حالة من الصدمة تخيم على الشارع المصري - لا سيما البسطاء منه - بعد اعتماد وزير السياحة والآثار خالد العناني، للضوابط المنظمة لرحلات العمرة والأسعار المحتملة للموسم الجديد عقب فتح السعودية باب العمرة لمصر، فقد تجاوزت الأرقام إمكانيات السواد الأعظم من المصريين.

كان الكثير يتوقع ارتفاعًا نسبيًا في أسعار العمرة والحج بعد توقف دام طويلًا بسبب جائحة كورونا، تكبدت فيه شركات السياحة عشرات الملايين من الخسائر، فيما أجبرت أخرى على غلق أبوابها بالكلية، في ظل عدم قدرتها على تحمل أعباء الإغلاق وكلفة الاستمرار، لا سيما أن الرؤية لم تكن واضحة في ظل تجاهل تام من الحكومة لوضعية تلك الشركات، غير أن ما تم إعلانه فاق التوقعات كافة، إذ لا يمكن لأبناء الطبقة المتوسطة أو المتدنية أداء هذه الشعيرة، وبحسب عضو الجمعية العمومية لغرفة شركات السياحة ورئيس مجلس إدارة إحدى شركات العمرة والحج، باسل السيسي، فإن "هناك اتجاهًا واضحًا من الجانبين المصرى والسعودي بأن يكون عدد المعتمرين محدودًا هذا الموسم".

زيادة بنسبة 100%

تشير الأسعار الأولية التي أعلنها وزير السياحة إلى زيادة تبلغ 100% مقارنة بما كانت عليه في 2019 قبيل الجائحة، التي لم تتجاوز 12.5 ألف جنيه سعر المستوى (الاقتصادي) لمدة 15 يومًا و14 ليلة، و15 ألف جنيه سعر مستوى (4 نجوم)، و20 ألف جنيه مستوى (5 نجوم) لمدة 10 أيام و9 ليالٍ، وأخيرًا 25 ألف جنيه مستوى (5 نجوم مميز) لمدة 6 أيام و5 ليالٍ، فيما كانت عدد التأشيرات المخصصة لمصر وقتها 500 ألف تأشيرة.

أما الأسعار المتوقعة للموسم الحاليّ فتبلغ 25 ألف جنيه سعر المستوى (الاقتصادي) لمدة 9 ليالٍ و10 أيام، و30 ألف جنيه سعر مستوى (4 نجوم) لمدة 9 ليالٍ و10 أيام، و40 ألف جنيه مستوى (5 نجوم)، فيما تتراوح أسعار العمرة مستوى (5 نجوم) بين 60 لـ70 ألف جنيه، وسط عدم وجود أرقام معلنة رسميًا بعدد التأشيرات الممنوحة لمصر.

خسائر الشركات منذ بدء الجائحة وصلت 2.5 مليار جنيه، بسبب وقف رحلات الحج والعمرة، ما دفع الكثير من الشركات إلى غلق أبوابها

الخبير السياحي علاء الغامري، أرجع هذا الارتفاع في أسعار العمرة هذا العام إلى عدة متغيرات أبرزها إجراء السعودية تغييرات في إجراءات التأشيرات، هذا بخلاف الرسوم الإضافية نتيجة الإجراءات الاحترازية الخاصة بالوقاية من فيروس كورونا التي سيتم تطبيقها للمرة الأولى، منوهًا أن المعتمر وفق التعليمات الجديدة عليه إجراء مسحة للفيروس مرتين، الأولى عند وصوله جدة والثانية عند المغادرة بعد إنهاء مناسك العمرة، بجانب فرض كلفة التأمين الصحي للمعتمر حال تعرضه لأي أزمة صحية داخل السعودية.

بجانب تلك الضوابط، اشترطت وزارة السياحة المصرية مشرفًا لكل 15 معتمرًا، مقارنة بمشرف لكل 50 معتمرًا في السابق، وهو ما يزيد من التكلفة الإجمالية لبرنامج العمرة، الأمر الذي من المرجح أن ينعكس على أسعار العمرة بالنسبة للشركات التي تسعى لتعويض تلك النفقات الزائدة.

ضبابية وترقب

تواجه شركات السياحة الدينية خلال السنوات الماضية أزمات خانقة، فالنسبة الكبرى من تلك الشركات تعتمد في 75% من دخلها ‏على رحلات العُمرة والحج خلال العقد الأخير، بعد تراجع السياحة الخارجية من جانب، والاضطرابات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية من جانب آخر.

وفي يونيو/حزيران 2021 تقدمت أكثر من 2500 شركة سياحية باستغاثة لرئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي وجميع الجهات الحكومية المعنية، للتدخل العاجل من أجل إنقاذها من إعلان إفلاسها رسميًا، في ظل عدم القدرة على الوفاء بالتزاماتها وغياب السيولة المالية لتغطية نفقاتها.

وتشير التقديرات إلى أن خسائر الشركات منذ بدء الجائحة وصلت 2.5 مليار جنيه، بسبب وقف رحلات الحج والعمرة، ما دفع الكثير من الشركات إلى غلق أبوابها بسبب عدم قدرتها على دفع الرواتب، بحسب غرفة شركات السياحة التابعة للاتحاد المصري للغرف السياحية.

مع تحويل المقدسات الإسلامية إلى "سبوبة" وما فرضته المستجدات الوبائية الدولية، باتت الشعائر الدينية وبعض العبادات حكرًا على الأغنياء فقط، فيما يكتفي غير القادرين بالجلوس أمام شاشات التلفاز للمتابعة

الوضعية الصعبة لشركات السياحة ستدفعها بلا شك لاستغلال الانفراجة الحاليّة المتمثلة في إعادة فتح العمرة مجددًا، لتعويض ما تكبدته من خسائر، وذلك عبر رفع الأسعار نسبيًا، فوق الأسعار المرتفعة بطبيعة الحال بسبب الضوابط التي فرضتها المملكة، وهو ما يعزز من فرضية أن العمرة هذا العام ستكون للقادرين فقط.

وبجانب مسار الأسعار المرتفعة، هناك حالة من الضبابية تخيم على الأجواء في ظل عدم اتضاح الرؤية بشكل كامل بشأن عدد التأشيرات المقرر أن تمنحها السعودية لمصر، ونصيب كل شركة من تلك التأشيرات التي على أساسها توضع البرامج الخاصة والجدول الزمني وتحديد الميزانية المطلوبة.

وتحاول بعض الشركات استحداث برامج سفر بديلة بأسعار أقل نسبيًا لكن هذا مرتبط بشكل أو بآخر بعدد التأشيرات الممنوحة لوزارة السياحة المصرية، التي يخشى البعض أن يتحول جزء كبير منها إلى "المجاملات والهدايا والترضيات" التي تمنحها الحكومة لبعض وزاراتها وهيئاتها السيادية.

التحذير من فخاخ النصب

ربما تقود الأسعار المرتفعة بعض الراغبين في أداء الشعيرة هذا العام إلى الأبواب الخلفية بحثًا عن فرصة للسفر بأسعار مخفضة تقدمها جهات غير معروفة، وهو ما يسيل لعاب الشركات الوهمية والأشخاص الضالعين في مثل تلك الممارسات، الأمر الذي قد يوقع المواطنين في فخاخ النصب، حيث تنتشر في الآونة الأخيرة العديد من الصفحات على منصات التواصل الاجتماعي للترويج للعمرة وفق برامج بأسعار أقل بكثير مما هو معلن رسميًا، وهو ما يحذر منه الخبراء والمعنيون الذين ناشدوا الراغبين في العمرة بالتعامل مع شركات سياحة معتمدة، والاطِّلاع  بشكل تفصيلي على برنامج العمرة كاملًا، ونوع الفندق الذي سيقيم فيه المعتمر ومختلف التفاصيل لتجنب تعرضهم لعمليات الاحتيال.

وكثيرًا ما شهدت السنوات التي سبقت الجائحة مئات الحالات التي سقط فيها الراغبون في أداء العمرة في مستنقعات النصب وهو ما يعرضهم إما لخسارة أموالهم قبل السفر وإما إعادتهم من المطار، ومن ينجح منهم في اختراق الأراضي السعودية يعاني هناك من غياب الخدمات والتسهيلات التي كان يتوقع الحصول عليها في أثناء أداء العمرة.

ومع تحويل المقدسات الإسلامية إلى "سبوبة" وما فرضته المستجدات الوبائية الدولية، باتت الشعائر الدينية وبعض العبادات حكرًا على الأغنياء فقط، فيما يكتفي غير القادرين بالجلوس أمام شاشات التلفاز لمتابعة تلك الشعائر عن بعد حتى إشعار آخر.