يشهد القطاع العقاري القطري الفترة الحاليّة انتعاشة كبيرة، وهو ما تترجمه الأرقام والإحصاءات الخاصة بحجم التداول ومعدلات الإقبال وحالة المرونة التي فرضت نفسها على السوق بعد الجمود الذي خيم عليه الآونة الأخيرة جراء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) الذي ألقى بظلاله القاتمة على كل المجالات الاقتصادية ومنها العقارية.

الطفرات التي حققها القطاع القطري مقارنة بنظيره في دول الجوار والمنطقة بصفة عامة، متجاوزًا وبصورة كبيرة تداعيات الجائحة، أرجعها البعض لعدة أسباب، لعل من أبرزها قائمة التحفيزات والمشجعات التي قدمتها الحكومة القطرية لتعزيز هذا المجال الذي يشكل أحد أضلاع المنظومة الاقتصادية للدولة الخليجية.

الخبراء والوسطاء العقاريون يتوقعون طفرة مستقبلية قادمة للقطاع خلال الأشهر القادمة، قد تصل إلى 15% خلال النصف الثاني من هذا العام والنصف الأول من العام القادم، مع قرب انطلاق فعاليات كأس العالم لكرة القدم، الذي تستضيفه البلاد،  خلال الفترة من 21 من نوفمبر/تشرين الثاني  إلى 18 من ديسمبر/كانون الأول 2022، الذي بلا شك سيحدث انتعاشة كبيرة في السوق العقاري القطري.

انتعاشة عقارية

تذهب المؤشرات إلى ارتفاع ملحوظ في أداء السوق العقاري خلال الأشهر الماضية، إذ ارتفعت التداولات العقارية في النصف الأول من العام الحاليّ بقيمة 8 مليارات ريال (3.79 مليار دولار)، وذلك بنسبة 21.4% التي ربما تكون الأكبر بين دول المنطقة خلال الأعوام الثلاث الأخيرة.

ففي يوليو/تموز الماضي قفز مؤشر العقارات مرتفعًا بنسبة 53% بما قيمته 2.8 مليار ريال، بعد تسجيل 254 صفقة عقارية شملت مساكن وعمارات وأراضي فضاء، ومنذ بداية العام الحاليّ وحتى مايو/أيار الماضي زادت معدلات التداول بنسبة 56%، وتجاوزت 11.77 مليار ريال (3.23 مليارات دولار)، مقارنة بـ7.53 مليارات ريال خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.

 

العديد من الإجراءات التحفيزية الأخرى التي اتخذتها الحكومة ساهمت في تعزيز القطاع العقاري، منها منح القانون أي مستثمر عقاري تبلغ قيمة استثماراته 3.65 مليون ريال (مليون دولار) أو أكثر إقامة دائمة

وتوقع تقرير صادر عن شركة "الأصمخ" القطرية للمشاريع العقارية نمو سوق عقارات تجارة التجزئة في قطر بنسبة 20% بحلول عام 2022، مع اكتمال بعض المشروعات الكبيرة في مدينة لوسيل، لافتًا إلى أن الطفرة الكبيرة في البنية التحتية سيكون لها انعكاساتها الإيجابية على السوق العقاري.

وأوضح التقرير أن المشروعات العملاقة في مجال النقل التي قامت بها الدولة مؤخرًا ستكون المحرك الأساسي لنمو السوق العقاري، وتساهم في انتعاش قطاع التجزئة والضيافة، كتوسعة مطار حمد الدولي وميناء حمد، وتطوير الطرق والجسور والأنفاق، مترافقة مع شبكة السكك الحديدية ومترو الدوحة وقطار النقل الخفيف في لوسيل.

مشروعات قطرية عملاقة

خطوات تصحيحية

من جانبه أشار رجل الأعمال والمستثمر بالقطاع العقاري، طارق المفتاح، إلى أن القطاع العقاري شهد حركة تصحيحية في الأسعار خلال الآونة الأخيرة التي شهدت تفشي الجائحة وما رافقها من هدوء شامل في حركة معظم القطاعات الاقتصادية الأخرى.

وأرجع رجل الأعمال القطري تلك الخطوة التصحيحية التي ساهمت في عبور السوق العقاري لمحنته الأخيرة، إلى "إجراءات الدعم التي وفرتها الحكومة والترتيبات التي قام بها المستثمرون كذلك لضمان سير الأعمال بشكل متزن مع التطورات الحاصلة" بحسب تصريحاته لـ"الشرق" القطرية.

وأضاف أن التحرك بتلك الصيغة يعتبر ظاهرة صحية قادرة على منح جاذبية أكبر للقطاع، كما أنه ينعش حركة البيع والشراء، وتابع "قطر تبذل جهودًا حثيثةً ودؤوبًا استشرافية حكيمة لاستقطاب وجذب رؤوس الأموال وتنظيم الفعاليات العالمية الكبرى التي تتطلب بناء منشآت على قدر كبير من الجودة، ومن ضمنها الأحداث الرياضية الدولية المختلفة"، متوقعًا أن تلعب تلك العوامل مجتمعة دورًا بنّاءً في بلورة صورة مشرقة لمستقبل العقارات ككل.

كما ثمن المفتاح جهود "مبادرة اللجنة العليا للمشاريع والإرث" وهي الجهة المسؤولة عن تطوير مشاريع المنشآت الرياضية لبطولة كأس العالم 2022، منوهًا أنها استطاعت تحفيز ملاك الشقق والعقارات للمبادرة بإبداء رغبتهم في تأجيرها ضمن برنامج الإقامة لزوار البلاد خلال فترة إعداد البطولة وفي أثناء فعالياتها.

وتوقع أن تسهم تلك الخطوات التصحيحية في تعزيز ريادة قطاع التجزئة كأحد أبرز القطاعات العقارية، خاصة بعد الكشف عن عدد من مشروعات التسوق المتنوعة، إذ تشير الإحصاءات إلى أن هناك أكثر من 750 ألف متر مربع من مساحات التجزئة تحت الإنشاء، التي من المقرر افتتاحها خلال عامي 2021 و2022، لتمثل زيادة بنسبة 110% عن المعروض الحاليّ.

 

تشير التقديرات إلى أن عدد المشجعين المتوقع زيارتهم لقطر خلال المونديال يبلغ نحو 1.5 مليون شخص، أي ما يزيد على نصف عدد سكان البلاد البالغ نحو 2.6 مليون نسمة

تحفيزات وتسهيلات حكومية

أولت الحكومة القطرية أهمية كبرى لقطاع العقارات تزامنًا مع قرب انطلاق المونديال، وهو ما يمكن قراءته بصورة أوضح من خلال الأرقام الخاصة بموازنة 2021، إذ قدر إجمالي الإنفاق المخطط له في القطاع العقاري بقطر ضمن الموازنة بنحو 194.7 مليار ريال، منها 72.1 مليار ريال للمشروعات الرئيسية.

بالتوازي مع ذلك فقد اعتمدت البنوك حزمة من التسهيلات الخاصة بالقروض الممنوحة للقطاع العقاري التي ارتفعت إلى مستوى 158.7 مليار ريال في يونيو/حزيران 2021، مقارنة بـ153.4 مليار ريال من الشهر المناظر لعام 2020، بزيادة نحو 5.3 مليار ريال، هذا في الوقت الذي زادت فيه التسهيلات الائتمانية المقدمة للمقاولات فقط هذا العام 39.3 مليار ريال، مقارنة بـ35.4 مليار ريال العام الماضي بزيادة بنحو 3.9 مليارات ريال.

العديد من الإجراءات التحفيزية الأخرى التي اتخذتها الحكومة ساهمت في تعزيز القطاع العقاري، منها منح القانون أي مستثمر عقاري تبلغ قيمة استثماراته 3.65 مليون ريال (مليون دولار) أو أكثر إقامة دائمة، فضلًا عن مزايا أخرى خاصة بالرعاية الصحية والتعليم المجاني، أما المستثمر الذي يشتري عقارًا بقيمة 730 ألف ريال (200 ألف دولار) وما فوق، فيحصل على إقامة له ولعائلته.

كل تلك التسهيلات أسالت لعاب المستثمرين، سواء داخل قطر أم خارجها، على أمل تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح خلال فترة استضافة فعاليات المونديال، الذي يبدو أنه سيكون كلمة الفصل في استمرار حالة الانتعاش التي يحياها القطاع العقاري في قطر خلال ما تبقى من هذا العام والعام المقبل.

ملاعب قطر لاستضافة كأس العالم

السر في المونديال

منذ فوز قطر عام 2010 باستضافة مونديال العالم لكرة القدم لعام 2022، وهي الدولة الأولى عربيًا وشرق أوسطيًا التي تفوز بهذا الشرف، وضعت الحكومة خطة تفصيلية للاستعداد لهذا الحدث العظيم الذي لا يتكرر إلا كل 4 سنوات، وتولي له الدول أهمية ومكانة كبرى لما له من تداعيات كبيرة على اقتصادات الدول وصورتها الخارجية.

ومنذ 2019 تخطط الدولة الخليجية لزيادة المساحات السكنية بنحو 50%، والمساحات المكتبية بنسبة 40%، لمواجهة الطلب المتوقع من بطولة كأس العالم لكرة القدم، لتلبية احتياجات الضغط المتوقع، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد المشجعين المتوقع زيارتهم للبلاد خلال المونديال يبلغ نحو 1.5 مليون شخص، أي ما يزيد على نصف عدد سكان قطر البالغ نحو 2.6 مليون نسمة.

وفقًا لتقرير نشرته شركة “دي.تي.زد” للعقارات فقد طلب الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أن يكون لدى قطر ما لا يقل عن 60 ألف غرفة فندقية جاهزة للبطولة التي تستمر شهرًا كاملًا، هذا بينما تشير التقديرات إلى وجود نحو 25 ألفًا و500 غرفة فقط، قبل عامين، فيما يتوقع إضافة 15 ألف غرفة أخرى بحلول 2022.

وتماشيًا مع تلك التطورات شيدت الدولة مدينة لوسيل، التي من المقرر أن تستوعب 200 ألف مقيم و170 ألف موظف، كما أنها تحتضن أكبر إستاد لكأس العالم وهو مزود بعدد 80 ألف مقعد سيستضيف مباراتي الافتتاح والختام، وتتولى شركة الديار القطرية المملوكة للدولة تنفيذ هذا المشروع العملاق.

وفي ضوء تلك المعطيات تصاعد منسوب التفاؤل لدى الوسطاء والخبراء العقاريين بشأن حصول قفزة كبيرة بالقطاع خلال النصف الثاني في ضوء مؤشرات النمو التي شهدها القطاع خلال النصف الأول، هذا فيما يتوقع آخرون امتداد هذا النمو لما بعد انتهاء فعاليات المونديال في ظل الحزم التحفيزية التي تطلقها الحكومة بين الحين والآخر.