"هذا يوم عظيم للشعب الأفغاني وللمجاهدين، لقد شهدوا ثمار جهودهم وتضحياتهم على مدار 20 عامًا.. الحمد لله، الحرب انتهت في البلاد"، بهذه الكلمات أعلن المتحدث باسم المكتب السياسي لـ"طالبان"، محمد نعيم، سيطرة الحركة على أفغانستان بصورة نهائية بعد انسحاب القوات الأجنبية وفرار الجيش النظامي.

ريمونتادا سياسية هي الأكثر إثارة في التاريخ الحديث قامت بها حركة طالبان بعد عقدين كاملين من الخروج من المشهد السياسي على يد القوات الأمريكية، لتفرض نفسها على الساحة مرة أخرى، بعدما استطاعت فرض السيطرة على كل ولايات البلاد في وقت لا يساوي في حساب الزمن لحظات.

وبعيدًا عن أسباب السقوط السريع للبلاد في قبضة الحركة التي لا يتجاوز عدد مقاتليها 40 ألف مقابل أكثر من 350 ألف مجند في صفوف الجيش الأفغاني الرسمي، فضلًا عن عشرات الآلاف من القوات الأجنبية المتمركزة في المناطق الحيوية بأفغانستان، إلا أن ما حدث يمثل علامة استفهام كبيرة في سجل العلوم السياسية والعسكرية.

حالة من الفوضى والاضطراب شهدتها البلاد خلال الساعات الماضية مع سيطرة الحركة على كابول، فيما شهد مطار العاصمة ارتباكًا كبيرًا إثر مساعي الفرار الجماعي، أسفر عن سقوط بعض القتلي، هذا في الوقت الذي تحاول فيه طالبان طمأنة الجميع عبر بيانات ورسائل تحاول من خلالها تبريد الأجواء المشتعلة.

لا تزال أجواء الحكم الطالباني (الدموي أحيانًا) عام 1996 تسيطر على الذاكرة المجتمعية لكثير من الشعب الأفغاني، الأمر الذي يعزز من مخاوف الشارع مما هو قادم بعد استعادة الحركة الحكم مرة أخرى، ورغم التغيرات الواضحة التي شهدتها طالبان في هيكلها وفكرها وإستراتيجياتها السياسية والعسكرية خلال العشرين سنة الماضية، فإن التاريخ هو المسيطر حتى كتابة هذه السطور.

ورغم ما يمثله رد الفعل الخارجي ومواقف الدول الأجنبية حيال سيطرة طالبان على الحكم من أهمية كبرى في استشراف المرحلة القادمة، فإن التحدي الأبرز الذي من المرجح أن يكون النقطة الفاصلة في نجاح طالبان من عدمه في إدارة المشهد يتعلق بطمأنة الداخل وتوحيد الجبهة الداخلية وإزالة مخاوف الماضي.. فهل تنجح الحركة في فرض تلك الطمأنة؟

رسائل الطمأنة

الرسائل الأولى التي بعثت بها الحركة للشارع الأفغاني بعد ساعات من دخولها قصر الحكم في قلب العاصمة تذهب جميعها في إطار مساعي تخفيف حدة التوتر وتقليل معدلات القلق لدى الأفغانيين بشأن مستقبل الدولة خلال المرحلة القادمة.

الحركة وعلى لسان المتحدث باسم مكتبها السياسي أكدت أنها لا ترغب في العيش في عزلة كما كانت قبل عشرين عامًا، وأنها تميل إلى المشاركة السياسية الشعبية في الحكم، لافتة إلى أن شكل النظام الجديد للحكم سيتضح قريبًا بعد الانسحاب الكامل لكل القوات الأجنبية الموجودة في البلاد.

ونوهت طالبان إلى أنها حققت ما كانت تسعى إليه "وهو حرية بلادنا، واستقلال شعبنا.. لن نسمح لأحد باستخدام أراضينا لاستهداف أي جهة، ولا نرغب في الإضرار بالآخرين"، مناشدة الجميع الاستمرار في ممارسة حياتهم التقليدية دون أي تغيير يذكر، مع التعهد بحمايتهم من أي ممارسات عنف أو حوادث سرقة محتملة.

 

حالة الفوضى التي تشهدها البلاد الساعات الماضية ستمثل - بلا شك - ضغطًا كبيرًا على طالبان التي وجدت نفسها في سباق قاس مع الوقت لتطمين الجميع قبل الدخول في مرحلة ربما يكون من الصعب وقتها الاستمرار في السلمية

وأشار نعيم إلى التواصل مع كل الأطياف السياسية في البلاد مضيفًا "هناك تواصل من طرفهم، ونحن مستعدون للحوار مع الجميع، ونحن نريد الحوارمع الأطياف كافة، ولا مشكلة لدينا في ذلك، نحن أبناء وطن واحد ونريد أن نعمل معًا لخدمة بلدنا"، وتابع "نحن نحمل مسؤولية الشعب الأفغاني، وقد تبين من تسلمنا السلمي للقصر الرئاسي أن الشعب يحب المجاهدين (المسمى المطلق على أعضاء طالبان)، وليس هناك مشكلة بين الشعب والإمارة الإسلامية كما كان يروَّج منذ 20 عامًا".

تفاصيل دخول الحركة العاصمة كابول وتسلمها السلمي لقصر الحكم والمرونة التي أبدتها مع العاملين به والتصريحات الصادرة عن قادتها فيما يتعلق ببعض المسائل المتعلقة بالمرأة تحديدًا، وإرجاء إعلان الإمارة الإسلامية إلا بعد إجراء مشاورات فيما بينها، وتجنب استخدام العنف حتى مع رموز النظام المنهار، وطمأنة البعثات الدبلوماسية والتأكيد على حمايتها، كل هذا يعتبره البعض رسائل إيجابية من طالبان للشارع الأفغاني.

طالبان بين دخولين

شتان شتان بين دخول طالبان العاصمة كابول عام 1996 ودخولها في 2021، ففي المرة الأولى كانت الدماء هي الشعار الأبرز، فقد أعدمت الحركة الرئيس الأفغاني الأسبق محمد نجيب، بدعوى تحالفه مع السوفييت وقتها، الأمر الذي اضطر معه الرئيس - حينها - برهان الدين رباني للهروب ومعه رئيس الحكومة قلب الدين حكمتيار، بحسب المقارنة التي عقدها الكاتب الصحفي المصري فراج إسماعيل في مقال له على صفحته على فيسبوك.

هذا بخلاف القرارات القاسية التي اتخذتها الحركة بعد سيطرتها على الحكم بساعات قليلة، إجراءات صارمة بحق المرأة ومنع التعليم والعمل وتضييق عملية الخروج من منزلها إلا بشروط قاسية من وجهة نظر الشارع وقتها، هذا بخلاف فرض السمت الإسلامي على الرجال كضرورة إطلاق اللحى ويعاقب كل من يتخلى عن هذا المظهر.

الإعلام كذلك كان أحد ضحايا السيطرة الطالبانية الأولى قبل عشرين عامًا، فمنعت وسائل الإعلام الحديثة كالتليفزيون والأقمار الصناعية بجانب منع الصور كذلك، فيما تم الاقتصار الإعلامي على إذاعة بيانات وتعليمات الحركة وبث خطب قادتها ومحاضراتهم.

اليوم الوضع مختلف نسبيًا، - بحسب الصحفي المصري - فلا دماء أريقت، ولا ملاحقات تمت بحق رموز نظام الرئيس أشرف غني، بجانب التصريحات المرنة بحق المرأة وعملها وتعليمها، وظهر قادة الحركة في القصر الجمهوري دون إحداث أي إتلافات بشأن اللوح والتحف الموجودة به كما حدث في السابق، فيما ظهر سكرتير الرئيس الهارب حليق اللحية وبلباسه الغربي، دون أن يتعرض إليه أحد، وهو ما لم يحدث في المرة الأولى.

من الواضح أن هناك مرونةً لدى الحركة في التعامل مع الإعلام، فالصور يتم التقاطها والبيانات تبث عبر التليفزيون الرسمي والصحافة تمارس عملها بأريحية نسبية - حتى اليوم على الأقل - في مؤشرات تعكس حجم الاختلاف الواضح الذي انتاب الحركة خلال السنوات الماضية.

كذلك هناك دماء جديدة تم ضخها في الهيكل الإداري للحركة، فالعنصر الأكبر بات للشباب، هذا بخلاف الانفتاح النسبي فيما يتعلق بالتعامل مع قادة طالبان ورموزها عكس ما كان معمولًا به في الدخول الأول إذ لم يكن هناك إلا اسم واحد معروف إعلاميًا هو زعيم الحركة الراحل الملا محمد عمر، الذي لا يعرف أحد وجهه أو ملامحه، فيما تبدو عليه مظاهر التشدد أحيانًا، عكس الرموز الحاليّين المعروفين بوجوههم للعامة على رأسهم هبة الله أخوند زاده، المعروف باعتداله وتصريحاته المرنة فيما يتعلق بتطبيق الشريعة.

سباق الزمن

حالة الفوضى التي تشهدها البلاد الساعات الماضية ستمثل - بلا شك - ضغطًا كبيرًا على طالبان التي وجدت نفسها في سباق قاس مع الوقت لتطمين الجميع قبل الدخول في مرحلة ربما يكون من الصعب وقتها الاستمرار في السلمية وتجنب الولوج في مستنقع العنف، داخلي كان أو خارجي.

الصور التي التقطتها بعض وسائل الإعلام الأفغانية المحلية لسقوط عدد من المواطنين من طائرات إجلاء في أثناء تحليقها من مطار العاصمة كابول (طائرات الإجلاء المخصصة للرعايا الأجانب وبعض من عملوا مع القوات الأمريكية هناك) وإن لم يتم التثبت من صدقها، فإنها تعكس أجواء الخوف التي تخيم على قطاع كبير من الشعب الذي ما زال يحتفظ بالصورة المتشددة للحركة قبل عشرين عامًا.

وكانت وكالة "آسواكا" الإخبارية الأفغانية قد نشرت عبر حسابها على تويتر مقطع فيديو زعمت أنه يظهر سقوط شخص من طائرة تحلق في أجواء كابول، وفي منشور منفصل، قالت الصفحة ذاتها: "يزعم السكان المحليون بالقرب من مطار كابول أن ثلاثة شبان كانوا قد تعلقوا بإطارات طائرة، سقطوا فوق منازل الناس"، وأضافت "أكد ذلك أحد الأهالي، وقال إن سقوط هؤلاء الأشخاص أحدث ضوضاء عالية ومرعبة".

حالة الاستنفار التي تخيم على المدن الرئيسية والشوارع الحيوية في البلاد منذ عصر الأمس، والشلل الجزئي الذي أصاب معظم المتاجر والمحال العامة، فضلًا عن تعليق العمل بالمطار الرئيسي خلال الأيام القادمة بعدما بات تحت سيطرة القوات الأمريكية لحين مغادرة الرعايا الأجانب، كل هذا يعزز من مخاوف انتشار الفوضى وحدوث انقسام مجتمعي ربما يقود إلى احتراب أهلي، وهو ما يخشاه الجميع في الوقت الراهن.

هناك تخوفات أوروبية كذلك من أن تتسبب تلك التطورات في موجة جديدة من اللاجئين، وهو ما قد يدفع دول الاتحاد إلى الدخول على خط الأزمة سريعًا، ما يضع الحركة في مأزق جديد مع عنصر الزمن يجب التعامل معه بأسرع وقت ممكن حتى لا تفقد طالبان نجاحاتها الدبلوماسية التي حققتها خلال سنواتها الماضية وصولًا إلى المرحلة الحاليّة، لا سيما مع تصاعد وتيرة الانتقادات الموجهة للولايات المتحدة وتحميلها مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع.

هل تنجح الحركة؟

على المستوى الخارجي يبدو أن سنوات الزخم التي قضتها الحركة في المفاوضات مع الأمريكان ومبعوثي الأمم المتحدة قد أثقلت من قدراتها الدبلوماسية، مستبدلة تلك الصورة المشوهة عنها قديمًا، إلى أخرى أكثر انفتاحًا ومرونة في التعاطي مع الملفات الداخلية والخارجية على حد سواء.

وقد أسفر التأهيل الدبلوماسي للحركة عن نجاحات حققتها مع الجيران، روسيا وباكستان في المقام الأول، فقد استطاعت تحييد هاتين القوتين حيال أي تحرك لها على المستوى الداخلي، مستندة في ذلك إلى إرثها القبلي وتشابكات خريطتها المجتمعية مع شعوب تلك الدول والانتصارات التي حققتها في مسار المفاوضات مع الجانب الأمريكي التي وظفتها لتحسين علاقاتها مع القوى المجاورة رغم الخصومة التاريخية التي خيمت على أجواء العلاقات بينهما قديمًا.

أما على المستوى الداخلي فالأمر ربما يكون أكثر تعقيدًا، في ظل تباين التيارات السياسية والدينية والعرقية في البلاد، وهو ما سيحجم من أي تحركات من شأنها تكرار أخطاء الماضي حيث الاستئثار بالسلطة وتهميش كل الطوائف الأخرى، الأمر الذي عجل بسقوطها قبل عشرين عامًا.

 

هناك معضلة أخرى ربما تواجه طالبان حال تدشينها لنظام حكم تشاركي مع بقية الطوائف الأخرى، فمن المحتمل أن يسفر ذلك عن انشقاقات داخل الحركة ذاتها

ولعل إرجاء إعلان الإمارة الإسلامية بالبلاد، خشية استفزاز الشيعة والطاجيك على وجه الخصوص، خطوة تعكس الاستفادة المؤقتة للحركة من تجارب الماضي، يتزامن ذلك مع تصريحات إيجابية صادرة عن قادتها الساعات الماضية بشأن التشاركية في الحكم والتمثيل الشامل لكل المجتمع الأفغاني، وهو ما يتناغم مع تجنب الطالبانيين - على الأقل في الوقت الراهن -  الدخول في معارك جانبية مع بعض القوى المرتبطة بإثنيات داخلية كإيران وطاجسكتان وباكستان.

لكن في المقابل هناك معضلة أخرى ربما تواجه طالبان حال تدشينها لنظام حكم تشاركي مع بقية الطوائف الأخرى، فمن المحتمل أن يسفر ذلك عن انشقاقات داخل الحركة ذاتها، فالنسبة العظمى من أعضائها - لاسيما القاعدة الشعبية العريضة من الموالين لها - تعتبر هذا الانتصار انتصارًا دينيًا على بقية المذاهب الأخرى، وفي حال الخروج عن هذا الإطار الأصولي، قد يفسر ذلك على أنه انتكاسة تستوجب التصدي أو على الأقل الانسحاب من المشهد.

لا يمكن بشكل قاطع الجزم بحدوث تغييرات واضحة في العقلية السياسية والإدارية المسيطرة على طالبان، كما أن التعويل على تلك التصريحات وفقط محض رهان محفوف بالمخاطر، ولا يدري أحد هل تسعى الحركة لكسب المزيد من الوقت عبر رسائل التخدير التي تبعث بها للشارع الأفغاني أم أنها بالفعل تعكس واقعًا فرضته الدروس المستفادة من التجربة السابقة على العقلية الطالبانية في نسختها الجديدة.

ومن ثم فمن السابق لأوانه تقييم المشهد الراهن وقدرة طالبان على فرض تموضعها الحاليّ، في ظل حزمة التحديات المتوقع أن تعرقل عملية استتباب الحكم التي على رأسها كما أشرنا طمأنة الداخل والحفاظ على لحمة الجبهة الداخلية.. فهل تنجح الحركة في تحويل النصر العسكري إلى سياسي؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.

تسلسل زمني للأحداث منذ إعلان اتفاق الدوحة الذي يقر انسحاب القوات الأمريكية بصورة نهائية من أفغانستان، أعده الزميل تمام أبو الخير.