تنامي مكانة المغرب في إفريقيا

تنامي مكانة المغرب في إفريقيا

تعمل المملكة المغربية جاهدة لتطوير علاقاتها بالعديد من الدول الإفريقية، وتعويض السنوات الطويلة التي بقيت فيه غائبة عن القارة السمراء طوعًا، وتعتمد المملكة في إستراتيجيتها الإفريقية على أساليب عدة للقوة الناعمة على غرار دور العبادة والمصارف والاتصالات والتأمين.

مشاريع استثمارية

أكد المغرب، مؤخرًا، اعتزامه ونيجريا مواصلة المشاريع الإستراتيجية وإنجازها - خاصة خط الغاز بين البلدين - الذي سيمر بكل من بنين وتوغو وغانا وساحل العاج وليبيريا وسيراليون وغينيا بيساو وغامبيا والسنغال وموريتانيا، على أن يمتد الأنبوب على طول 5660 كيلومترًا.

هذا المشروع الاقتصادي الكبير الذي يربط المغرب بدول إفريقية عدة، ليس الأول ولا الأخير، حيث تمكنت المملكة المغربية في السنوات الأخيرة من تعزيز نفوذها ومكانتها في القارة الإفريقية ودفع التعاون مع دول القارة.

إلى جانب خط الغاز، اتخذت شركة مكتب الشريف للفوسفات المملوكة للدولة، وهي شركة عملاقة لتصدير الأسمدة تتخذ من الدار البيضاء مقرًا لها، خطوات عديدة نحو القارة الإفريقية بتوقيعها شراكة مع إثيوبيا لبناء أكبر مصنع للأسمدة في القارة بتكلفة إجمالية تبلغ 3.6 مليار دولار.

أدوات المغرب لتعزيز نفوذه في إفريقيا، لا تقتصر على عمل الشركات والأدوات التقليدية فقط، فهو يعتمد أيضًا على دور العبادة

تعتبر إفريقيا المستفيد الرئيسي من الاستثمارات المغربية المباشرة، فقد ازدادت بأكثر من الضعف خلال السنوات العشرة الماضية، إذ ارتفعت من 3 مليارات درهم في 2009 إلى 6.8 مليار درهم في 2019، أي بمعدل نمو سنوي متوسط ​​قدره 8.3%، بحسب وزارة الاقتصاد والمالية والإصلاح الإداري.

توجد الاستثمارات المغربية في إفريقيا في 29 دولة مقابل 9 دول فقط في عام 2009، واحتلت كوت ديفوار المركز الأول بنسبة 21.4%، تليها تشاد 19.8%، والسنغال 14.7%، وتمثل هذه البلدان الثلاث وحدها 55.9% من إجمالي الاستثمارات المغربية المباشرة في إفريقيا عام 2019.

مشاريع عديدة تُرجمت على أرض الواقع، مكنت المغرب من تعزيز نفوذه الاقتصادي بقوة في دول إفريقية عدة، ما مكنه من الوصول للأسواق الأوروبية والأمريكية، كما فك عنه عزلته الجغرافية، حيث نجح الملك محمد السادس سنة 2017 في كسب تأييد لانضمام بلاده إلى الاتحاد الإفريقي بعد عقود من مغادرتها هذه الهيئة احتجاجًا على إعطاء العضوية للصحراء الغربية كدولة مستقلة.

البنوك.. أبرز استثمارات المغرب في إفريقيا

أبرز أدوات التمكين التي يعتمد عليها المغرب في إفريقيا هي البنوك، حيث تعمل البنوك المغربية في 30 دولة إفريقية، أغلبها في غرب القارة، لكن في السنوات الأخيرة اتجهت إلى شرقها أيضًا خاصة بعد شراء بنك باركليز مصر سنة 2016 من أكبر بنك في المغرب "وفا بنك".

يندرج تدويل المصارف المغربية في إفريقيا، ضمن السياسة المغربية الإفريقية التي تنادي بها أعلى سلطة في البلاد - الملك محمد السادس - لصالح إرساء التنمية المشتركة والتضامن النشط مع دول جنوب الصحراء الكبرى.

النشاط الأبرز للبنوك المغربية في غرب القارة، إذ تلعب المجموعات المصرفية المغربية، المصنفة ضمن أفضل خمس مؤسسات مصرفية تعمل في منطقة الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا في سنة 2018، دورًا رائدًا في حضور المغرب بتلك المنطقة.

تنامي عمل البنوك المغربية في إفريقيا
 تنامي عمل البنوك المغربية في إفريقيا

وفقًا للجنة المصرفية للاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا، حصلت المصارف المغربية عام 2018 على 27.8% من حصة السوق في هذا الاتحاد وأكثر من 30% من حصة صافي الدخل العام في المنطقة.

ناهزت استثمارات البنوك المغربية في إفريقيا 17.5 مليار درهم (1.84 مليار دولار) خلال الفترة (2007 - 2017)، ومن أبرز البنوك المغربية العاملة في إفريقيا نجد "التجاري وفا بنك" والبنك المغربي للتجارة الخارجية لإفريقيا الذي أصبح "بنك أوف أفريكا" و"البنك الشعبي المركزي".

يتمثل عمل هذه البنوك في تمويل برامج البنى التحتية ومشاريع اقتصادية واجتماعية وتمويل ميزانيات حكومية والاستشارة في مجال تعبئة التمويلات الخارجية، إضافة إلى مرافقة المستثمرين المغاربة في القارة الإفريقية.

كمثال على تطور نشاط البنوك المغربية في إفريقيا، لم تكن المصارف المغربية تملك إلا 6% فقط من إجمالي الحسابات المصرفية في بوركينا فاسو عام 2006، لكن سنة 2015 ارتفعت النسبة وبلغت 28.57%، و29.96% في عام 2017 من هذا الإجمالي.

قطاع الاتصالات

إلى جانب البنوك توجد الشركات المغربية بشكل رئيسي في قطاع الاتصالات، وبدأت "مغرب تيليكوم" أو "اتصالات المغرب"، أول تغلغل لها في إفريقيا عام 2001 عبر استحواذها على 54% من موريتيل، الفاعل التاريخي في الاتصالات بموريتانيا.

استمرت "اتصالات المغرب" في الاستحواذ على حصص العديد من شركات الاتصال الإفريقية كما حصل في بوركينا فاسو عام 2006، وفي الغابون عام 2007 ومالي عام 2009.

وفي عام 2014، حصلت الشركة عبر متملكها الجديد شركة اتصالات إماراتية (53% من رأس المال مقابل 30% للدولة المغربية) على 6 فروع في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى - بنين وساحل العاج والغابون والنيجر وإفريقيا الوسطى وتوغو - تحت راية العلامة التجارية موف.

يشرف المغرب على مئات المساجد الصغيرة والكبيرة في إفريقيا، ما جعله يتغلغل في أوساط المسلمين في تلك المناطق

بلغ عدد عملاء مجموعة "اتصالات المغرب" سنة 2018، أكثر من 61 مليون عميل، موزعين على عشرة بلدان في إفريقيا، ما جعلها إحدى أبرز المجموعات والفاعلين الرئيسيين في تطوير الاتصالات والتنمية الاقتصادية في القارة الإفريقية.

كدليل على قوتها، حققت مجموعة اتصالات المغرب عام 2018 رقم معاملات بلغ 36 مليار درهم ، منها 16 مليار من خلال عملياتها الإفريقية، وتبلغ قيمة استثماراتها المباشرة في إفريقيا 3.2 مليار درهم، ومؤشرات قوية تظهر مدى تأثير المجموعة على الاقتصاد الإفريقي.

دور العبادة

أدوات المغرب لتعزيز نفوذه في إفريقيا، لا تقتصر على عمل الشركات والأدوات التقليدية فقط، فهو يعتمد أيضًا على دور العبادة التي يشرف عليها في العديد من دول القارة السمراء لمزيد من التمكين هناك وتوسيع نفوذه.

ويشرف المغرب على مئات المساجد الصغيرة والكبيرة في إفريقيا، ما جعله يتغلغل في أوساط المسلمين في تلك المناطق، حد السيطرة على بعضها خدمة لأجندة الرباط، وحرص العاهل المغربي محمد السادس بصفته "أمير للمؤمنين"، على دعم بناء المساجد والزوايا في دول إفريقية عديدة.

استغلّ المغرب البعد الديني لتنمية حضوره في إفريقيا
 استغل المغرب البعد الديني لتنمية حضوره في إفريقيا

استثمر المغرب في هذا الجانب، فمن خلال الدين يمكن ممارسة التأثير والسلطة، ذلك أن الدين في البلدان الإفريقية إستراتيجية فعالة لممارسة التأثير، فخلال سنة 2020، شيد المغرب ثلاثة مساجد كبرى تضاف إلى عدد من المساجد التي سبق أن شيدها في بعض الأقطار الإفريقية، وتحمل هذه المساجد الثلاث الجديدة اسم الملك محمد السادس في كل من جمهورية تنزانيا وجمهورية غينيا وجمهورية كوت ديفوار.

كما دعم المغرب بناء الزوايا الدينية في العديد من المناطق بإفريقيا، وقد ساهم ذلك في تشكل ضاغط لفائدة المغرب في القضايا السياسية الكبرى، لا سيما قضية الصحراء، فكلما تغير موقف من المواقف لدى بعض الدول الإفريقية من هذه القضية لفائدة الجزائر أو جبهة البوليساريو كانت الجماعات الصوفية تضغط على حكوماتها لمراجعة موقفها ومناصرة المغرب.

إضافة إلى بناء المساجد والزوايا يُكوّن المغرب الأئمة الأفارقة، حيث يدرس عشرات الطلاب الوافدين من مختلف الأقطار الإفريقية في معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدات والمرشدين بالرباط (تأسس سنة 2015)، كما توجد في مدينة فاس مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة (2015).