خلاف سعودي إماراتي حول اتفاق "أوبك+" يستبطن في طيّاته خلافات حادة وقديمة بين الطرفَين، يبدو أنها بدأت تطفو على السطح.

طبيعة العلاقات بين البلدَين

السعودية والإمارات جارتان وعلاقتهما التاريخية ودّية للغاية، وقد شهدت العلاقات بينهما في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز آل السعود تطورًا ملحوظًا في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بسبب أهدافهما المشتركة وقيادتهما لدول التحالف العربي في الحرب على اليمن.

تأسَّست في مايو/ أيار 2014 لجنة عليا مشترَكة برئاسة وزيرَي الخارجية في البلدَين، وفي الشهر نفسه من عام 2016 جرى التوقيع على اتفاقية إنشاء مجلس تنسيقي مشترَك في الأمور ذات الاهتمام المشترَك.

وفي حزيران/ يونيو عام 2018، أطلقت السعودية والإمارات "استراتيجية العزم"، التي تتضمن رؤية مشتركة للتكامُل اقتصاديًّا وتنمويًّا وعسكريًّا، عبر 44 مشروعًا استراتجيًّا مشتركًا.

وبإلقاء نظرة على الاقتصادَين السعودي والإماراتي، نجدُ أن كلتا الدولتين تحتلان الصدارة ضمن أكبر اقتصاديات الشرق الأوسط، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي للمملكة العربية السعودية 786.5 مليار دولار، تليها الإمارات بناتج إجمالي محلي يبلغ 414 مليار دولار.

في حين تعدّ العلاقات التجارية والاقتصادية بين الإمارات والسعودية هي الأكبر بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث السعودية هي الشريك التجاري العربي الأول والثالث عالميًّا للإمارات، وبذلك أطلقَ مركز اللوجستيات السعودي مبادرة حكومية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، لدعم نمو قطاع الخدمات اللوجستية في المملكة العربية السعودية بالتعاون مع الإمارات، سعيًا نحو الاستفادة من الخبرات الإماراتية بوصفها رائدة في الخدمات اللوجستية.

بالإضافة إلى ذلك ناقشت السعودية والإمارات في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، أثناء مشاركة ولى العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الاجتماع الثاني لمجلس التنسيق السعودي الإماراتي، الذي عُقد في أبوظبي؛ مشروعَ إنشاء مصفاة للنفط الخام في ولاية ماهاراشترا الهندية بتكلفة لا تقل عن 70 بليون دولار.

تأتي الإمارات في طليعة الدول المستثمرة في السعودية بقيمة إجمالية تزيد عن 34 مليار درهم، وهناك أكثر من 30 شركة ومجموعة استثمارية إماراتية تنفِّذ مشاريع كبرى.

في المقابل، تجاوزت الاستثمارات السعودية المباشرة في الإمارات 16 مليار درهم، كما يركز البلدان على استخدام التكنولوجيا المتقدِّمة لتعزيز النمو الاقتصادي كجزء من خطط التنمية الأوسع نطاقًا، خاصة عبر قطاعات الطاقة والاتصالات والسيارات والبناء.

جذور الخلافات بين البلدَين التاريخية والمستجدّة

المحطة الأولى: النزاع الحدودي

بدأ الخلاف مع محاولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إبّان تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، ضمّ إمارتَي قطر والبحرين إلى الاتحاد الإماراتي، لتكون 9 إمارات وليست 7 كما هو الحال الآن.

تقع منطقة خور العديد في مدار الخلاف بين البلدَين على المنطقة الساحلية الفاصلة بين الإمارات وقطر، وكانت هذه النقطة بالتحديد السبب في اعتراض المملكة العربية السعودية على إنشاء جسر بَحريّ بين الإمارات وقطر عام 2005.

وبعد العديد من المناورات بين البلدَين، وقّعت السعودية والإمارات اتفاقية حدودية عام 1974، عُرفت باتفاقية جدة، والتي نصَّت على امتلاك السعودية الساحل الذي يفصل بين قطر والإمارات، وضمنت عدم قيام تحالُف بين البلدَين قد يُعتبر تحالفًا قويًّا يبسطُ سيطرته معها على منطقة الخليج العربي.

كما نصَّت الاتفاقية على تحديد الحدود بين البلدَين، حيث تنازلت السعودية عن جزء من واحة البريمي مقابل الحصول على ساحل بطول حوالي 50 كيلومترًا، يفصل بين دولة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، وكذلك امتلاك حقل شيبة الذي يمتدّ جزءٌ منه داخل أراضي الإمارات، كما حصلت على جزيرة الحويصات.

في عام 1999 قاطعت دولة الإمارات العربية المتحدة، وبدعم من سلطنة عُمان، كعلامة على الاحتجاج، مؤتمرَ وزراء الخارجية والنفط لدول مجلس التعاون الخليجي في السعودية، الذي عُقد بالتزامن مع تدشين حقل للنفط في شيبة، بذريعة أن الدولة المضيفة لا تَشرَك الإمارات في تقاسُم عائدات النفط من هذا الحقل، على الرغم من اتفاقية جدة عام 1974. 

ظلت الأمور بين البلدَين محايدة حتى وفاة الشيخ زايد، ومع تولي ولي العهد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، تمّت إثارة هذه الاتفاقية بين البلدَين خلال أول زيارة للرياض في ديسمبر/ كانون الأول 2004، حيث تعتبر الإمارات هذه الاتفاقية ظالمة لها، وتقول إنها وقّعتها في ظروف استثنائية، بينما تعتبر السعودية أن الاتفاقية جارية وأن من حقّها منطقة خور العديد.

في عام 2006 أصدرت الإمارات في كتابها السنوي خرائط جديدة، يظهر فيها خور العديد تابعًا للمياه الإقليمية الإماراتية، وفي تصعيد من قبل السعودية أوقفت المملكة عام 2009 دخول المواطنين الإماراتيين إلى أراضيها باستخدام بطاقات الهوية كما هو معمول به، وذلك احتجاجًا منها على قيام الإمارات بتغيير خريطتها الجغرافية الموجودة على بطاقات الهوية بين مواطنيها.

ردّت وزارة الخارجية الإماراتية على القرار السعودي مطالبتها الإماراتيين الراغبين في السفر إلى السعودية، أو عبور أراضي المملكة برًّا إلى دول مجلس التعاون، استخدام جوازات سفرهم بدلًا من بطاقات الهوية.

وفي يونيو/ حزيران 2009، أوقفت السعودية آلاف الشاحنات عند المعبر الحدودي بينها وبين دولة الإمارات، كنتيجة للتوترات، وأوضحت ذلك على أنه جزء من تعزيز الرقابة على دخول السيارات من الإمارات إلى أراضيها.

في عام 2010 كادت العلاقات أن تنقطع بين البلدَين، عندما أطلق زورقان تابعان للإمارات النار على زورق سعودي في خور العديد، وتمّ احتجاز اثنَين من أفراد الحرس الحدود السعودي، وحتى الآن الحدود البحرية بين البلدَين غير متّفق عليها.

المحطة الثانية: اليمن

عاد الحديث عن الخلاف السعودي الإماراتي في الساحة اليمنية إلى واجهة التحليلات الإخبارية، بعد صدور بيان المجلس الانتقالي الجنوبي عن الإدارة الذاتية من قلب أبوظبي، فيما تلاه ردٌّ سعودي يطالِب المجلس بعودة الأوضاع في جنوب اليمن إلى سابق عهدها.

بدا الخلاف واضحًا منذ عام 2015 بين أبوظبي التي تضع ضمن أهدافها محاربة حزب "الإصلاح" اليمني، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، والرياض التي تستضيف قيادات الحزب وتتعاون مع أذرعه العسكرية لمساندة قوات الرئيس عبد ربه منصور هادي في حربها ضد الحوثيين.

وفي عام 2017، اعتقلت القوات الإماراتية في مطار عدن قائد قوات اللواء الرابع حرس رئاسي، العميد مهران القباطي، المحسوب على الرئيس عبد ربه منصور الهادي، وعلى أثر ذلك أصدر الرئيس عبد ربه منصور الهادي قرارًا بإقالة عيدروس الزبيدي محافظ عدن، وتعيين عبد العزيز المفلحي خلفًا له، في حين يُعتبر الزبيدي من أبرز وأهم القيادات الجنوبية الموالية للإمارات.

وفي عام 2019، شكّل إعلان الإمارات عن تخفيض وانسحاب بعض قوّاتها في اليمن، نقطةَ خلاف جديد في الملف اليمني. ففي حين اعتبر البعض أن مثل هذه الخطوة عبارة عن إعادة انتشار استراتيجي ناتج عن قيام الإمارات بتدريب قوات يمنية خلفًا لها في المنطقة، فسّر البعض في المقابل أن مثل هذه الخطوة تأتي تحت إطار الدبلوماسية التي تسعى الإمارات من خلالها إلى حلّ الخلافات مع طهران.

المحطة الثالثة: المصالحة مع قطر

بات واضحًا أن الإمارات كانت تتحكم بمواقف دول الحصار الثلاثة الأخرى (السعودية، البحرين، مصر) تجاه قطر. فقد بدأت السعودية تقارُبًا مع قطر من أجل تحسين صورتها أمام الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة جو بايدن، ذات التوجُّه الليبرالي، من خلال القوة الناعمة القطرية، وكذلك الرغبة السعودية في تهدئة الأوضاع من أجل تمويل مشروع "اليوم" بعد الأزمة الاقتصادية التي سبّبتها جائحة كورونا.

في المقابل اتّسمت العلاقات بين السعودية والإمارات في هذه الفترة بالبرود، ولم تعد كما كانت سابقًا، وأوضحت صحيفة "فاينانشال تايمز" في تقرير لها: "تشعر أبوظبي بالقلق من سرعة المصالحة مع الدوحة".

كما تعتبر الصحيفة أن عودة قطر إلى سابق عهدها في العلاقة مع السعودية ستُخسرها الكثير من نقاط القوة في تحالفها مع السعودية، وخصوصًا في التحالفات والاتفاقات الاقتصادية، وأيضًا في الدور السياسي في المنطقة، الذي يمكن أن تؤديه الدوحة في تقريب وجهات النظر بين السعودية وإيران أو بين السعودية وتركيا، وهذا كله على حساب الدور الإماراتي الذي يبدو أنه يتراجع، خصوصًا بعد خطوة التطبيع الأخيرة مع "إسرائيل".

المحطة الرابعة: الطاقة

شهد مطلع يوليو/ تموز 2021 سلسلة تطورات توحي بتصاعُد الخلافات وبشكل متسارِع بين السعودية والإمارات، العضوتَين الجارتَين في مجلس التعاون الخليجي.

ولفتت صحيفة "فايننشال تايمز" إلى "تباعُد مصالح الرياض وأبوظبي مرة أخرى حول قضايا تتراوح بين إنتاج النفط واليمن والتطبيع مع "إسرائيل" وطريقة التعامل مع جائحة كورونا".

أول مؤشِّر أظهر تصدّعًا في العلاقة بين البلدَين للعيان، كان قرار السعودية وقف الرحلات من الإمارات وإليها في ظل تفشّي متحورات كورونا اعتبارًا من الأحد 4 يوليو/ تموز، بعدما أصدرت الداخلية السعودية قرارًا بمنع سفر المواطنين، دون الحصول على إذن مسبق من الجهات المعنية، إلى كل من الإمارات وإثيوبيا وفيتنام. وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تضجّ وتثير جدلًا حول الهدف من وضع الجارة والحليفة الإمارات في قائمة واحدة مع دول مثل أفغانستان وبنغلاديش وفيتنام.

ردّت الإمارات على الخطوة السعودية بإعلان شركة طيران الإمارات تعليق جميع رحلات الركاب من وإلى السعودية حتى إشعار آخر، وخلال مشاورات بين أعضاء التحالف "أوبك+" في أوائل يوليو/ تموز 2021 حول تمديد اتفاق خفض الإنتاج مع تعديلات، عبّرت الإمارات عن دعمها لزيادة الإنتاج اعتبارًا من أغسطس/ آب "دون أي شروط"، ووصفت الاتفاق القائم بأنه "غير عادل" للإمارات، ما أفشل المصادقة على الاقتراح الروسي السعودي بشأن تمديد الاتفاق.

وأكّد وزير الطاقة السعودي عبد العزيز بن سلمان في 4 يوليو/ تموز أنه تم قبول العرض السعودي الروسي في "أوبك+" من الجميع باستثناء الإمارات.

وفي 5 يوليو/ تموز 2021، نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر تأكيدها أنه تمّ تأجيل اجتماع "أوبك+" الذي كان مقرّرًا يوم الاثنين الماضي، فيما لم يتم حتى الآن تحديد موعد جديد وسط خلاف سعودي إماراتي، ونشب الخلاف عندما اعترضت الإمارات على تمديد مقترح لقيود الإنتاج لـ 8 أشهر إضافية. 

خلاصة القول

هناك تبايُن بين البلدَين بشأن بعض المسارات السياسية والاقتصادية، منها حدوث تحسُّن في العلاقة بين السعودية وقطر وتركيا، مقابل التطبيع السريع بين الإمارات و"إسرائيل".

كما إن "الديناميكيات العالمية المتغيرة"، بما في ذلك تلك الناجمة عن انتخاب جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة، أدّت إلى سعي السعودية في تغيير سياستها الخارجية تجاه بعض الدول، ما يتعارض مع سياسة أبوظبي، خصوصًا في الملف القطري والتركي.

وقد أدّى هذا التوتر أيضًا إلى تضخيم الخلافات الموجودة مسبقًا، مثل تلك المرتبطة بالسياسات النفطية والمنافسة الاقتصادية، وفي الوقت ذاته إن العلاقة بين قيادة البلدَين ليست قوية كما كانت من قبل، وقد تصبح أقلّ قدرة على احتواء التداعيات المحتملة لهذه الخلافات.