائة السنة الماضية، في حين بلغ نصيب الفرد 45 ألفًا و750 ليرة تركية عام 2018.

تطمح تركيا أن يصبح اقتصادها ضمن أقوى 10 اقتصادات في العالم سنة 2023

في عام 2019، صنفت مجموعة "إتش إس بي سي هولدينغز" تركيا في المرتبة السابعة عالميًا، باعتبارها أفضل البلدان للعيش والعمل، فيما حافظ جيشها على موقعه في مقدمة جيوش المنطقة والعاشر على مستوى العالم، فضلًا عن ذلك فقد نجحت في رفع احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية ليتجاوز 93 مليار دولار، في وقت تشهد فيه اقتصادات معظم الدول الكبرى تراجعًا كبيرًا، بسبب تداعيات تفشي فيروس كورونا.

إلى جانب ذلك، بلغ الناتج المحلي التركي 2.3 تريليون دولار، وهو رقم مهم جدًا، متجاوزًا حد التريليونين المرتبط بالرؤية القومية، كما سجلت تركيا أرقامًا مهمةً في تقليص نسب البطالة والفقر في أوساط شعبها وتحقيق الرفاهية له.

العشرة الكبار

بعد تحقيقها هذه الإنجازات الكبرى، تسعى تركيا إلى تحقيق هدف الوصول إلى ثالث قوة اقتصادية في أوروبا، والمرتبة العاشرة على مستوى العالم قبل 2023، ومكنت الصناعات الثقيلة تركيا من تجاوزت التحديات المحلية والدولية وأصبحت قادرة على الاستمرار في برامجها التنموية، وفق رؤية تركيا 2023.

تكمن أهمية هذه الصناعات الكبرى التي تحدثنا عنها في تعزيز مكانة تركيا على صعيد الاقتصادات العالمية الكبرى، وهو ما يعتبر حجر أساس في تحولها من بلد ضعيف إلى بلد قوي اقتصاديًا تماشيًا مع رؤية العدالة والتنمية لسنة 2023.

وسبق أن أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده أصبحت قريبة جدًا من دخول مصاف أكبر 10 اقتصادات في العالم، مضيفًا أن المؤشرات على انتعاش اقتصاد تركيا قوية للغاية، مشددًا على أن المسافة الكبيرة التي قطعتها تركيا في مجالي الديمقراطية والاقتصاد تجلت نتائجها الملموسة بشكل واضح خلال فترة تفشي وباء فيروس كورونا.

ووفق "رؤية 2023" التي يتبناها الرئيس رجب طيب أردوغان التي توافق احتفالات الذكرى المئوية لقيام جمهورية تركيا في عام 2023، فإن تركيا تطمح أن يصبح اقتصادها ضمن أقوى 10 اقتصادات في العالم.

ويستبشر الأتراك بعام 2023، ذلك أنه يعتبره نهاية قرن من القيود المجحفة والنتائج الوخيمة المترتبة على "معاهدة لوزان" الشهيرة التي وقعت سنة 1923 ولا تزال تركيا مقيدة بها وتمتد لـ100 سنة، وكخطوة مهمة لدخول نادي الكبار، قفزت تركيا من المرتبة 111 إلى المرتبة 16 اقتصاديًا على مستوى العالم.

رغم أهمية ما حققته تركيا في طريق الوصول إلى نادي الدول الـ10 الكبرى، فإن الطريق ما زال صعبًا ووعرًا، فالعديد من الدول تسعى لعرقلة هذا النجاح بشتى الطرق حتى إن وصل بها الأمر إلى دعم الإرهاب والقوى الانقلابية.