حَريّ بكل كاتب مؤمن بالديمقراطية والتعايش أن يسمّي كل أدعياء القومية العربية بالانقلابيين العرب، وأن ينزع عنهم في نصه كل صفة قومية، فقد كشفت الوقائع أن هذا التيار بكل مسمياته في كل قطر هو عدو صريح للديمقراطية، ولم يكن عبر تاريخه وخاصة بعد ثورة الربيع العربي إلا رديفًا للانقلابات ومخرّبًا لكل محاولات التعايش.

نكتب هذا ونحن نتابع ورطة أدعياء القومية التونسيين وهم يغصّون بنتائج مساندتهم لانقلاب قيس سعيّد على العملية الديمقراطية، خاصة بعد أن تبيّنت نوايا حكومة الانقلاب في التفويت في مؤسسات القطاع العام خضوعًا لشروط مؤسسات الإقراض الدولية.. مَن هؤلاء القوميون ولماذا يحاربون الديمقراطية؟

وحدة الأمة العربية فكرة غالية على الناس

تحوّلت هذه الفكرة المؤسسة (دون أن أعود هنا إلى المعركة ضد التتريك) إلى مهجة شعبية يتجدد بريقها ويشعّ مع كل اعتداء على الشعب الفلسطيني، أو حتى انتصار لاعب كرة قدم عربي في ملاعب أوروبا، لقد أفلح القوميون المؤسّسون في الربط بين توحيد الأمة وتحرير الأرض المحتلة، وقد سافر مقاتلون عرب من تونس والجزائر والمغرب للمشاركة في حرب 48 حتى قبل أن تحدث انقلابات عسكرية في الشرق وتستولي على الفكرة القومية وتبني عليها أنظمتها، لقد كان كل العرب عروبيون قبل أن يظهر القوميون الانقلابيون.

في مرحلة تأسيس الدول في المشرق، كانت الفكرة القومية وسيلة لإنقاذ الانقلابات العسكرية من الفشل وصرف أنظار الناس إلى معركة أكبر من همومهم اليومية التي ينتظرون من الدول/ السُّلط أن تعالجها، فوجدوا أنفسهم مجنّدين في معركة لا يعرفون حدودها، ومع الوقت لم يروا الأنظمة تتقدّم على طريق المعركة القومية ولكنها تتحول إلى أدوات اضطهاد وقهر وتدمير للفرد العربي، الذي كان في خطابها لبنة بناء الأمة فلم تبنِ به الأمة ودمّرته.

في الربع الأخير من القرن العشرين (أي بعد ربع قرن من الحكم القومي في 5 بلدان على الأقل) كانت هناك قناعة عامة لدى أفراد الأمة المحطمين، ليس هناك أي فرق بين الأنظمة الانقلابية ذات العنوان القومي والأنظمة غير الانقلابية المتهمة من قبل القوميين بالرجعية والخيانة، بل إن النتائج الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأنظمة الرجعية (الخائنة للأمة) كانت أفضل ويمكن قياس الأردن إلى سوريا وتونس إلى ليبيا والمغرب إلى الجزائر، دون الأخذ بعين الاعتبار الأنظمة ذات الريع النفطي.

لقد استغل القوميون المزيفون فكرة وحدة الأمة، وابتزوا بها عواطف الناس الذين كانت مهجتهم قبل القوميين في القدس وأكنافها، لقد سرقوا روح الأمة ليحكموا بها لكن الأمة وعت وحسمت، فكان فشل هذه الأنظمة وفشل كل من يعلن الانتماء إليها، وقد كانت لهذه الشعوب فرصة وزن هؤلاء بالصندوق الانتخابي، فوزنوهم في الربيع العربي بأبخس الأسوام لذلك نفهم حربهم على الديمقراطية الكاشفة الفاضحة.

هؤلاء القوميون لا وزن لهم على الأرض ووجب التعامل معهم سياسيًّا كشيء صغير غير مؤثر، لكن مهجة وحدة الأمة لم تَمُت، لقد تمّت استعادتها بشعار "الشعب يريد تحرير فلسطين" الذي لم يبتدعه القوميون ولم يرفعوه.

الحالة التونسية نموذج للتحليل

عندما حكم الإسلاميون ومن تحالف معهم في أول موجة الربيع العربي، سافرت وفودهم إلى غزة ولأول مرة منذ الاحتلال يدخل وزير خارجية دولة عربية زائرًا ومتضامنًا مع غزة، ورافقه وفد وزاري من أعلى مستوى لا ليملي شروط استسلام على غزة بل لدعم المقاومة، حينها كان القوميون العرب في تونس يصرخون بأن الثورة ما هي إلا ربيع عبري نظّمه الصهاينة ضد الأمة لتخريبها.

وعندما سافر الدكتور المرزوقي بعد انتهاء مهامه كرئيس لتونس في قافلة فكّ حصار على غزة، لعنه القوميون التونسيون لعنًا لم يلعنوه للعدوّ نفسه بتهمة المزايدة بالقضية، حتى تجرّأ بعضهم القول إن اعتقاله هي عملية تطبيع مع العدو (هكذا).

القوميون العرب في تونس هم الذين يرون في الانقلابي المصري وريثًا لعبد الناصر، رغم أن الانقلاب قد فكّك كل المؤسسات الاقتصادية التي بناها عبد الناصر ومنها مركب حلوان الصناعي، وهم من يرون في حفتر وريثًا لأمين الأمة العربية القذافي رغم أنه حارب القذافي وخانه في معارك مصيرية كلفه بها، وهم من يموّل نظام بشار بالمرتزقة ومن ينكر مجازره في مخيم اليرموك وفي غوطة دمشق، ولا يرون الروس في سوريا قوة احتلال ولا يشعرون بالزحف الشوفيني الفارسي على أرض العرب من الأهواز إلى غزة وصولًا إلى تونس.

هؤلاء هم قوميو تونس الذين ساندوا الانقلاب بلا تحفُّظ، ونحن نراهم يغالون في إسناده رغم انفضاض الشعب العربي في تونس من حوله، ما يدفعنا إلى السؤال الساخر الحزين في آن: إذا الشعب العربي التونسي رافض للانقلاب، فمن الشعب الذي سيوحّده القوميون حول فكرة الأمة العربية ذات الرسالة الخالدة؟ إن التوقيع مع الانقلاب (كل انقلاب) خيانة للشعب العربي.

العرب شعب يطلب الديمقراطية ويرفض القوميين

تتراكم الوقائع لتؤكد النفور من القوميين العرب ورفض مداخلهم إلى توحيد الأمة، فتجاربهم صارت في تقدير كثير من النخب والشعوب جرائم تستحق محاكمات أمام محاكم دولية، من العراق إلى الجزائر مرورًا بليبيا وسوريا.

نستشعر الموقف الشعبي والنخبوي في تونس، ونلتقط جُملًا وعلامات على أن وقوفهم مع انقلاب عسكر مصر وحفتر ليبيا قد قلّص كل ميل عقلاني إليهم، لذلك نظن بيقين أن ذلك هو سبب انخراطهم في انقلاب قيس سعيّد والدفاع عنه حتى اللحظة، لأن فشل انقلاب تونس سيكون إعلان نهاية القوميين العرب في تونس.

لقد قطعوا وشائج كثيرة تربط بعضهم بالنخب المثقفة، وتربط كثيرًا منهم بالشعب المفقر خاصة في الجنوب الذي كان كثير من فقرائه يعيش من التجارة مع ليبيا، وقد قطع القوميون هذه الطريق بنصرتهم حفتر ومن معه، إننا نراهم يحتمون بالانقلاب وهي عملية هروب إلى الأمام، لأن الوراء أو التراجع لم يعد ممكنًا، وليس لهم في النقد الذاتي تقاليد.

انقلاب عربي آخر فاشل لا نصير له سوى القوميين العرب، أعني الانقلابيين العرب وقد حقّت عليهم التسمية، وربّ انقلاب يفضح أعداء الديمقراطية ويأخذهم معه في طريق الفناء السياسي.