أثارت سلسلة التفجيرات المتتابعة التي أصابت أبراج نقل الطاقة الكهربائية في مناطق متفرقة من العراق، وبلغت حسب آخر الإحصاءات الحكومية 61 برجًا كهربائيًا أغلبها في مناطق وسط وشمال العراق، العديد من الأسئلة والاستفسارات عن الجهات التي تقف خلف عمليات التفجير هذه والأهداف التي تسعى لتحقيقها، خصوصًا أنها تأتي بعد سلسلة من الزيارات الرسمية التي شهدتها بغداد الفترة الماضية.

كان آخرها القمة الثلاثية في بغداد الأسبوع الماضي، التي جمعت المسؤولين في العراق والأردن ومصر، وكان أحد أبرز أهدافها تزويد العراق بإمدادت جديدة من الكهرباء، فضلًا عن إصلاح منظومة الطاقة الكهربائية لتحقق الاكتفاء الذاتي في المستقبل، إلى جانب العديد من التحولات التي يشهدها الداخل العراقي، وترتبط بشكل أو آخر بعمليات التفجير الأخيرة.

مثلت الأزمة الكهربائية إحدى أبرز الأزمات التي لم تتمكن الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003 من معالجتها أو حتى تخفيف حدتها، وبدلًا من ذلك اعتمدت هذه الحكومات حلولًا آنيةً وترقيعيةً، الهدف منها امتصاص غضب الشارع.

إضافة إلى ذلك أيضًا، وجدت هذه الحكومات عملية استيراد الطاقة من إيران أحد الحلول في هذا المجال، لكن على الرغم من ذلك، فإن إيران هي الأخرى استغلت هذا الملف بين الحين والآخر، سواء عبر ابتزاز العراق سياسيًا أم حتى بفرض ضغوط على الحكومة العراقية لتعديل بعض مواقفها أو تغييرها حسب ما تقتضيه المصلحة السياسية الإيرانية.

الأهداف

تؤشر عمليات التفجير الأخيرة التي طالت أبراج نقل الطاقة الكهربائية، التي جاءت مترافقة مع إيقاف إيران تصدير الطاقة الكهربائية إلى العراق، إلى أن هناك عدة أهداف تقف خلف هذه العمليات منها فرض مزيد من الضغوط على حكومة مصطفى الكاظمي للتراجع عن التفاهمات الاقتصادية، وتحديدًا في مجال استيراد الطاقة من الأردن ومصر، أو حتى للتراجع عن خطوة مد أبراج لنقل الطاقة الكهربائية من دول الخليج، خوفًا من أن يؤدي نجاح الكاظمي في هذه المساعي، إلى الاستغناء عن إمدادات الطاقة الإيرانية، وهو ما لا تريده إيران وحلفاؤها.

فضلًا عن ذلك، تؤشر الحوادث الأخيرة إلى أن هناك بعدًا سياسيًا يقف خلفها، ألا وهو التأثير على الحظوظ السياسية للكاظمي الذي بدأ يجد نفسه في خضم صراع سياسي بين تيار (القانون والفتح) الذي يطمح للإطاحة به، وتيار (سائرون والحكمة) وبعض القوى السنية والكردية التي تطمح إلى منحه ولاية ثانية، ومن ثم فإن الربط بين التفجيرات الأخيرة والاستعداد للانتخابات المبكرة، يؤشر إلى أن الواقع العراقي سيكون مهيأً في المستقبل القريب لتوظيف المزيد من الأزمات من أجل التأثير على المشهد الانتخابي المقبل.

الأطراف السياسية الداعمة لهذه الفصائل بحاجة لأزمات تنفس عنها بعض الشيء

أما المؤشر الثالث والأهم، هو تحويل النقمة الشعبية من الملف الأمني إلى الملف الخدمي، إذ شهد الواقع العراقي العديد من التعقيدات الأمنية خلال الفترة الماضية، أسهمت به الفصائل المسلحة القريبة من إيران بشكل أو بآخر، عبر استمرار عمليات الهجوم التي تطال المقرات التي توجد فيها القوات الأمريكية، إلى جانب ردود الفعل الأمريكية أيضًا، ومن ثم فإن الأطراف السياسية الداعمة لهذه الفصائل بحاجة لأزمات تنفس عنها بعض الشيء، عبر إيقاع الخصوم بأزمات جديدة، فيما تستعيد هي زمام المبادرة عبر تحشيد الشارع انتخابيًا، فقد بدأت العديد من المدن العراقية في الجنوب تشهد احتجاجات واسعة على انقطاع الكهرباء، وسط ارتفاع درجات الحرارة، وتحديدًا في مدن ميسان والديوانية.

الجهات والفواعل المحتملة

في الوقت الذي تشير فيه أصابع الاتهام إلى وقوف تنظيم داعش خلف الهجمات الأخيرة، إلا أن منطق الأمن والواقع في المناطق التي شهدت هذه الهجمات، توحي بفرضيات أخرى أيضًا، فقد أعلنت لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، أن تجار بيع الوقود لمولدات الطاقة مسؤولون عن تفجير أبراج للكهرباء شمالي البلاد، جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده عضو اللجنة جاسم جبارة، وأوضح جبارة أن "عملية تفجير الأبراج في صلاح الدين، تجري في مناطق خالية من وجود عناصر داعش، وأن الأعمال التخريبية يقوم بها تجار بيع الوقود لمولدات الطاقة الكهربائية الأهلية"، وحتى أواخر عام 2020، توصلت لجنة تحقيق شكلها البرلمان، إلى أنه تم إنفاق 81 مليار دولار على تطوير قطاع الكهرباء في عموم البلاد منذ عام 2005، دون تحسن يذكر في الخدمة.

إلا أن هذا الموقف لا يعكس كل الحقيقة، فأبرز المدن التي شهدت عمليات التفجير، وتحديدًا ديالى وصلاح الدين ونينوى والأنبار، تشهد انتشارًا كثيفًا لفصائل مسلحة مرتبطة بإيران، وتنظر للتحركات الحكومية الأخيرة في مجال نقل الطاقة الكربائية واستيرادها، بالجانب الذي يضر بها وبالمصالح الإيرانية أيضًا.

ولعل هذا ما دفع الكاظمي للاجتماع بخلية الأزمة الخاصة بالطاقة الكهربائية برئاسته، وحضور مسؤولي ملف الطاقة وقادة أجهزة الأمن، وأصدر بيانًا أوضح فيه أنه "تم خلال الاجتماع مناقشة حماية أبراج الطاقة الكهربائية من استهدافات المخربين والإرهابيين، إذ قدمت قيادة العمليات المشتركة تقريرًا عن إجراءاتها لحماية تلك الأبراج، وشدد رئيس مجلس الوزراء في هذا الصدد على بذل أقصى الجهود لتعزيز حماية أبراج الطاقة، وتقرر أن تتولى قيادة العمليات المشتركة (الجيش) حماية أبراج نقل الطاقة الكهربائية، وتخصيص قوة خاصة لهذه المهام، وقيام قيادات الشرطة والمحافظين بحماية المنشآت الكهربائية والعاملين فيها وتخصيص مفارز خاصة بذلك".

أوضحت الكلمات التي أدلى بها الكاظمي في أثناء اجتماعه بخلية الأزمة الخاصة بالطاقة الكهربائية، إلى طبيعة الصراع الدائر في العراق

وبالحديث عن البعد الإيراني في الأزمة الأخيرة، فإن التدهور الكبير في واقع الكهرباء ترافق مع توقف الجانب الإيراني عن تزويد العراق بالكهرباء والغاز، بسبب تخلف الجانب العراقي عن سداد الديون المتراكمة عليه التي تقدر بمليارات الدولارات، حسبما تحدثت تقارير عديدة.

وتعاني إيران من أزمات اقتصادية عديدة بسبب تراجع أسعار النفط والعقوبات الأمريكية عليها، كما أن جائحة كورونا ألقت بظلالها على الاقتصاد الإيراني، وبالتالي فهي بحاجة ماسة إلى العملة الصعبة لتمويل مستورداتها الضرورية، وحتى لو أرادت الحكومة العراقية سداد الديون الإيرانية، فإنها غير قادرة بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران.

وكانت الولايات المتحدة قد سمحت للحكومة العراقية بدفع قيمة مستوردات العراق من السلع والبضائع الإيرانية بالدولار، لكن دون أن يشمل ذلك الغاز والكهرباء، يُذكر أن قيمة الديون الإيرانية المترتبة على الجانب العراقي تبلغ حاليًّا نحو أربعة مليارات دولار.

أوضحت الكلمات التي أدلى بها الكاظمي في أثناء اجتماعه بخلية الأزمة الخاصة بالطاقة الكهربائية، طبيعة الصراع الدائر في العراق والأسباب الحقيقية التي تقف خلف الأزمة الأخيرة، عندما تساءل بوضوح: لماذا كل دول العالم لديها ربط كهربائي متنوع، فقط العراق لديه ربط مع إيران دون غيرها؟ وأضاف متسائلًا: لماذا لا يريد بعضنا أن تتم عملية الربط الكهربائي مع الخليج أو الأردن أو مصر؟، إيران عليها عقوبات ولا نستطيع تحويل أموال الطاقة المستوردة منها بسبب العقوبات.

كل هذه التساؤلات تشير بوضوح إلى الجهة التي تقف خلف عمليات التفجير، وإن لم يسمها الكاظمي صراحة، ومن ثم فإن هذه التساؤلات توضح أيضًا طبيعة المنحدر الخطير الذي بدأت الصراعات السياسية تنزلق إليه، عندما تجعل هذه الصراعات من الأمن المجتمعي ميدانًا لتصفية الحسابات الداخلية والخارجية.