منذ توقف الصراع العسكري الليبي بين الفرقاء على الأرض، وتجميد أنصار كل طرف استعراضاتهم العسكرية، وما يملكونه من أوراق قوة لتمكين حلفائهم على الأرض، والمعركة تدور في إطار آخر.

إطار حيث طاولات المؤتمرات والمناورات السياسية خلف الغرف المغلَقة، وتصفية الحسابات القديمة التي لم تحسَم حتى الآن بسبب خوف كل طرف من نوايا الآخر للإيقاع به، وربما هذا ما يجعل القوات الأجنبية تتخوّف من مبارحة مكانها، فتترك مصالحها ومصالح حلفائها المحليين بلا قوة تحميهم، ما يعقّد القضية وفُرص الحل. 

منتدى الحوار الليبي

يرهن البعض مستقبل ليبيا بما سيحدث خلال الأسابيع القادمة، إذ تراهن الأطراف كافة والقوى الدولية على مخرجات منتدى الحوار السياسي الليبي، لإرساء أساس دستوري للانتخابات المفترَض ‏عقدها في ديسمبر/ كانون الأول القادم، ما يضمن إمّا مصالحهم جميعًا وإمّا سيتسبّبون معًا في تضييع عقد جديد من عمر ‏البلاد في التطاحن والصراع.

منتدى الحوار السياسي الليبي هو كيان مؤلَّف من 75 عضوًا ليبيًّا من النساء والرجال، الذين يمثّلون الطيف الاجتماعي والسياسي الكامل للمجتمع الليبي، ويهدف إلى تجهيز الساحة وتقريب وجهات النظر، والمساهمة بالمشورة في وضع أُسُس دستورية للانتخابات القادمة في ديسمبر/ كانون الأول المقبل، من أجل نهاية دائمة لعقد من الصراع العنيف في دولة منقسمة بشكل مرير.

يدعم المنتدى مباشرة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي صادق على نتائج المؤتمر الدولي حول ليبيا في برلين، كما سهّلت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا الجولة الأولى لمنتدى الحوار السياسي في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي عام 2020 بالعاصمة التونسية. 

تشرفُ القائمة بأعمال الممثل الخاص للأمين العام لليبيا، ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم، ستيفاني ويليامز، على تيسير المحادثات بدعم من فريق يمثِّل مختلف الإدارات، وكذلك فريق من مركز الحوار الإنساني التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). 

تفاءلَ العالم بمخرجات المؤتمر الذي منح الليبيين فرصة لإنهاء المرحلة الانتقالية، واختيار طريق جديد للمضي قدمًا.

اتّفق المنتدى على خارطة طريق، لإجراء انتخابات وطنية ذات مصداقية وشاملة وديمقراطية تُعقد في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021، ويتصادف ذلك مع مناسبة تاريخية هي مرور 70 عامًا على يوم إعلان استقلال ليبيا عام 1951.

فرصة تاريخية

تفاءلَ العالم بمخرجات المؤتمر الذي منح الليبيين فرصة لإنهاء المرحلة الانتقالية، واختيار طريق جديد للمضي قدمًا، لا سيما أن خارطة الطريق تضمن بنودًا قائمة على الحقوق الدستورية لكل أطياف المجتمع الليبي، الذين انخرطت معهم الأمم المتحدة في مفاوضات شاقة طوال هذه العملية حتى الآن.

تفرض مخرجات المنتدى ضرورة إصلاح السلطة التنفيذية بما يتماشى مع نتائج مؤتمر برلين، وتمّ تحديد هيكل وصلاحيات مجلس الرئاسة والرئيس المنفصل للحكومة، كما قرّرَ المعايير المطلوبة لهذه الوظائف، على أن تستمرَّ هذه المفاوضات عبر الإنترنت في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، من أجل التوصُّل إلى اتفاق حول معايير الاختيار لمجلس الرئاسة ورئيس الوزراء.

نقاط الضعف

رغم هذه الأُسُس التقدمية التي تحفظ حقّ الجميع، والتي أقرّها اللييبيون أنفسهم، إلا أن مستوى تفاقُم الخلاف خلال الأشهر الماضية ترك انطباعًا أن القضية لن تحلّ بسهولة، فالتقاطعات المعقّدة للمصالح المتباينة، ومزاج بعض الفاعلين الرئيسيين وعلى رأسهم قائد الجيش خليفة حفتر، قد يقود إلى فشل دراماتيكي في إيجاد تسوية دستورية، وإتمام انتخابات ديسمبر/ كانون الأول بسبب سياسة افتعال الأزمات التي قد تنهي على العملية برمتها.

يسهِّل الفراغ الأمني ​​على الجهات التي تملكُ مؤسسات عسكرية منظَّمة، التدخُّلَ لفرض إرداتها بالقوة على مجرى الانتخابات، إذ ستمكّنهم قدراتهم على التعبئة السريعة واستخدام العنف لتعزيز أجندتهم، وتفكيك توازن القوى الذي اجتهد العالم في بنائه خلال السنوات الماضية، ما يزيد من تعقيد جهود السلام.

تفرض هذه الظروف أهمية وجود جيش موحَّد لمستقبل ليبيا، وإن كان الحوار على هذه النقطة خلال الأشهر الماضية قدّم المستحيل واللاشيء، إذ لا تتوافر أجندة متماسكة لدى الجميع لكيفية إبعاد الجيش والقوى المسلحة عمومًا بالبلاد، في ظل تبعية أغلبها لأطراف خارجية تنافس على أجنداتها الخاصة لليبيا ما بعد الصراع، ما يجعل للقاء القادم للمنتدى السياسي أهدافًا تعجيزية لتحقيق ما فشلت فيه دول عظمى لإرساء الاستقرار والسلام في ليبيا. 

الحاجة إلى إنهاء الصراع

رغم قتامة المشهد، إلا أن كلا الجانبَين متفقان على الحاجة إلى ليبيا أكثر استقرارًا وأقل عرضة للصراع، لكن تبقى وسائل تحقيق ذلك محل نزاع حادٍّ، والأسوأ من ذلك أن الاندفاع إلى تحقيق أكبر قدر ممكن في الوقت الضيّق المتبقي، خلق حالة قد تصبح معها المنتديات ذات الدعم المحلي والدولي الواسع أداةً للابتزاز، والتهديد بوقف المشاركة في جهود بناء السلام وإعادة التوحيد.

حدث ذلك عندما وافقت حكومة الوحدة الوطنية على دفع 3 مليارات دينار ليبي (664.2 مليون دولار)، لتسوية الديون المستحقّة للجيش الذي يقوده حفتر، مقابل أن تتمكن حكومة الوحدة الوطنية من بسط سلطتها في الشرق، ومصادقة مجلس النواب في طبرق على ميزانية وطنية.

يعرفُ حفتر أن الجيش الليبي الموحَّد سيجعل انسحاب المقاتلين الأجانب أمرًا لا مفرّ منه.

تحاول الحكومة بكل الطرق بذل جهود موثوقة لاندماج القوى الأمنية المتشرذمة في جيش ليبي موحَّد، لتحسين البيئة الأمنية قبل الانتخابات، لكن خليفة حفتر يقاوم حتى النزع الأخير، ويرفض الاندماج في قوة مقرّها الغرب، ويستند في حججه إلى أن الصراعات والخلافات تقود في المرحلة الحالية تعقيد الاندماج.

يعرفُ حفتر أن الجيش الليبي الموحَّد سيجعل انسحاب المقاتلين الأجانب أمرًا لا مفرّ منه، لكنه يبرّر موققه أنه لا توجد دولة تريد أن تكون أول من يسحب قواتها، ولا توجد جهود واضحة تنبئ عن حسن النوايا بإشراك الجيش في خطط تأمين انسحاب للقوى الاجنبية، ما يجعله يتمترس في الشرق، دون التقدُّم خطوة واحدة على مستوى الاندماج مع القوى العسكرية الأخرى التابعة للغرب. 

لهذا رفضَ حفتر تولي رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة حقيبة وزارة الدفاع، ورفض رسميًّا شغله منصب وزير الدفاع، وعدّ حفتر المنصب شاغرًا حتى اللحظة.

الجيوش الأجنبية

تحاولُ بعض الدول المسانِدة للديمقراطية وضع اقتراحات مناسبة للتعقيدات على الأرض في ليبيا، وتروِّج لاستمرار ليبيا في استضافة الجيوش الأجنبية بشكلٍ ما، لكن بطريقة تجعلُ من وجودهم أكثر رسمية، ما قد يساعِد في تحقيق التوازن بين المصالح المتنافسة، دون تهميش الإرادة الوطنية أو تحطيم احتمالات استعادة ليبيا لسيادتها.

وقد يكون هذا هو الحل الأنسب الآن، إذ لا تثق التحالفات الخارجية في نوايا القوى الأقليمية والداخلية، ما يجعلها ترفض التخلّي عن مواقعها قبل مغادرة الطرف الآخر.

تُعتبَر وجهة النظر هذه أفضل كثيرًا، وتناسب الأوضاع على الأرض من تمترس الأمم المتحدة خلف عناوين نظرية، إذ تطالب المرتزقة والمرتبطين بهم مغادرة ليبيا لتمهيد الطريق للسلام والانتخابات، وترى الأمم المتحدة أن رحيلهم طال انتظاره، وتعتبره شرطًا مسبقًا حيويًّا لإجراء انتخابات سلمية مقرّرة في وقت لاحق من هذا العام.

الغريب أن الأمم المتحدة، كما هي عادتها، لم تفعل شيئًا ملموسًا على الأرض لفرض ما اتُّفق عليه من قبل، رغم مرور 9 أشهر من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دعا بالأساس إلى انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا.

بينما على الأرض يواصل المرتزقة والمتعاقدون العسكريون العمل في البلاد، بل تنشط عمليات التجنيد بحسب تقارير للأمم المتحدة من روسيا وسوريا والسودان وتشاد، وفق بنود يستوفي معها هؤلاء معايير المرتزقة.

كل هذا سيؤثر سلبًا على أمن واستقرار دول أخرى في المنطقة، ويفتح المجال للصراع العسكري مرة أخرى، إذا لم ينجح المنتدى في الخروج من قوقعة وتنظير خبراء الأمم المتحدة، وسعى إلى حلٍّ خلّاق يشرّع تواجد القوات الأجنبية، ويطمئن الجميع على تأسيس ديمقراطية قادرة على استيعاب مصالحهم.