حالة من الشد والجذب تشهدها الأوساط السياسية المغربية في الآونة الأخيرة بسبب حزمة القرارات والقوانين التي تنتوي السلطات التشريعية في المملكة إقرارها خلال الفترة المقبلة، والتي تتعلق في معظمها بمنظومة الحريات وحقوق الإنسان، في ظل الخطوات الاستباقية للحكومة لتطويق المد الإرهابي الذي يحزم دول المنطقة من كل اتجاه.

قانون الإرهاب الذي أقرته الحكومة المغربية منذ سنوات لمواجهة كل ما من شأنه تهديد الأمن القومي للمملكة ألقى بظلاله القاتمة على المشهد الحقوقي بصورة عامة، لاسيما بعد امتداد عمله إلى المساس بحرية الصحافة، وهو ما جسدته قضية الصحفي علي أنوزلا، والذي اعتقلته السلطات المغربية أكتوبر الماضي بتهم متعلقة بالإرهاب، حيث شنت العشرات من المنظمات الحقوقية والإعلامية هجومًا شديدًا على هذا القانون، منوهة أن هذه القضية أظهرت أن "القضاء غير مستقل"، وهو مؤشر خطير يمس بحرية الصحافة حسب تعبير تلك المنظمات.

ويأتي مشروع قانون الصحافة الجديد الذي تقدم به مصطفى الخلفي وزير الاتصال، الناطق الرسمي باسم حكومة محمد السادس للبرلمان مؤخرًا، ليضيف حلقة جديدة من مسلسل الجدل الساخن بين الصحفيين والمهتمين بالشأن الحقوقي والبرلمانيين من جانب، والحكومة من جانب آخر، لاسيما في ظل الأجواء غير الإيجابية التي تغلف سماء حرية الإعلام في المملكة، والتي جسدها التقرير السنوي الخاص بالمؤشر العالمي لحرية الصحافة لعام 2015 لمنظمة "مراسلون بلا حدود" حيث حلّت المغرب في المركز الـ130 من بين 180 دولة، مما دفع القائمين على أمور الإعلام المغربي بصفة عامة والصحافة بصفة خاصة إلى إعلان حالة الطوارئ القصوى رفضًا لهذا القانون الذي يمثل انتكاسة جديدة للوراء حسبما جاء على لسان بعض البرلمانيين.

قانون الصحافة الجديد.. نقطة الخلاف

القانون المقدم من الحكومة للبرلمان شابه العديد من الخروقات التي رآها البعض كارثة لا يمكن تمريرها، وتتمثل نقطة الخلاف بين المعنيين بالصحافة ومشروع قانونها، في جزئية العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والرأي، حيث أبقت الحكومات في المغرب منذ عام 2000 على هذه العقوبة في جميع مشاريع القوانين التي تقدمها.

الحكومة سعت في المشروع المقدم إلى تهدئة الأوضاع ومحاولة إرضاء المعنيين بالإعلام في المغرب من خلال ترحيل العقوبات السالبة للحريات من قانون الصحافة إلى القانون الجنائي، وهو ما أعتبره البعض "تحايلًا" غير مقبول.

ونستعرض هنا أهم النقاط الخلافية فيما يتعلق بالعقوبات السالبة للحريات والتي تم ترحيلها للقانون الجنائي، أبرزها: تجريم إهانة علم المملكة ورموزها والإساءة إلى ثوابتها، ويعاقب عليها بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين، وغرامة من 20 ألفًا إلى 200 ألف درهم (من 2200 إلى 22000 دولار)، وترفع إلى السجن من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50 ألفًا إلى خمسمائة ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا ارتكبت بواسطة الخطب، أو الصياح، أو التهديدات، المتفوه بها في الأماكن العامة، أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم، أو بواسطة البيع، أو التوزيع، أو بواسطة كل وسيلة تحقق شرط العلنية بما في ذلك الوسائل الإلكترونية والورقية والسمعية البصرية.

كما نص على معاقبة مرتكبي جريمة التمييز والتحريض على الكراهية بواسطة الوسائل الإلكترونية أو الورقية بالحبس من سنة إلى 3 سنوات، وبالغرامة من 10000 إلى 100000 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، فضلًا عن تنصيصه على المعاقبة بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين، وبالغرامة من 20 ألفًا إلى 200 ألف درهم كل من ارتكب قذفًا أو سبًا أو مسًا بالحياة الخاصة للملك، أو لشخص ولي العهد، أو أخل بواجب التوقير والاحترام لشخص الملك، وهي العقوبات، التي تضاعف إذا ما ارتكبت بواسطة الوسائل الإلكترونية والورقية والسمعية البصرية.

برلمانيون: انتكاسة وعودة للوراء

شنّ عدد من البرلمانيين هجومًا عنيفًا على الحكومة بسبب مشروع قانونها الجديد، مطالبين بالتراجع عنه فورًا تجنبًا لنشوب أي صدامات جديدة بين النظام والشارع المتطلع لمزيد من الحريات لا لمزيد من القمع وتضييق الخناق.

النائب عن التيار الاشتراكي حسن طارق، أكد أن مشروع القانون بصيغته الحالية "تراجعي وارتدادي"، خاصة وأنه يسمح بملاحقة الصحفيين جنائيًا، فضلاً عن كونه بابًا مفتوحًا لازدواجية التكييف في بعض الحالات حسبما يرى القاضي دون نص واضح يحدد طبيعة الجرم وعقوبته.

طارق حذر من أن القانون الجديد حال تطبيقه سيقود البلاد إلى مزيد من التراجع الديمقراطي والمتابعات الانتقامية، وخاصة في غياب القضاة المتخصصين، وهو ما جسده ما حدث مع نقيب الصحافيين عبد الله البقالي، من متابعة وملاحقة قضائية بسبب أرائه ووجهات نظره، قائلاً: قطاع الإعلام والصحافة هو أحد الحقول المستعصية على الانتقال الديمقراطي، منذ نهاية التسعينات، لأن المنطق السياسي يجعل القوى المحافظة تقاوم أي نزعة ليبرالية.

عبد الله البقالي، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية ومدير نشر جريدة "العلم"، وصف مشروع القانون الجديد بـ "الانتكاسة الكبيرة والخطيرة في تاريخ الصحافة المغربية"، مطالبًا بضرورة التراجع عنه لأن "كارثة إعلامية وسياسية ستلحق ببلادنا إذا لم تتراجع الحكومة فورًا عن مشروع هذا القانون".

البقالي فند في بيانه الصادر مؤخرًا ما أوردته الحكومة بشأن تخفيف العقوبات ضد الصحفيين في القانون الجديد، مؤكدًا أن العقوبات تم زيادتها، حيث ضاعف القانون العقوبات الحبسية، وسيحاكم الصحافيون ولأول مرة بقانون الصحافة والقانون الجنائي وقانون الإرهاب وقانون المجلس الوطني للصحافة في نفس الوقت، مرجعًا ما وصلت إليه المملكة في الآونة الأخيرة من غياب إنجاز تشريعي قانوني للصحافة والنشر إلى العقوبات المناهضة للحريات والتي كانت "الفزّاعة" التي طالما وظفها الأمن لإرهاب الشعب المغربي في ظل سيطرة ثقافة المؤامرة على العقلية الأمنية في البلاد.

نقيب الصحافيين المغاربة أختتم حديثه بأن المشروع تعتريه إشكاليات متعددة، من بينها أن المسؤولية في القانون الجنائي شخصية، عكس قانون الصحافة، الذي تكون فيه المسؤولية مفترضة، وأن التنصيص على العقوبات الحبسية يطرح أكثر من سؤال حول من الذي سيُحبس؟ هل كاتب المقال؟ أم مدير النشر؟ أم الموزع؟ كما أن المشروع الحالي يلغي التنصيص على وجود سوء النية، وضاعف العقوبة السالبة للحرية، كما استعمل عبارات غامضة و مبهمة مثل الإساءة والإهانة.

التضييق على الحريات

ومن سهام النقد الموجهة لمشروع القانون الجديد أنه يمثل ضربة قاضية للحريات في البلاد، متجاهلاً السياق السياسي الزمني الذي تمر به المنطقة والعالم أجمع، وهو ما أشار إليه الدكتور علي كريمي، عضو اللجنة العلمية التي أعدت مشروع قانون الصحافة والنشر، والذي نوّه إلى أن القضايا الخاصة بالحريات قد قدمت في صورة مشاريع من قِبل السلطة التنفيذية دون الاستعانة بآراء المعنيين وهو ما يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون.

كريمي أكد في ندوة نظمت بالمعهد العالي للإعلام والاتصال مؤخرًا أنه لا يمكن قراءة القانون بمعزل عن الشرط السياسي الذي ولد فيه، مشيرًا أن أحداث الربيع العربي وسعت هامش الحرية ، ومن ثم كان لا بد أن يكون هناك قانون يواكب هذا السياق الجديد، كما أن الشروط السياسية تغيرت، وظهرت تقنيات جديدة في مجال الإعلام.

من جهتها استنكرت الإعلامية المغربية نجوى سايل العديد من بنود مشروع القانون، مشيرة أن هناك رغبة للعودة إلى الوراء بالتضييق على حرية التعبير والصحافة، وأن المرجع أصبح هو قانون 1958، في حين يجب أنه يتم النظر إلى الأمام والعمل على تطوير مجال الإعلام.

سايل أشارت إلى مفارقة يحيها الحقل الإعلامي المغربي تتمثل في اهتمام النقاش حو الإطار القانوني الراغب في تطويق التطورات التي يحملها الواقع، متجاهلاً ما يجب القيام به من رصد للعوائق التي تقف أمام قيام الإعلاميين بدورهم بحرية تامة، مع تذليل هذه العوائق.

نقابة الصحفيين: لا بد من سحب المشروع فورًا

النقابة الوطنية للصحافة المغربية لم تتطرق إلى مناقشة عورات القانون وكيفية معالجتها، بل طالبت فورًا بسحب مشروع القانون من البرلمان، مؤكدة أنه لم يتم التشاور معها في شأنه ومحذرة من "عقوبات سالبة للحرية".

طالبت النقابة في تقرير لها بالإسراع بسحبه من البرلمان"، لاسيما وهو لم يعرض عليها، مما يعد خروجًا عما هو متعارف عليه من التشاور فيما بين الحكومة والمعنيين بالإعلام حال مناقشة أي قوانين تمس العمل الصحفي، داعية أعضاء البرلمان ببذل قصارى الجهد للتصدي لهذا المشروع والتصويت ضده مهما كان الأمر، معربة عن تشاؤمها حيال مستقبل الصحافة لو استمر الوضع على ما هو عليه.

النقابة شكّكت في نوايا الحكومة حيال حرية الصحافة، لاسيما وهي لم تف بالتزاماتها السابقة القاضية بتطهير الممارسة الصحافية من العقوبات السالبة للحرية، مؤكدة أن هذه التعديلات تكتسي خطورة بالغة من حيث إنها تشرع اعتماد القضاء المغربي على القانون الجنائي في قضايا الصحافة والنشر.

الحكومة: جهد محمود وحملة غير موضوعية

من جهتها انتقدت الحكومة المغربية حملة الانتقادات الموجهة لمشروع القانون، مؤكدة أنها غير منصفة ولا تبنى على حقائق، حيث أرجع المتحدث باسم الحكومة مصطفى الخلفي هذا الجدل إلى تخلف البئية القانونية مقارنة مع البيئة الدستورية في مجال الصحافة بالمغرب، مضيفًا أن إصلاح ذلك الخلل يمثل حاليًا أولوية للحكومة.

الخلفي نّوه إلى أن التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية بشأن تراجع منسوب حرية الصحافة في المغرب يغلفه التوجه السياسي وغياب الموضوعية والعدالة، مشيرًا أن التقرير وضع دولاً تحبس الصحفيين وتمنع أو تغلق صحفًا ومواقع إلكترونية في مراكز متقدمة، في حين أن المغرب لم يعرف حكمًا نهائيا بحبس أي صحفي أو إغلاق وسيلة إعلامية قد وضعت في مرتبة متأخرة، على حد قوله.

أما النائب البرلماني سليمان العمراني من حزب العدالة والتنمية، الحزب الحاكم، فقد أبدى رضاه الكامل عن القانون، مثمّنًا الجهد المبذول فيه لإخراجه بهذه الصورة، قائلاً: "إن المتفحص لمقتضيات هذا المشروع سيجد أنه عمل فيه جهد مقدر، سواء على مستوى مطابقته مع مضامين دستور 2011، أو استفادته من القانون المقارن، خصوصًا التجربة الألمانية والإسبانية".

العمراني أشار أن من مزايا مشروع القانون الجديد عدم الجمع بين العقوبات السالبة للحرية والغرامات، كما تضمن جهدًا مقدرًا على مستوى تخفيض العقوبات السالبة للحرية.

ما المخرج؟

يتضح مما سبق أن صدامًا يلوح في الأفق بين الإعلام من جانب والحكومة والقضاء من جانب آخر حال تعنت الحكومة في التمسك بتمرير مشروع القانون الجديد للصحافة بصيغته الحالية، وهو ما يجب أن يعيه الجميع حتى لا يستيقظ الشعب المغربي على حرب غير معلنة قد تكون نواة لازمة داخلية - غير مبررة - تهدد أمن واستقرار المجتمع المغربي لاسيما في ظل التحديات الأمنية التي تواجهه على شريطه الحدودي.

ومن خلال قراءة متأنية لمشروع القانون يلاحظ أن حذف العقوبات السالبة للحريات من قانون الصحافة يعد أمرًا إيجابيًا، لكن ترحيل هذه العقوبات إلى القانون الجنائي مخالفة صريحة للقانون بشكل واضح، وهو ما يهدد عمل الصحفي ويقيد حريته في التعبير عن رأيه.

القانون بحاجة واضحة إلى إعادة نظر في ترحيل هذه العقوبات للجنائي، كما لا بد من تجنب هوامش التأويل والتكييف لدى القضاة، حتى لا يستعمل القضاة سيف القانون الجنائي لترهيب الصحافيين الجادين وتخويفهم من ممارسة مهنتهم بحرية، خاصة والتاريخ المغربي يسجل العديد من الأحكام القضائية القاسية التي صدرت ضد بعض الصحفيين بهدف النيل والانتقام منهم وليس لخطأ أو جرم تم ارتكابه.