إحدى المناصرات تلوح بعلم حزب حركة النهضة الإسلامي التونسي.

ترجمة وتحرير: نون بوست

اتسع نطاق "الحرب على الإرهاب" التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، والتي أدت إلى انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في العالم الغربي من خلال اعتبار جميع المسلمين إرهابيين محتملين أو "متعاطفين مع الجهاديين"، للتحول الآن إلى حرب ليس ضد الإرهاب الحقيقي فقط، بل أيضا ضد "الإسلاموية" و"الإسلام السياسي" وحتى ضد غير المسلمين الذين ينعتون بأنهم ينتمون إلى ما يسمى بـ "اليسار الإسلامي".

في بعض البلدان، ولا سيما في فرنسا - التي أصبحت منذ اهتمامها بـ"قضية الحجاب" سنة 1989 مختبر الغرب للتجارب المعادية للإسلام - تحولت كراهية المسلمين إلى سياسات رسمية تنتهجها الدولة وغالبًا ما تتبعها الدول الغربية الأخرى. بعد فرنسا، أعلنت الدنمارك أنها بدأت "تُحقق" في الانتشار المزعوم للنشاط "الإسلامي اليساري" في جامعاتها.

واستنادًا إلى مفاهيم مبسطة وزائفة عن "الإسلاموية" باعتبارها النهج الذي يؤدي إلى الجهادية المسلحة العنيفة، يهدف هذا النوع من الشيطنة الآن إلى فرض رقابة وحظر وحتى تجريم كل ما يقدّم على أنه "إسلام سياسي" - حتى وإن لم يكن كذلك.

بعيدًا عن حصر الإسلام في التطرف والعنف، يجمع هذا المشروع الشامل بين الحكومات ووسائل الإعلام وخلايا التفكير وبعض التخصصات الأكاديمية في عملية إضفاء الطابع الأمني ​​على الإسلام والمسلمين وتقديمه في صورة تهديد، وبالتحديد تهديد وجودي للأمن القومي و"الحضارة الغربية" بشكل عام. ويكون ذلك من خلال التركيز على الارتباك الشديد في أوساط المحافظين الدينيين، والأصولية، والتطرف، و"الإسلام السياسي"، والإسلاموية، والتطرف غير العنيف، والإرهاب الجهادي (سواء كان حقيقيا أو محتملا).

ونتيجة الاستمرار في نشر هذه المغالطات للظواهر المختلفة نوعيا بات الحرص على أداء الشعائر الدينية مثل الصلاة وحتى اللباس الإسلامي يعتبر بمثابة "بوابة" للجهاد. لكن يبدو أن هذا التصنيف ينطبق فقط على المسلمين، ذلك أن المعايير المزدوجة المعادية للإسلام تضمن في المقابل تستثني اليهود والمسيحيين وغيرهم من مثل هذه التعميمات الخطيرة والمعادلات الخاطئة.

الاعتداء المنهجي

في الآونة الأخيرة، استهدف هذا النهج الاستئصالي المشاركة المدنية السلمية من جانب المسلمين، حتى إذا تمت بالكامل داخل المؤسسات والأطر الديمقراطية للمجتمعات الغربية.

التعامل الموسع والمتفاقم مع "الإسلام والمسلمين كإشكالية "ينبع من رفض توسيع الحقوق المدنية والمعاملة المتساوية لأقليات معينة

إن منع الأمهات المحجبات من الرحلات المدرسية بحجة أن حجابهن ينتهك مبدأ "الفصل بين الكنيسة والدولة"؛ وحظر المنظمات غير الحكومية المناهضة للعنصرية،مثل التجمع الفرنسي المناهض للإسلاموفوبيا، والادعاء بأنها موالية للتنظيم "الإسلامي"، هما مثالان حديثان فقط على هذا الاعتداء الممنهج على الحقوق الأساسية للمسلمين. 

أوضحت الصحفية ميريام فرانسوا أن التعامل الموسع والمتفاقم مع "الإسلام والمسلمين كإشكالية "ينبع من رفض توسيع الحقوق المدنية والمعاملة المتساوية لأقليات معينة: "بدلاً من ذلك، ترفض العنصرية الكامنة وغير المبررة الاعتراف الكامل بالمساواة بين الرجال والنساء الفرنسيين ونظرائهم من العرب والسود. إنها العنصرية المتجذرة في تفوق البيض والمتخفية في زي "الدفاع عن الأمة"، إنها القومية البيضاء مع لمسة اشتراكية".

حلل الفيلسوف البارز جاك رانسيير هذه الحرب الجديدة على الإسلاموية كمحاولة "لتجريم جميع النضالات الاجتماعية والأعمال المدنية لصالح الأقليات والجماعات المهاجرة التي تعاني من التمييز، من خلال تقديمها على أنها عناصر مساعدة محتملة للإرهاب الجهادي".

مثل هذه السياسات ليست فقط مناهضة للديمقراطية بشكل خطير، بل لها أيضًا نتائج عكسية بشكل عميق، لأن المشاركة المدنية في أي مجتمع - بما في ذلك الحياة السياسة - هي عامل من عوامل دمج الأقليات وتهدئة الإحباطات، والتي لولاها قد تجد منافذ في أشكال مشاركة أكثر راديكالية.

أظهرت الأبحاث أن المشاركة المدنية، حتى عندما يغذيها الشعور بالواجب الديني للمساهمة في المجتمع، بعيدًا عن تمثيل "التهديد" الذي كان يحلم به البعض، هو في الواقع عامل قوي للإدماج، مما يساعد على ترسيخ إحساس الفرد بالانتماء للمجتمع والبلد الذي يعيش فيه وتعزيز الشعور بالمواطنة.

من خلال تضييق أو حتى حظر الأشكال المشروعة والإيجابية للمشاركة المدنية والسياسية، تخاطر الحكومات الغربية بتشجيع الظواهر ذاتها التي تدعي أنها تريد محاربتها، مثل "التطرف" و"الانفصالية الإسلامية". من خلال منع المسلمين من أن يصبحوا فاعلين سياسيين، فإن ما تقوم به الحكومات هو جعلهم يشعرون بأنهم مستبعدون وغير مرغوب فيهم، مما يولد الإحباط والغضب وخيبة الأمل.

اختلافات جذرية

نظرًا لأن الأصوات النادرة لديها الشجاعة لإثبات نفسها في عالم اليوم، يجب تشجيع "الإسلام السياسي" -  بما في ذلك التنوعات النقدية التي قد لا تتناسب جيدًا مع الثقافات السياسية المعيارية للغرب - بدلاً من حظره أو النظر إليه بشك وخوف، والتعامل معه، أو على الأقل التسامح معه. 

هذا هو النموذج المثالي الذي يفترض أن تكون عليه الديمقراطيات والمجتمعات الحرة، مع الاعتراف بأن المعارضة وتحدي النظام الحالي ليست قانونية وشرعية فحسب بل صحية كذلك. من ناحية أخرى، ربما يكون تجريم بعض الحركات الإسلامية السياسية هو أسوأ مسار للعمل، لأن مثل هذه السياسات التمييزية هي بالضبط ما تأمله مجموعات مثل "تنظيم الدولة" من جانب المجتمعات الغربية، مما يدفع بالمزيد من المسلمين إلى الشعور بالغضب والإحباط.

تتجاهل الصورة النمطية عن الإسلام السياسي، باعتباره كتلة متجانسة ونقيضا "مزعوما" للديمقراطية، تنوع الحركات الإسلامية، والاختلافات الراديكالية بينها، والتحوّلات التاريخية الدراماتيكية داخل هذه الحركات، على غرار جماعة الإخوان المسلمين، والتي أصبح يُنظر إليها كخطر جديد يهدّد أوروبا.

صورة
العضو البارز في جماعة الإخوان المسلمين ورئيس البرلمان المصري السابق، سعد الكتاتني إلى جانب زميله صبحي صالح أثناء محاكمتهما في الثاني من شهر كانون الأول/ يناير سنة 2018.

إذا كان تنظيم الدولة منظمة إسلامية، فإن الحركات التي تؤمن بالديمقراطية تُعتبر أيضا إسلامية، على غرار حركة النهضة التونسية وزعيمها راشد الغنوشي. مع ذلك، فإن الفجوة بينهما شاسعة للغاية لدرجة أنهما ليسا "مختلفين" فحسب، بل لا يمكن التوفيق بينهما، حتى لو كانا كلاهما "إسلاميا".

إن جهل كثيرين بالبحوث المستفيضة عن الحركات الإسلامية، ناهيك عن الأشكال المتنوعة لـ"الإسلام السياسي"، يؤدي إلى إطلاق أحكام عامّة تشمل كل الحركات، وتصفها بأنها "سيئة" و"همجية" و"خطيرة"، وأن أي شخص ينتمي إليها يمكن أن يُستهدف من قبل السلطات باسم "الديمقراطية" و"الدفاع عن الأمة".

ووفقا لجوسلين سيزاري، إحدى أبرز الباحثات في حركات الإسلام السياسي، فإن الرواية الزائفة التي تفيد بأن الإسلام السياسي يؤدي إلى العنف والتطرف، تتجاهل حقيقة أنه إذا أمكن للإسلام، في ظل ظروف معينة، أن يكون بوابة للتطرف، فيمكن أن يكون أيضا "بوابة إلى رؤية عالمية أكثر ديمقراطية وتعددية".

الإسلاميون والسلطة

في كتابها "الإسلاموية في السلطة"، أوضحت آن كليمنتين لاروك أنه بمجرد وصول  الأحزاب أو الحركات الإسلامية إلى السلطة، فإنها تميل إلى الاعتدال بل وحتى إصلاح نفسها، مع السعي للابتعاد عن الجماعات الأكثر راديكالية، وخاصة الجهاديين، الذين يسعون لسفك الدماء. هذا النمط ينسف المعادلة التي تربط آليا بين "الإسلام السياسي والجهاد المسلح"، أو النظرية الزائفة لبوابة الإدمان التي يفرضها أحدهما على الآخر.   

أظهر باحثون كبار آخرون، ومنهم جون إل إسبوزيتو، الباحث الرائد عالميا في هذا المجال، أن البحث الحقيقي عن العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في قلب المشروع الإسلامي، وأن هذا المسعى هو ​​أحد الخصائص الرئيسية المشتركة بين معظم الأحزاب والحركات الإسلامية.

وتُظهر العديد من الدراسات عن الإسلاميين الذين وصلوا للسلطة، أنه إذا أتيحت لهم الفرصة، فإنهم على استعداد تام للعيش وفقا للقواعد الديمقراطية. وتعدّ حركة النهضة في تونس مثالا بارزا، حيث أن سلوكها يقدّم دروسا في الروح المدنية والسلوك الديمقراطي على غرار الأحزاب الغربية، وهي ليست بأي حال من الأحوال الوحيدة في ذلك، أو "الاستثناء الذي يؤكد القاعدة"، وهو ما تريد الهستيريا المعادية للإسلاميين إقناعنا به.

قبل التحول الاستبدادي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في شهر تموز/ يوليو سنة 2016، وما تلاها من عمليات تطهير واسعة النطاق، كان حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا نموذجا للحزب الديمقراطي. لقد جلب إلى الحياة السياسية التركية ملايين الأتراك الذين استُبعدوا من المشاركة، ومنح الأقليات المهمشة تاريخيا، وخاصة الأكراد، حقوقا واعترافا لم يسبق لهما مثيل.

نسف حزب العدالة والتنمية الفكرة المبتذلة الكاذبة بأن الإسلاميين أعداء للديمقراطية والتعددية، بما أن أردوغان وحزبه خضعوا بانتظام لحكم صناديق الاقتراع، حتى مع احتمال خسارة الانتخابات.

الإسلامية التقدمية

هناك مثال آخر مهم، وهو مصر في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي والإخوان المسلمين. ربما كانت فترة حكمهم قصيرة -بسبب الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال عبد الفتاح السيسي سنة 2013، والذي يعتبر أحد أسوأ المستبدين الشموليين والسفاحين في العالم، والذين تدعمهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دون قيد أو شرط، بينما يلومون "الإسلاميين" بزعم أنهم غير يمقراطيين بما فيه الكفاية- ولكن فترة حكم الإخوان المسلمين تميزت بتوسع جوهري ونوعي للممارسة الديمقراطية في مصر.

باستخدام مؤشر "بولايتي آي في"، وهو أحد أدوات العلوم السياسية الرئيسية لقياس الاستبداد والديمقراطية، أوضح الباحثان شادي حميد ومريديث ويلر أنه في ظل حكم مرسي والإخوان المسلمين، بدأت مصر بالفعل في التحول نحو الديمقراطية

ورغم صعوبة الأوضاع حينذاك، إلا أن مصر أصبحت في فترة زمنية قصيرة أكثر ديمقراطية مما كانت عليه في ظل الأنظمة السابقة غير الإسلامية (وحتى المعادية للإسلاميين)، كما أنها أكثر ديمقراطية وانفتاحا مما هي عليه في ظل النظام الحالي.

عموما، يتجاهل التشهير الشامل والمنحاز بالحركات "الإسلامية" والإسلام السياسي وجود اتجاهات إسلامية ديمقراطية، على غرار الإسلامية التقدمية، رغم أن هذا التعبير في نظر كثيرين يبدو متناقضا.

المصدر: ميدل إيست آي