يصر سعيد على تنزيل مشروعه الغامض أرض الواقع

يصر سعيد على تنزيل مشروعه الغامض أرض الواقع

11 يومًا تفصل التونسيين على انتهاء الاستشارة الإلكترونية التي أطلقها الرئيس قيس سعيد عقب انقلابه على دستور البلاد ومؤسسات الدولة الشرعية وإمساكه بكل السلطات في البلاد، استشارة أثبتت العديد من المؤشرات فشلها إلا أن سعيد مصر على إنجاحها مهما كلفه الأمر، ما جعل العديد من المتابعين يتساءلون عن سر هذا الإصرار.

ملامح الفشل الكبير

في 15 يناير/كانون الثاني الماضي، فُتح في تونس باب المشاركة في الاستشارة الشعبية الإلكترونية في إطار خريطة الطريق التي وضعها قيس سعيد في 13 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بهدف معرفة التوجهات العامة للتونسيين عن مجموعة من الملفات المتعلقة بالوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلن سعيد أنه سيتم إطلاق "استشارات شعبية" منتصف يناير/كانون الثاني 2022، على أن تنتهي في 20 مارس/آذار المقبل (ذكرى يوم الاستقلال)، وستتولى لجنة، يتم تحديد أعضائها وتنظيم اختصاصاتها لاحقًا، التأليف بين مختلف الآراء والأفكار، قبل يونيو/حزيران المقبل.

رغم قرب انتهاء الموعد المحدد للاستشارة لم يبلغ عدد المشاركين فيها للآن 287 ألف مشترك

وُلدت هذه الاستشارة ميتة، ذلك أن قرابة 40% من سكان تونس لا يتمتعون باتصال منتظم بالشبكة العنكبوتية، فيما يُعاني مليونا تونسي أي ما يشكل 18% من تعداد سكان البلاد من الأمية، وهو ما يعني أن الاستشارة بهذه الطريقة لن تشمل كل التونسيين.

تظهر مؤشرات الفشل أيضًا في محتوى الاستشارة الذي يغيب عنه مبدأ التشاركية والشفافية في إعداد الأسئلة والمحاور المضمنة في البوابة الإلكترونية، "فالأسئلة أُعدت لتوجيه إرادة الشعب والحد من حقهم في تقرير مصيرهم ممن أعدّها مسبقًا"، وفق منظمة "أنا يقظ".

جعل هذا الأمر الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي يصفها بأنها "عملية تحايل جديدة سيذهب ضحيتها كمشة من السذّج لا يعلمون أن المطلوب بياناتهم لاستخدامها في إعادة انتخاب الأخ القائد"، مشيرًا بذلك إلى الرئيس التونسي.

ورغم قرب انتهاء الموعد المحدد للاستشارة لم يبلغ عدد المشاركين فيها للآن 287 ألف مشترك، أي أن عدد المشاركين فيها لم يبلغ بعد نصف عدد المصوتين لسعيد خلال الدور الأول من الانتخابات الرئاسية التي شهدتها تونس في سبتمبر/أيلول 2019.

جدير بالذكر أن عدد الناخبين في تونس سنة 2019 وفق هيئة الانتخابات، يبلغ أكثر من 7 ملايين و155 ألف ناخب مسجل، ما يعني أن نسبة الإقبال على الاستشارة لا تتجاوز 5% من نسبة الناخبين ممن تجاوزت أعمارهم 18 عامًا.

إصرار على فرضها

أقر سعيد ضمنيًا بفشل الاستشارة في مرات عديدة، إذ أقر في لقاء له مع وزير تكنولوجيات الاتصال نزار بن ناجي بذلك وأوضح أن الصعوبات التي تعترض المواطنين للمشاركة "بعضها ناتج عن جملة من الاختيارات الفنية التي يجب تذليلها، وبعضها مقصود من الذين يريدون تكميم الأفواه وإجهاض هذه التجربة الأولى من نوعها في تونس".

يعلم سعيد يقينًا فشل الاستشارة التي راهن عليها منذ انقلابه الدستوري، لكنه يُكابر ويصر على أن الفشل ناتج عن جهات لا تُريد الخير لتونس وليس ناتجًا عن إرادة التونسيين الذين سئموا وعود سعيد وكلامه الفضفاض.

في إطار سعيه المتواصل لإنجاح الاستشارة، بحث سعيد، أمس الثلاثاء، مع رئيسة الحكومة نجلاء بودن، آلية فتح الإنترنت مجانًا بداية من اليوم الأربعاء إلى الأحد المقبل أمام التونسيين، لزيادة المشاركة في الاستشارة الإلكترونية التي أطلقها.

يظهر جليًا أن سعيد وجه كل اهتمامه لإنجاح الاستشارة في الوقت الذي يفتقر فيه المواطن التونسي لأبسط مقومات العيش، فالمحلات التجارية والأسواق فارغة وأغلب العائلات لم تر المواد الغذائية الأساسية كالسكر والطحين والأرز والزيت منذ أشهر، حتى الخبز أصبح الحصول عليه أمرًا عسيرًا.

كما تم تخصيص فرق بلدية للترويج للاستشارة في الأسواق والساحات والطرقات الحيوية بالمدن والقرى، في الوقت الذي تغاضت فيه هذه البلديات عن أداء واجبها تجاه المواطنين وهو ما رصدناه في كمية الأوساخ المنتشرة في الشوارع وغياب الإنارة الكافية للطرقات.

حتى المدارس والمعاهد لم تسلم من استشارة سعيد، فقد بادر عدد من المديرين طوعًا أو كرهًا لحث التلاميذ على المشاركة في الاستشارة والتهديد بمعاقبة كل من يمتنع عن ذلك، وهو ما رصدناه في العديد من الفيديوهات المنتشرة في منصات التواصل الاجتماعي.

كما غضت المؤسسات الحكومية البصر عن عملها الأصلي، وركزت كل جهودها للترويج لهذه الاستشارة على غرار مؤسسة الكهرباء والغاز وشركة المياه وغيرها من الشركات الحكومية التي يشتكي المواطن التونسي من ضعف خدماتها.

نجاحها نجاح لمشروعه

يُرجع المحلل التونسي سعيد عطية إصرار الرئيس على المضي في الاستشارة إلى شخصية سعيّد، فهو "من الشخصيات العنيدة التي ترفض الاعتراف بالفشل حتى لو كان ظاهرًا للعيان ويرفض دائمًا أي خطوة للوراء في علاقة بخياراته".

وتعلق الأمر وفق حديث عطية لـ"نون بوست" أساسًا بالمكابرة والشخصية الذاتية لقيس سعيد، ذلك أنه "مثل كل السياسيين الكلاسيكيين الذين يمزجون الصراع السياسي بالأهواء الذاتية والفردية الشخصية ولا مكان في قاموسهم للاعتراف بالخطأ".

يربط سعيد نجاح مشروع السيطرة على البلاد وفرض إرادته وبرنامجه المستقبلي للحكم بنجاح الاستشارة

يرى عطية أن "الاستشارة هي قلب رحى مشروع سعيد السياسي الشخصي الذي يريد المضي قدمًا في تحقيقه وأي اعتراف بفشلها هو إقرار ضمني أن مشروعه لن يرى النور مستقبلًا وانقلاب 25 يوليو/تموز الماضي إلى الزوال".

نتيجة ذلك، لجأ الرئيس سعيد، وفق عطية، "إلى استعمال كل وسائل الدعايا البنفسجية وتسخير كل وسائل الدولة من أجل إنقاذ ماء وجه استشارته"، ولا يستغرب أن يتم التلاعب بأرقام المشاركين عند الإعلان النهائي عن مخرجاتها.

بدوره يقول الناشط السياسي سليم الهمامي لـ "نون بوست" أن الرئيس سعيد يُراهن بقوة على هذه الاستشارة، فـ"مضيه الحثيث نحو التشجيع على الانخراط فيها وتسخير كل إمكانات الدولة وأجهزتها يخفي إرادة ونزعة نحو المرور بأي طريقة وتحت أي ظرف وبكل الوسائل إلى النظام الذي يصبو ويحلم به".

مؤكدًا أن "الاستشارة لا تمثل إلا تكأة وفاصلة في مشهد سوداوي مؤلم تستنزف فيه مقدرات الدولة وتسخر لأجله أجهزتها وتصبح حياة المواطنين رهان تحقيق رؤية شخصية لسعيد من عدمها، ما يعني أن التونسيين مقبلون على أيام أشد سوءًا من الآن".

يؤكد الهمامي أن "الرئيس سعيد ماض في تدليس إرادة الشعب والانخراط في لعبة إرضاء لرغبته في المضي نحو إرساء نظام جديد لا يعلم أحد عن ملامحه شيئًا، سوى عدائه للأحزاب والمنظمات والجمعيات والإعلام".

وسبق أن قال سعيد: "مستقبل تونس في أيدي التونسيين والتونسيات، ومشاركتهم المكثفة في الاستشارة هي التي ستعبّد الطريق نحو مرحلة جديدة في تاريخ البلاد تقوم على الإرادة الشعبية الحقيقية، لا على شرعية وهمية لفظها التونسيون والتونسيات لأنها لا تعبر عن إرادتهم الحقيقية".

سعيد يربط نجاح مشروع السيطرة على البلاد وفرض إرادته وبرنامجه المستقبلي للحكم بنجاح الاستشارة، لكن في ظل فشلها المتوقع، ما الخطوة التي يمكن أن يتخذها سعيد لمواصلة مشروعه، خاصة أنه وضع مواعيد الاستفتاء على الدستور والانتخابات أيضًا؟