خلال الكساد النفطي الذي حصل في الأشهر السبعة الأخيرة، حاول العديد من الاقتصاديين والتجار والنقاد التنبؤ بالحدود الدنيا التي يمكن لبرميل النفط أن يصل إليه، فبعد تراجع النفط بحوالي 10 دولار ليصبح سعر البرميل أقل من 70 دولار في 28 نوفمبر الماضي، ظن الكثيرون بأن هذه هي الحدود الدنيا التي يمكن أن تصل إليها أسعار النفط، ولكن ها نحن اليوم نرى سعر برميل النفط وقد وصل إلى 45 دولار، و ما يزال العديد من النقاد يسعون للتنبؤ بالحدود الدنيا التي يمكن أن يصل إليها.

بالنسبة للكاتب والمحلل الاقتصادي (جيسي كولومبو)، فقد كان يتنبأ على الدوام بهبوط سعر النفط، حيث سبق له كتابة بحث في يونيو 2014 يحذر فيه عن إمكانية حدوث كساد مقبل للنفط، وذلك عندما كان سعر برميل النفط يعادل 102 دولار، وعندما انخفض النفط إلى ما دون 70 دولار، كتب مقالاً بيّن فيه أن النفط قد يواصل انخفاضه ليصل إلى 40 دولار للبرميل، وفي أواخر ديسمبر عندما وصل سعر النفط إلى 55 دولار كتب مقالاً آخر أظهر فيه أن مؤشر أسعار النفط يشكل نمطاً بيانياً هابطاً  يتنبأ بمزيد من الانخفاضات. 

كان (كولومبو) قد أظهر في مقالته التي صدرت في أواخر شهر ديسمبر، كيف يشكل النفط رسماً بيانياً على نمط مثلث هابط، وهذا النمط الهابط يظهر على الرسم البياني الذي يتناول أسعار الأصول، ويُعتبر من الأنماط المستمرة، أو من الأنماط التي تشير إلى وجود تحرك قادم في ذات الاتجاه الانخفاضي بعد توقف قصير.

حتى الآن، تم تأكيد تشكّل حالتين من المثلث الهابط على الرسم البياني خلال انحدار النفط الخام من نوع غرب تكساس المتوسط من 70 دولار إلى 45 دولار، وهذا النمط قد يؤدي إلى تشكّل نمط مثلثي آخر بدأ بالتكوّن في هذا الشهر، وقد يكون هذا النمط في عملية الهبوط حالياً، وإذا ما استمر الانهيار المتشكل من الأنماط المثلثية الثلاثة الأخيرة، فإن خام غرب تكساس المتوسط قد ينحدر بالفعل إلى ما دون الـ 40 دولار، أما في حال شكّل هذا النمط نموذجاً تصاعدياً، فهذا قد ينفي حصول الهبوط في هذا النمط، ومن المثير للإهتمام، أن نعرف أيضاً بأن العقود الآجلة لزيت التدفئة (المازوت) في أمريكا قد تشكل نمط مثلثي هابط أيضاً.

يعتبر سعر الـ40 دولار المستوى الأساسي بالنسبة لخام غرب تكساس المتوسط، حيث أن هذا السعر يشكل مستوى سعري ثابت محدد من قِبل الشركات منذ فترة طويلة، وهذا المستوى يعود إلى فترة حرب الخليج الأولى في عام 1990، كما قاربت أسعار النفط أيضاً هذا المستوى في وقت مبكر من عام 2000، وأيضاً في عام 2009 خلال الأزمة المالية العالمية حيث انخفضت مستويات أسعار نفط خام غرب تكساس المتوسط وخام برنت حتى وصلت إلى هذا المستوى.

إن الأرقام المدورة (المحورية) مثل رقم 40 دولار بالنسبة للنفط تعمل على جذب أسعار الأصول إليها مثل المغناطيس، وهذا يمكن أن يكون مؤشراً آخر على أن أسعار النفط قد تصل إلى هذا المستوى في وقت قريب جداً، ولكن السؤال الكبير هو ما إذا كان مستوى الـ 40 دولار يمكن أن يوفر قاعدة للانتعاش الاقتصادي، أم أنه سيشكل بداية لإنكماش يصل بأسعار النفط إلى ما دون هذا المستوى، ولسوء الحظ، فإنه من الصعب التنبؤ بالضبط ما الذي سيحل بالنفط إذا ما وصل إلى حاجز الأربعين  دولار، لذلك يجب مراقبة الوضع عن كثب في حال حدوث ذلك. 

الجدير بالذكر بأن كبار المضاربين ما يزالون في مركز المضاربة على الصعود (Bull Position) بالنسبة لنفط خام غرب تكساس المتوسط، حيث يحتفظون بعقود آجلة تبلغ 281269 عقداً (تقدر قيمتها الاسمية بمبلغ 12.6 مليار دولار)، مما يخلق احتمالية تغذية سوق المضاربة على الهبوط (Bear Market)، علماً أن الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن التخلي عن مركز المضاربة على الصعود ببيع العقود الذي قد يلجأ إليه كبار المضاربين في نهاية المطاف، هو أحد الأسباب الرئيسية لانكسار أسعار النفط في المستقبل القريب.

غالبا ما يقوم كبار المضاربين بإنفاق جميع أسهمهم في نقاط التحول الهامة في السوق في حال كان الطلب الكلي في السوق متجهاً نحو أحد الأصول، فكبار المضاربين يميلون إلى استثمار أموالهم بحسب اتجاه السوق، بحيث يقومون بالتمسك بموقف وسطي من تحركات السوق، ولكنهم غالباً ما يضعون استثماراتهم الكبيرة على الجانب الخاطئ من السوق قبل أن يغير السوق من اتجاهه.

إن الانخفاضات الأخيرة التي حدثت على سعر النفط الخام في عامي 2009 و 2010 أظهرت أن كبار المستثمرين كانوا يحافظون على مواقف قصيرة (Short Positions) في سوق النفط (المستثمر يحتفظ بمواقف قصيرة إذا ما قام باقتراض الأوراق المالية وبيعها دون أن يغطي العملية بإعادة الشراء للأسهم المباعة)، وإذا كان النفط حالياً في أدنى انخفاض له، يجب أن يكون كبار المستثمرين في مواقف قصيرة، ولكن الواقع يشير إلى أنهم مازالوا يحافظون على مواقع طويلة في السوق (المستثمر يحافظ على مواقف طويلة اذا كان يحتفظ بالأوراق المالية في حسابه الخاص)، لذا إذا ما استمر النفط بالهبوط، فإن هذا سيؤدي إلى اتجاه كبار المضاربين إلى الاستسلام أخيراً وتصفية مراكزهم المضاربة على الصعود، وهذا سيكون له انعكاسات هبوطية على النفط.

وثمة عامل آخر مثير للقلق بالنسبة لأسعار النفط، وهذا العامل يتمثل بالتعزيز الكبير لمؤشر الدولار الأمريكي، حيث يرتبط الدولار مع النفط بشكل عكسي (ارتفاع مؤشر الدولار يؤدي إلى انخفاض مؤشر النفط والعكس بالعكس)، مؤشر الدولار الأمريكي اخترق مؤخراً مستوى المقاومة عند الـ93، مما يجعله أقرب لتحقيق المزيد من المكاسب المحتملة، أو ربما قد يكون عبوره لمستوى المقاومة بداية لنشوء سوق المضاربة على الصعود خاصة في حال استمر الدولار باختراقه لمستوى المقاومة، ويرجع ارتفاع مؤشر الدولار إلى تشديد السياسة النقدية الأمريكية المتزامن مع التخفيف في السياسة النقدية الأوروبية واليابانية، وسوف تستمر برامج التحفيز في أوروبا واليابان على الأقل لمدة سنتين، وهذا ما سيؤدي إلى إضعاف اليورو والين وسيساهم نسبياً بزيادة قوة الدولار الأمريكي.

بالإضافة إلى العوامل السابقة التي تشير جميعها إلى الاستمرار بانخفاض أسعار النفط حتى 40 دولار، هناك عامل آخر يتمثل بوفرة النفط الذي لم يظهر أي بوادر على تراجعه، فمخزونات الولايات المتحدة من النفط الخام بلغت مؤخراً أعلى مستوى لها منذ ثمانين عاماً عند  387.8 مليون برميل، كما أن سياسة أوبك التي لا تظهر اهتماماً بخفض إنتاج النفط في المدى المنظور، وانخفاض طلب الصين على النفط، جميع هذه العوامل قد تبقي العالم متخم نفطياً خلال الفترة القادمة، زد على ذلك بأنه في حال زادت صادرات النفط القادمة من العراق وليبيا نتيجة لإعادة بناء قطاعات الطاقة، فإن هذه الصادرات ستتم إضافتها أيضاً إلى مستوى العرض العالمي للنفط.

في الوقت الراهن، من المهم الانتظار لرؤية فيما إذا كان سعر برميل النفط سيصل إلى 40 دولار، ومتابعة ماذا سيحدث إذا وصل إلى هذا السعر، هل سينتعش السوق النفطي عند مستوى الـ 40 دولار؟ أم أنه سينخفض إلى أقل من ذلك؟ من الواضح أننا سنكتشف هذا قريباً.

هذا المقال ينشر بالتعاون بين موقع نون بوست ومجلة نقطة العلمية، وترجم من مجلة فورس.