الآن وقد انتهت بطولة خليجي 25 التي أقيمت في البصرة، أسدل الستار على أحد أهم الأحداث الرياضية المرتبطة بالمنطقة التي تموج بالتغييرات السياسية، ولم تكن ميزة البطولة أنها البطولة الأولى التي يحتضنها العراق منذ أكثر من 40 عامًا وحسب، بل كان توقيت إقامتها وطابعها العربي الخليجي المحض، فهذه البطولة تقام بترتيب اتحادات الخليج العربي، وبالتالي تخضع هذه الترتيبات للاعتبارات السياسية لتلك الدول وهنا يأتي التوقيت الحاسم في إجرائها. 

العودة للحضن العربي والمقاومة الإيرانية

لا يخفى على أحد التحول الكبير في المزاج العراقي وخاصة في الجنوب العربي نحو العودة باتجاه الحضن العربي، بعد ما يقارب من 20 عامًا من القطيعة أو الحملات الكبيرة من إيران طوال الفترة الماضية، كان ذلك واضحًا من خلال احتفالات الجماهير العراقية بانتصارات المغرب خلال كأس العالم، ثم تبدت المشاعر واضحة خلال وجود المنتخبات العربية ومشجعيها في البصرة.

نعم، كان يمكن أن تُعزى حفاوة الاستقبال لكرم أهل البصرة المعروف، لكن مشاعر الأخوة والتقارب العربي لم يكن يمكن إخفاؤها وهي ليست بمعزل عن كل ما أبداه سكان البصرة لأشقائهم العرب، صحيح أن تقلبات الرأي العام، والمزاج الشعبي لا يتبدل بين ليلة وضحاها، لكن التحول الشعبي يحتاج إلى نقطة فاصلة ليظهر ويضع نفسه على الطريق، فمثلًا كانت مشاعر السخط ظاهرة على المجتمع منذ فترة طويلة، لكن ثورة تشرين كانت المحطة التي بها تشكل هذا السخط، وكانت الظهور الأول لتيار مدني كبير يخرج من الإطار الطائفي أو المناطقي.

وهكذا كانت بطولة الخليج، المنعطف الظاهر الأكثر وضوحًا نحو التوجه العراقي "تحديدًا في الجنوب"، باتجاه العرب أكثر منه نحو إيران، فكانت هي المحطة التي ظهر فيها التقارب العربي تجاه العراق.

كان الرد الإيراني الساخط، انعاكسًا لانهيار وظهور فشل مشروعها في كسب الجنوب العراقي

في خضم ذلك، كانت إيران تراقب الوضع ورسائلها وصلت تباعًا، فمنذ اللحظة الأولى، كان الامتعاض الإيراني واضحًا من هذا الوجود العربي وهذا القبول العراقي الكبير، ولم يكن لإيران حينها إلا افتعال مشكلة توصيف الخليج العربي، لإظهار المظلومية والحيف ومحاولة ضرب عصفورين بحجر واحد: تكدير أجواء البطولة وتحويل الأضواء عنها إلى جدل بيزنطي بشأن قومية المياه ومن سبق من في الإبحار بالخليج، ومحاولة لملمة السخط الشعبي وافتعال أزمة من الهواء لجمع الشعب الإيراني على كلمة جامعة تخفف الضغط عن الحكومة.

وهكذا وصلت الأمور مداها وتحول الموضوع إلى قضية دولية تنادي بها وزارة الخارجية ويناقشها البرلمان الإيراني في بلد يعيش أسوأ هبوط لعملته على مدار التاريخ!

كان الرد الإيراني الساخط، انعاكسًا لانهيار وظهور فشل مشروعها في كسب الجنوب العراقي، فمنذ التحول الكبير عقب الثورة الإسلامية في إيران، توجهت إيران نحو الجنوب العراقي من خلال ستار المذهب، في محاولة لكسبه إلى جانبها، وطوال تلك الفترة، عملت طهران على تغيير العقلية العراقية الجنوبية بعشرات من القنوات والشخصيات الإعلامية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وأبطال عسكريين ومعارك وهمية زرعتها بين أبناء البلد الواحد، وغيرها مما يستلزم صناعة هوية جديدة في الجنوب.

ثم جاءت بطولة كرة قدم صغيرة، لتثبت أن هذا المشروع لم ينجح في كسب الشارع، فيما عدا بعض المنتفعين والمستفيدين من وجودها، وغيرهم من المتعصبين للمشروع الإيراني في المنطقة، بل وحتى كانت فرصة لظهور الأصوات المعارضة لإيران، وتحويل المنافسة إلى سباق في الوحدة الوطنية، وهو المكسب الأهم للبطولة!

العراق في قلب البصرة

ربما تكون بطولة كأس الخليج ثاني أكبر اللحظات التي يرتفع فيها الشعور بالوحدة الوطنية والفخر بعد ثورة تشرين 2019، فكانت البصرة محط أنظار الجميع، ويمكنك أن ترى الدبكة الكردية والأزياء الموصلية والرقصات الشعبية من الأنبار، كلها في أرض البصرة.

كذلك كانت المدينة واجهة لثقافة المجتمع العراقي وفرصة لإظهار أفضل ما فيه، فيروي الكثير من الصحفيين والإعلاميين، كيف كان سكان البصرة يتسابقون لاستضافة الزوار، لقد بقيت المدينة مستيقظة ليلًا ونهارًا، والكثيرون ممن ذهبوا هناك، لم ينفقوا دينارًا واحدًا بسبب كرم أهل المدينة، خلال البطولة.

خلال أسبوعين، تدفق أكثر من 55 ألف زائر خليجي إلى العراق وفقًا للسلطات، حيث خففت البلاد القيود على الحدود ومنحت تأشيرات الدخول مجانًا، وهذا العدد لم يفد إلى البصرة من الدول العربية منذ أمد بعيد. 

يقول حسام مثنى، سائق تاكسي من البصرة: "ما يهمنا في المقام الأول هو تكريم ضيوفنا بعد غياب طويل، نحن جيران وأبناء عم، حتى لو فصلتنا الظروف السياسية الخارجية، لا نريد لهذه اللحظات أن تنتهي أبدًا".

كان الشعور والفخر بالاعتزاز الوطني عاليًا لدرجة أن الأصوات الأخرى سكتت طوال فترة البطولة! بل حاولت مجاراتها، فقد استخدم رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لفظة الخليج العربي في أكثر من مناسبة خلال البطولة، وعاد للتأكيد على ذلك خلال مقابلة مع قناة DW الألمانية، ولم تعد تلك الأصوات المنادية بالأخوة العراقية الإيرانية تظهر مع ارتفاع موجة الأخوة العربية.

إن لهذا دلائل كبيرة في طبيعة التركبية المجتمعية، فلطالما كان التغيير في العراق، مسبوقًا بتبدل المزاج الشعبي العام، ومنذ سقوط الملكية وحتى اليوم، لم يكن أي انقلاب أو تغيير لينجح، دون أن يسبقه تغير في الرأي العام للجمهور، بدءًا من أول انقلاب للجيش عام 1958، حتى سقوط النظام العراقي عام 2003.

والتوجه العراقي العام الساخط على كل النفوذ الإيراني وما خلفه من فساد ودمار وتخلف، وما ظهر من تقارب بالغ الحفاوة بالوجود الخليجي، ينذر بكثير من المتغيرات القريبة على الساحة العراقية والإقليمية، ففتح الباب على مصراعيه للأشقاء العرب من الباب الاجتماعي على الأقل، رافقه تضييق على نافذة إيران الاقتصادية، خاصة مع تحذيرات أطلقها البنك الفيدرالي الأمريكي للمركزي العراقي بمراقبة حركة الدولار في الأسواق العراقية، ومنع التهريب الحاصل في السنوات الأخيرة لكل من إيران وسوريا ولبنان.

صورة

بطولة الخليج إذًا، كانت فرصة لكثير من الإيجابيات، وكانت فرصة أيضًا لظهور الكثير من العيوب التي لا بد من تلافيها على المستوى السياسي والتنظيمي والمجتمعي لأجل المستقبل. 

مراجعة عاجلة 

لا يمكن لأي بلد أو شعب أن يتطور دون مواجهة حقيقية للعيوب والأخطاء الموجودة في ذلك البلد أو عند ذلك المجتمع، والمناسبات التي تستضيف فيها دولة ما حدثًا سياسيًا أو فنيًا أو رياضيًا إقليميًا أو دوليًا، ملائمة للوقوف على هذه الأخطاء، من أجل معالجتها والتقدم نحو الأمام، وخليجي 25 في البصرة أحد هذه المناسبات النادرة التي استضافها العراق. 

بدءًا ذي بدء، من الضروري معرفة أن هذا هو الحدث الأول الذي يستضيفه العراق منذ عقود، وظهور الأخطاء أمر طبيعي، بل ويظهر في أي حدث من هذا النوع، لكن المشكلة تكمن إذا لم يتم الوقوف عليها وتلافيها. 

لم نشهد بطولة محترمة من قبل، يظهر فيها رئيس الدولة يحتفل برفع الكأس مع المنتخب الوطني كأنه قائد الفريق، لكنه التعطش لأي إنجاز وأي تحية من الجمهور تدفع لمثل هذه الأفعال

أولى هذه المشكلات، كانت مشكلة تنظيم الجماهير، فالعراق معروف بشغفه لكرة القدم، ومع غياب التنظيم لسنوات طويلة، كان من المتوقع جدًا أن يحضر هذا العدد الكبير من الجمهور إلى الملعب وما حوله، صحيح أن هذه إحدى أهم ميزات البطولة وسبب نجاحها، لكن المشهد الختامي الذي وقع صبيحة نهائي البطولة يقضي على أحلام العراق ربما باستضافة أمم آسيا 2027 - مشاركة مع السعودية - كما أعلن محافظ البصرة أسعد العيداني عزمه على ذلك، تمامًا كما حصل في افتتاح البطولة، الذي شهد اقتحام أعداد كبيرة من المشجعين سياج الملعب الخارجي، دون أن يكون هناك وجود لأي قوة تحمي محيط الملعب من تلك الناحية. 

وبالطبع، لا يمكن ذكر هذه البطولة، دون ذكر ظهور المحسوبية والواسطة، التي أفضت إلى دخول مجموعة من العارضات والفاشينستات لمناطق الـVIP! وتكررت الحالة في مرات كثيرة دون أي معالجة حقيقية للأسباب ولا لإيقافها حتى! 

وبالطبع، لا يمكن عزل السياسة الداخلية العراقية عن مثل هذه المناسبات، فقد كان من المتوقع استثمار هذا الحدث سياسيًا لتسجيل إنجاز هنا أو هناك، والتغطية على الفشل الحكومي الكبير في الكثير من الملفات، أولها ملف الخدمات في البصرة والعراق عمومًا، فمنذ ما قبل البطولة، حاولت حكومة البصرة المحلية التغطية على عشوائيات المدينة بجدار إعلاني كبير يضعهم خلف ما يشبه جدران الفصل العنصري! ثم رافق ذلك ظهور لافتة كبيرة تحمل اسم محافظ البصرة أسعد العيداني، قبل أن يتراجع الأخير ويقدم اعتذارًا للجماهير بذريعة أن هذا خرقًا لا يجب تكراره! 

ظهور رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى المنصة وحمله الكأس، نقطة فارقة أخرى! فلم نشهد بطولة محترمة من قبل، يظهر فيها رئيس الدولة يحتفل برفع الكأس مع المنتخب الوطني كأنه قائد الفريق، لكنه التعطش لأي إنجاز وأي تحية من الجمهور تدفع لمثل هذه الأفعال! 

على الصعيد المجتمعي، ورغم الصورة المبهجة التي أبداها أهل البصرة، فإن ذلك لم يمنع حدوث ظواهر مجتمعية تطرح إشارات خطيرة بشأن بُعد فئات كثيرة عن الالتزام بالقانون، أو أبسط أبجديات الأحداث الرياضية، فمن غير المنطقي أن يتوافد عشرات الآلاف من المشجعين إلى الملعب دون بطاقة، بل وينجحون في الدخول إلى الملعب، دون أن يجد حملة البطاقات أماكنهم أو يتمكن بعضهم من الدخول إليه.. إن هذا يقتل أي بعد اقتصادي بل ويقتل أي حلم للعراق بتنظيم أي بطولة مقبلة.. غلا إن كان للسياسة رأي آخر!