أثارت عملية احتفال إيران في الأيام الماضية بيوم القدس العالمي، وهي احتفالية جرت العادة على إقامتها في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان في كل عام، الكثير من التساؤلات حول ما الذي قدمته إيران للقضية الفلسطينية على مدار تاريخها السياسي، سوى أنها اتخذت من شعار تحرير القدس ذريعة للسيطرة على أربع عواصم عربية، وعمقت الانقسام الفلسطيني، فضلًا عن إنها استثمرت في هذه القضية مذهبيًّا، عبر تحقيق اختراقات في قطاع غزة المحاصر، وقامت بتشكيل فصيل مسلح (شيعي) المعروف بحركة الصابرين، الذي انشق عن حركة حماس، وبدأ يعتمد الخطاب السياسي الإيراني، ويقلد المرشد الأعلى علي خامنئي، وليتحول من المذهب السنّي إلى المذهب الشيعي، قبل أن تتمكن حركة حماس من احتواء هذا الفصيل في النهاية.

استمرت إيران عبر تاريخها السياسي الطويل قبل الثورة الإسلامية، في تقديم كل أشكال الدعم المادي والسياسي لـ"إسرائيل"، وتحديدًا خلال جميع الحروب التي خاضها العرب ضد "إسرائيل"، وبعد نجاح الثورة الإسلامية ومجيء الخميني، حدث تحول في الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية، عندما استقبل الخميني الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وقام بمنحه موقع السفارة الإسرائيلية في طهران، وتحويلها إلى سفارة فلسطين، تكريمًا للدور الذي قامت به عناصر منظمة التحرير الفلسطينية في تدريب عناصر الحرس الثوري على عمليات الاقتحام والسيطرة وقتال الشوراع، إلا إن هذا التودد الإيراني تغير بعد سنة واحدة، عندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، فبسبب الموقف الفلسطيني المؤيد للعراق، قام الخميني بسحب جميع هذه الامتيازات من منظمة التحرير الفلسطينية، وطرد جميع عناصرها من طهران.

شكلت مؤتمرات مدريد للسلام التي انطلقت في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، فرصة كبيرة لإيران في استغلال الانقسام الفلسطيني، بين رافض لهذه المؤتمرات وداعم لها، ووجدت إيران في الطرف الرافض خطوة مهمة للدخول على خط الصراع، ليس من أجل خدمة القضية الفلسطينية وإنما لتحقيق شرعية سياسية لتدخلاتها العسكرية في المنطقة، ولخلق حالة توازن استراتيجي مع قوى عربية مؤثرة في الملف الفلسطيني.

وللتدليل على البراغماتية الإيرانية في تعاطيها مع الملف الفلسطيني، هو قيامها بإيقاف المساعدات المالية والاقتصادية التي كانت تمنحها للفصائل الفلسطينية مع تصاعد الأحداث في سوريا، بسبب رفض الفصائل القتال إلى جانب نظام بشار الأسد، هذا إلى جانب تفضيلها لفصيل مسلح على حساب آخر داخل قطاع غزة المحاصر، وهذا التفضيل يتوقف على مدى استجابة هذه الفصائل للضغوط الإيرانية.

مشتركات تجمع "إسرائيل" بإيران

من الثابت إن منطقة الشرق الأوسط يسودها طيف سياسي ومذهبي وتاريخي مشترك، فغالبية الدول في هذه المنطقة هي عربية، تتقاسم الكثير من العادات والتقاليد والمشتركات التاريخية، وهذا الاندماج الشامل قابله حالة من التمايز الإقليمي لقوى أخرى، ومن أبرزها إيران و"إسرائيل"، حيث وجدت هذه القوى نفسها في حالة من العزلة الإقليمية والغربة الجغرافية والهوية الهجينة، التي لا تجمعها أية مشتركات مع دول الجوار والمحيط.

من يحيا على محاربة عدوه، فمن مصلحته أن يبقى عدوه على قيد الحياة.

فعلى صعيد العزلة الإقليمية، وجدت إيران و"إسرائيل" إنه من أجل تجاوز هذه العقدة لا بد من الاندفاع نحو الخارج، عبر إعادة تشكيل الواقع الإقليمي بالشكل الذي يخدم مشروعهما السياسي، ففي مقابل مشروع "تصدير الثورة الإيرانية"، برز مشروع آخر هو "إقامة "إسرائيل" الكبرى من النيل إلى الفرات"، وهما مشروعان مكّنا إيران من النفوذ إلى العديد من البلدان العربية، في مقابل سعي إسرائيلي لابتلاع ما تبقى من فلسطين.

أما على صعيد الغربة الجغرافية، فإن الثابت هو إن كلًّا من "إسرائيل" وإيران ليستا عضوين في أي تنظيم إقليمي سياسي أو اقتصادي أو أمني في المنطقة، ولذلك اندفعت إيران نحو تشكيل "محور المقاومة" الذي يشمل جماعات وحركات مسلحة، تشكل بدورها بديلًا عن الهيكل الرسمي للبلدان التي تتواجد فيها، في حين وجدت "إسرائيل" في التحالف مع الولايات المتحدة بديلًا للانغماس في الشؤون الإقليمية، عبر ربطها بمنظومة الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط.

في حين يمثل الاختلاف الهوياتي مشتركًا آخر يجمع البلدين، ففي مقابل "الهوية الفارسية" هناك "الهوية الصهيونية". لم تتمكن هاتان الهويتان على مدى التاريخ السياسي لمنطقة الشرق الأوسط، من التعامل أو حتى التفاهم مع الهويات الأخرى في المنطقة، ومن ثم فإن هذا الاختلاف جعل كلًّا من إيران و"إسرائيل" تبحثان عن مشتركات أخرى تجمعهما بالمنطقة، حيث وجدت إيران بالبعد المذهبي متغيرًا مهمًّا يحقق لها ما تريد، في حين وجدت "إسرائيل" بحركة التطبيع مع الدول العربية مدخلًا مهمًّا لتغيير الصورة النمطية المأخوذة عنها.

هذه المشتركات المعقدة التي جمعت إيران و"إسرائيل"، جعلت كلًّا منهما يمثل خيارًا وجوديًّا للآخر، وكما يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: "إن من يحيا على محاربة عدوه، فمن مصلحته أن يبقى عدوه على قيد الحياة". تجسد هذه المقولة بدورها حقيقة العلاقات التي تربط إيران بـ"إسرائيل"، فهي علاقات تتجاوز مسألة الصراع بينهما، خصوصاً إن كل منهما يعتاش على إخفاقات الآخر في التمدد والسيطرة على المنطقة العربية، التي تعد وعبر تاريخها الطويل هدفًا لكل من هاتين الدولتين، من أجل تفتيت وتقسيم شعوب المنطقة على أسس عرقية وثقافية وسياسية، لتكون هدفًا سهلًا.