في ظل التغيرات السياسية التي يعرفها العالم العربي الناجمة عن اندلاع الثورات الشعبية ضد الديكتاتوريات الحاكمة في أكثر من قطر وصعود اليمين عالميًا ليسيطر على مقاليد الحكم في أكثر من بلد، معلنًا عودته بقوة، وجب التساؤل عن موقع اليسار في ساحة الفعل السياسي بعد انكفائه وعزلته لعقود.

في ملف اليسار العربي، ينشر "نون بوست" جملة من التقارير التي تسلط الضوء على هذا المكون السياسي الذي صعد خلال خمسينيات القرن الماضي وأسس الحراك الفكري لتلك الحقبة، وستطرح أسئلةً عن نشأته وتحولاته وأسباب تراجعه وعلاقته بالثورات الشعبية وبالمتغيرات العالمية.

نشأة اليسار

يعود أصل تسمية اليسار إلى التقسيم الذي أطلق داخل الجمعية الوطنية أو البرلمان الفرنسي عام 1789، فقد جرى العرف بأن تجلس كل كتلة برلمانية في مكان مخصص لها، وهي اليمين والوسط واليسار، فكتلة اليمين تُمثل الفكر المتمسك بالموروث الديني وبالفلسفة الاجتماعية القديمة، فيما يدعم اليسار الثورة والجمهورية ويقود دعوات التغيير والارتقاء بالإنسان من خلال الأطر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بينما يراوح الوسط بين المكونين ويأخذ من كليهما.

بمرور الوقت تشعب استعمال مصطلح اليسار وأصبح يغطي طيفًا واسعًا من الآراء والتيارات الفكرية، فاليسارية الأوروبية تشير إلى الاشتراكية أو الديمقراطية الاشتراكية أو الليبرالية الاجتماعية، إضافة إلى اليسار الراديكالي.

ويشمل اليسار أيضًا الشيوعية التي عرفها الاتحاد السوفيتي السابق والصين في أثناء حكم ماو تسي تونغ، فهي جميعًا تيارات يسارية رغم الفروقات التي تتركز بالأساس على شمولية الحكم لهذين المثالين، إذ يرى بعض المنظرين كليون تروتسكي أن القمع والعنف هو نتيجة أفكار جوزيف ستالين وهو خروج وخيانة لمبادئ الشيوعية.

تاريخيًا، مع تطور القوى الرأسمالية ووصولها إلى مرحلة الإمبريالية في محاولة لتأبيد وجودها، حركت قوى اليسار الوعي السياسي الكامن في الطبقة العاملة والكادحة بضرورة الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والاجتماعية، إلى أن حققت ثورتها الكبرى في الإمبراطورية الروسية بفضل زعامة لينين ورفاقه وأسست الدولة الاشتراكية الأولى في العالم.

اليسار العربي

على عكس الطرح الذي يؤكد أن النهضة الفكرية في العالم العربي عُرفت بعد انهيار الدولة العثمانية وتفككها إلى دويلات وتدفق الدول الأوروبية وتدخل نابليون في مصر (الحملة)، يرى بعض المختصين أن إرهاصاتها كانت مبكرة وسبقت تلك التواريخ، فقد تشكلت قبل تبلور فكرة الاستعمار لدى النظام الرأسمالي الغربي الليبرالي.

أما مفهوم اليسار كحركة سياسية فتعود جذوره إلى بدايات القرن العشرين عندما بدأت تظهر معالم نشأة الحركات القومية العربية التي تتبنى أطروحات الاستقلال عن الدولة العثمانية (الرجل المريض) التي ترتب على هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، فرض دولتي الاستعمار الأوروبي المنتصرتين إنجلترا وفرنسا وصايتهما على تركة الخلافة العثمانية وتقسيمها فيما بينهما بواسطة معاهدة (سايكس بيكو)، بالإضافة إلى وعد بلفور.

بعد ذلك، تشكلت الحركات اليسارية القوية واقعيًا بعد الحرب العالمية الثانية وذلك نتيجة تراجع القوى الأوروبية المنهكة بالحرب وتخوف النخب العربية من طغيان التحديث التركي الجديد الذي يقوده كمال أتاتورك والقائم على مبادئ الرأسمالية ومنهج العلمانية على المنطقة، فكان اليسار العربي أحد روافد اليسار العالمي الذي قاده الاتحاد السوفيتي في تلك المرحلة.

ومع تسارع الأحداث والمتغيرات، برز فكر علماني عربي ينادى بالقومية محددًا العالم العربي من الخليج العربي إلى المحيط الأطلنطي وهي مجموع الدول التي ترتبط بلغة واحدة ودين واحد (الإسلام)، مع وجود أقلية مسيحية تتركز في مصر ولبنان والعراق وسوريا وفلسطين والبعض في دول المغرب العربي، انتشر هذا الفكر تدريجيًا مع أحزاب البعث في لبنان وسوريا والعراق وعرف رواده بالقوميين العرب، كما تأثر بهذا الفكر جمال عبد الناصر لتترتب عليه فيما بعد الناصرية في إفريقيا وهي امتداد لفكر القوميين العرب في بلاد الشام.

في سياق ذي صلة، فإن اليسار العربي انقسم إلى أربعة مشاريع في العالم العربي، وهي القومية التي تحولت إلى ناقد للاتحاد السوفيتي دون الخروج عن إطاره مع ميله نحو التحالف مع مشروع التيار الثاني وهو الاشتراكي، أما التيار الثالث فهو الإسلامي إلى جانب المشروع الليبرالي.

وتعود جذوة الفعل السياسي اليساري العربي إلى الزخم والتطور الفكري وتنوع الحركات التي تنتمي إلى هذا التيار كحركة القوميين العرب وحزب البعث والناصريين، بقيادة مفكرين كمنيف الرزاز ومشيل عفلق وصلاح البيطار وعبد الله الريماوي وعصمت سيف الدولة وإلياس مرقص وياسين الحافظ (سوريا)، إضافة إلى الحركات الاشتراكية والشيوعية خاصة تلك التي تنتهج النهج الماركسي اللينيني التي انتعشت في الخمسينيات والستينيات.

أهم التحولات

شكلت هزيمة 1948 في فلسطين حدثًا مفصليًا في تاريخ المنطقة العربية وتحولًا مهمًا ساهم في صعود نظام حكم جديد (الضباط الأحرار) بعد ثورة 23 من يوليو/تموز 1952 الذي قدم نفسه سريعًا بديلًا ثوريًا قادرًا على تحقيق العدالة الاجتماعية والاستقلال والسيادة، ليحتكر مجال فعل التنظيمات اليسارية والقومية وذلك بعد أن استبعد وجوهًا لعبت دورًا محوريًا في نجاح الثورة كيوسف صديق وخالد محيي الدين.

وهو ذات الأمر الذي حدث في العراق، بعد ثورة 14 يوليو/تموز 1958 وتأسيس الجمهورية، وفي الجزائر بعد وصول الجناح العسكري من جبهة التحرير الجزائرية إلى الحكم عام 1962، وكذلك في سوريا بعد وصول حزب البعث الاشتراكي إلى الحكم عام 1963، وتكرر كذلك في السودان مع انقلاب النميري عام 1969، وليبيا، بعد انقلاب الفاتح من سبتمبر/أيلول بقيادة القذافي.

أما باقي الدول التي تحركت فيها شرارات التحرر الوطني ومقاومة الاحتلال كتونس، فعرفت صراعًا بين تيارين رئيسيين وهما التيار القومي ونظيره الاشتراكي وذلك في وقت ارتفعت وتيرة مواجهتهما للمستعمر، فيما أُصيب يسار الشرق بخيبة أخرى بعد فشل وحدة مصر وسوريا وزوال الجمهورية العربية المتحدة عام 1961.

كما تعد الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، من الأسباب التي أثارت الخلاف عن جدوى التبعية المطلقة التي أبدتها أحزاب شيوعية عربية للاتحاد السوفيتي، والحال أن العديد من الحركات اليسارية في أوروبا ومناطق مختلفة حول العالم كانت أكثر استقلالية واستطاعت أن تبني برامجها وفق فهمها لخصوصيات كل بلد منها، الأمر الذي دفع عددًا منها إلى إجراء مراجعات نقدية.

بدورها ساهمت هزيمة 1967 في تفكك "حركة القوميين العرب" إلى أحزاب وفصائل اعتمدت الماركسية منهجًا وفكرًا مع الحفاظ على النزعة الناصرية أو القومية العربية، فظهرت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" في ديسمبر/كانون الأول 1967، ثم "منظمة الاشتراكيين اللبنانيين" عام 1969، ومنها ولدت "منظمة العمل الشيوعي" و"الحركة الديمقراطية لتحرير فلسطين"، وظهرت الحركة المغربية "إلى الأمام" عام 1970، وفي تونس أُنشئت مجموعة "العامل التونسي".

أما الضربة الكبرى التي تلقاها اليسار العربي، فكانت عام 1973، فرغم انتصار الجيوش العربية لأول مرة على الاحتلال الإسرائيلي المدعوم من القوى الإمبريالية، انقلب النصر إلى هزيمة ونكسة سياسية جديدة وذلك بعد أن وقع الرئيس المصري أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد ودخول القاهرة في مرحلة التوافق مع الإمبريالية العالمية والنظام الجديد.

من جهة أخرى، فإن سقوط جدار برلين في 1989 وانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 وتفكك المنظومة الاشتراكية (الكتلة الشرقية)، وما أدى إليه ذلك من إحداث خلل في موازين القوى على مستوى العالم، ومن حدوث انقلاب على المستوى النظري، الذي كان من أهم العوامل التي أدت إلى ضعف وتراجع تيارات اليسار تحديدًا.

وتكمن الإشكاليات السياسية الأخرى لليسار العربي في أن مشروعه لبناء الدولة كان نظريًا مسقطًا عنه كل روابط الهوية الوطنية، ودفع بنفسه إلى العزلة عن موروثه وبيئته فصار جزءًا في فضاء لا يشارك في صنعه ولا في إدارته، بمعنى أنه أراد بناء منظومة جديدة تغيب فيها ملامح الخصوصية بالمطلق وعمل على استبدال الموجود بدلًا من توظيفه والانسجام معه.

إضافة إلى ذلك، فإن خطابات اليسار العربي كانت طوباوية تفتقد إلى التجديد والحركة والتطور، واقتصرت دوائر فعلها على معاداة الإسلاميين وصار مبتغاها الأوحد منعهم من الوصول إلى السلطة، فهم الوصاة على دولة الاستقلال والحريات ولا مانع لديهم في أن يستظلوا بالديكتاتوريات والأنظمة الثيوقراطية الاستبدادية.

يراهن اليساريون على أن العالم سيشهد قريبًا سقوطًا مدويًا للإمبريالية العالمية لإعادة تشكيل قواهم وترتيب بيتهم المتداعي والعودة لخوض صراعاتهم المقدسة، وعلى أن مقاومة الرأسمالية المتوحشة والجشعة تتطلب فكرًا شيوعيًا ثوريًا قادرًا على التغيير، والحال أن هذا الهيكل الأجوف عجز عن استثمار ثورات الربيع العربي وتهاوي الأنظمة واختار العمل عكس التيار.