الرئيس التونسي قيس سعيد يعلن تشكيل حكومة جديدة في تونس يوم 11 تشرين الأول/ أكتوبر.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في 29 أيلول/ سبتمبر، أثار الرئيس قيس سعيد الدهشة في تونس بتعيين الأستاذة الجامعية غير المعروفة نجلاء بودن رمضان على رأس الحكومة. ورغم أن هذه اللحظة ستُخلّد في التاريخ - لأن نجلاء بودن أصبحت أول امرأة ترأس حكومة في العالم العربي - إلا أن هذا التعيين يأتي في أكثر الأوقات اضطرابا في تونس منذ اندلاع ثورة 2011، والتي أشعلت ثورات الربيع العربي.

تولت بودن منصبها بعد شهرين من إقالة سعيد رئيس الحكومة السابق وتجميد البرلمان في 25 تموز/ يوليو، مما أثار مخاوف من عودة البلاد إلى الحكم الاستبدادي.

رحبت نسبة كبيرة من التونسيين باستيلاء الرئيس على السلطة. وقد ساهم الاقتصاد المتعثر والفساد المستشري وتزايد حالات الإصابة بفيروس كوفيد-19 في خيبة الأمل الشعبية العارمة من أداء الأحزاب السياسية.

لكن المدافعين عن قرارات سعيد مخطئون في اعتقادهم بأن العودة إلى حكم الرجل الواحد قد يحل مشاكل تونس. لم تخدمنا الدكتاتورية في عهد الرئيس زين العابدين بن علي، ولن تخدمنا اليوم. إن تونس بحاجة إلى إقامة الدعائم الحقيقية المطلوبة لتعزيز ديمقراطيتها التي تحققت بعد تضحيات كبيرة، وأكثرها إلحاحا إنشاء محكمة دستورية وتحقيق العدالة الانتقالية.

لو كان سعيد قد شرع بتنفيذ إصلاحات كبرى، ربما كان الشعب سيقبل بسهولة أكبر فكرة الاستيلاء على السلطة. لكنه للأسف لم يفعل ذلك، ويتصاعد السخط حاليا حتى في صفوف أولئك الذين رحبوا في البداية بهذه الإجراءات الاستثنائية.

في 22 أيلول/ سبتمبر، أصدر سعيد مرسوما يحد بشكل كبير من سلطة رئيس الحكومة الجديد، وكان لهذه التحركات تداعيات خطيرة على سيادة القانون، في خضم حالة طوارئ بدأت منذ الهجمات الإرهابية سنة 2015، ولا يبدو أنها ستنتهي قريبا.

تنبع الأزمات التي واجهناها في السنوات الأخيرة من سياسة التوافق التي أفسدت العملية الديمقراطية. وقد أعاق التحالف بين الإسلاميين وحزب نداء تونس العلماني اتخاذ إجراءات جريئة بشأن قضايا مهمة مثل إنشاء المحكمة الدستورية.

يقول أنصار سعيد إن أجندة حزب النهضة الإسلامي الذي يحظى بأغلبية في البرلمان الحالي عرقلت تحقيق مطالب الثورة، ويرى هؤلاء أن انتخابات شهر تشرين الأول/ أكتوبر سنة 2011، التي جعلت من النهضة أقوى الأحزاب في البلاد، مثلت نقطة الانطلاق للوضع الحالي. ويتغاضى أنصار الرئيس تماما عن التغييرات العديدة التي شهدها الوضع السياسي في البلاد خلال السنوات التي تلت تلك الانتخابات. فقد صدر الدستور الجديد سنة 2014 بعد حوار وطني واسع النطاق، وكان يهدف إلى درء شبح الاستبداد من خلال ضمان الحريات الأساسية والضوابط والتوازنات التي تحقق الاستقرار.

في الواقع، أنصار سعيد على حق عندما ينتقدون النهضة ويحملونها مسؤولية الإخفاق، حيث أهملت الأجندة الثورية وركزت في المقابل على تعزيز سلطتها. وقد دفعها ذلك الهوس إلى تشكيل تحالفات مع شبكات النظام القديم في سلك الشرطة والقضاء والإعلام. ولم تعارض حركة النهضة الإصلاحات الثورية فحسب، بل صادقت أيضا على قوانين "المصالحة" الرامية إلى إعادة دمج أقطاب الفساد.

تنبع الأزمات التي واجهناها في السنوات الأخيرة من سياسة التوافق التي أفسدت العملية الديمقراطية. وقد أعاق التحالف بين الإسلاميين وحزب نداء تونس العلماني اتخاذ إجراءات جريئة بشأن قضايا مهمة مثل إنشاء المحكمة الدستورية.

رسميا، كانت انتخابات 2014 و2019 حرة ونزيهة، لكن السلطات تغاضت عن التمويل الانتخابي غير المشروع. أدى ذلك إلى انتخاب نواب متهمين بالرشوة والتهريب، وحتى بالاعتداء الجنسي على الأطفال، رغم أن هيئة الانتخابات كانت تطلب من المرشحين الإدلاء بسجلهم الجنائي. لم يلتزم أحد بذلك، وكانت النتيجة برلمانا أثار أداؤه غضب التونسيين.

لدينا اقتصاد تقوده المحسوبية، وتسيطر عليه حكومة متواطئة مع الفساد تقصي رواد الأعمال الشباب. ينتهي المطاف بمعظم قضايا الفساد في المحاكم المالية، حيث يكون لشبكات المافيا نفوذ كبير ويبقى المشتبه بهم أحرارا.

تمر تونس بمرحلة صعبة في سعيها نحو الديمقراطية، لكن تجربة الانتقال الديمقراطي لم تمت، رغم آراء المتعصبين الذين يزعمون أن مصير البلاد الحتمي هو الاستبداد

لن يحل الحكم الفردي المطلق هذه القضايا، وهناك حلول ديمقراطية قابلة للتطبيق، وهي تحتاج فقط إلى التنفيذ. أنشأت هيئة الحقيقة والكرامة، التي تأسست بعد الثورة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والفساد في العهد السابق، نظام محاسبة قضائي نجح في إحالة عشرات قضايا الفساد إلى محاكم متخصصة. وقد واجهت هذه الإجراءات مقاومة من نقابات الأمن التي ترفض احترام القضاء، بتواطؤ من وزارة الداخلية.

وقد أصدرت الهيئة تقريرا سنة 2019 يوصي بإجراء إصلاحات تشمل محاربة الفساد والحد من الإفلات من العقاب. ومن خلال تنفيذ مثل هذه الإصلاحات، يمكن للتونسيين أن يشرعوا في القضاء على الفساد وتحقيق العدالة لأولئك الذين عانوا من جرائم النظام السابق. لكن الفشل في مقاومة الفساد وتطبيق العدالة الانتقالية شكل عاملا رئيسيا في زعزعة استقرار البلاد.

بدأت عملية الانتقال في تونس - وهي بالأساس عملية لتغيير البنية المؤسسية للنظام - منذ 10 سنوات فقط، وهذه مجرد ومضة من تاريخنا. أطاحت المجر وبولندا بالشيوعية قبل ثلاثة عقود وما زالتا تواجهان تحديات ديمقراطية حتى بعد الانضمام للاتحاد الأوروبي، وستشق تونس طريقها إلى الديمقراطية مجددا رغم هذه الأزمات.

تمر تونس بمرحلة صعبة في سعيها نحو الديمقراطية، لكن تجربة الانتقال الديمقراطي لم تمت، رغم آراء المتعصبين الذين يزعمون أن مصير البلاد الحتمي هو الاستبداد. لقد دحض التونسيون بوضوح وبشكل لا رجعة فيه تلك الفكرة من خلال الثورة التي أطاحت بالديكتاتور، ولن يحكمهم ديكتاتور آخر. يتعين على قيس سعيّد أن يفهم أنه لا توجد دولة ناجحة بدون مؤسسات شرعية. لذلك، فإن تونس بحاجة إلى ديمقراطية أقوى، وليس العودة إلى الحكم الاستبدادي.

المصدر: واشنطن بوست