*من تصوير المصور: صهيب سعد

النظام العسكري في مصر جُن تماما! هذه هي الحقيقة، فخلال أسبوع فقط، اقتحمت قوات الأمن جامعة الأزهر، وقتلت طالب طب في سنته النهائية في المدينة الجامعية التي يقطن بها أثناء وجوده بها قرابة منتصف الليل، وبالأمس قتلت طالب في سنته الأولى، من المتفوقين على دفعته ومن غير المسيسين حسبما ذكر أصدقاءه. قتلته بإطلاق رصاص حي أصابه في رقبته وصدره، وطلقات خرطوش أثناء خروجه من محاضرته في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، كما قتل قبل أيام شاب آخر في ميدان التحرير في ذكرى الأحداث الدموية التي شهدها شارع محمد محمود في نوفمبر من عام الثورة الأول.

عمليات القتل قد تكون أكبر جرائم النظام، لكنها ليست النوعية الوحيدة من الجرائم التي يرتكبها الانقلاب العسكري في مصر بشكل يومي، فعلى مدار الأيام الماضية، حكم القضاء المصري (وهناك أسطورة تقول أنه شامخ ونزيه) على إحدى وعشرين فتاة وسيدة من الإخوان المسلمين بالسجن لفترات تتراوح من ١١ إلى ١٥ سنة، وبإيداع القصر منهن (وأكبر المعتقلات عمرها ٢٢ عاما) دور الرعاية لمدد مفتوحة، هذا بالإضافة إلى اعتقاله عشرات المتظاهرين -من غير الإسلاميين وكلهم كانوا من المطالبين بتنحي مرسي عن السلطة- أمام مجلس الشورى المصري حيث يجتمع خمسون من المُعينين من قبل سلطات الانقلاب العسكري لصياغة دستور البلاد.

الاعتقالات أتت بعد إقرار قانون معيب يحظر تماما ونهائيا التظاهر في مصر إلا بإذن وزارة الداخلية وبشروط تعجيزية تمنع فعليا من أراد تنظيم أي تظاهرة من تنظيمها. بالتزامن مع إقرار لجنة الخمسين لمادة “دستورية” تبيح للنظام محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، في استمرار لنفس الخط الذي سار عليه نظام مبارك، والمجلس العسكري الذي حكم حتى وصول مرسي للسلطة في مصر، ومرسي نفسه.

الاعتقالات على مدار اليومين الماضيين شملت أحد أهم النشطاء في مصر، و الأب الروحي للمدونين المصريين (كما كان بعضنا يحب أن يطلق عليه) علاء عبدالفتاح، وبشكل مهين للغاية، حيث هاجمت السلطات منزل علاء الذي يقيم فيه مع زوجته وطفله (الذي وُلد للمفارقة أثناء اعتقاله في تهمة سابقة لفقها له العسكر كذلك) وتعدت قوات الأمن بالضرب عليه وعلى زوجته منال بهي الدين حسن، رغم نشر علاء لبيان أول أمس يقول فيه بأنه سيسلم نفسه للسلطات السبت. 

بالإضافة لعلاء فقد أصدرت النيابة أمر ضبط وإحضار لأحمد ماهر، أحد مؤسسي حركة ٦ إبريل في مصر، ومنسقها الأول. 

يُضاف إلي سجل العسكر والداخلية خلاف القتل والاعتقالات، التعذيب الذي طال جميع من وقع تحت أيديهم بعد الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو، و تقييد الحريات واعتقال الصحفيين، والتضييق على الإعلام، مثلما حدث مع الإعلامي باسم يوسف الذي اضطر لمغادرة مصر بعد قرار القناة التي تستضيف برنامجه والمقربة من العسكر من وقف البرنامج، هذا بالإضافة إلى حالة الهيستيريا المجتمعية والرسمية والتي طالت الرياضيين والطلاب والمهنيين.

الحكم العسكري في مصر، اختار بعض “الثوريين” دعمه باستمرارهم في عملهم ضمن لجنة الخمسين لصياغة الدستور أو باختيارهم المشاركة في الحكومة التي عينها وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي (القول بأن السيسي هو من عين الحكومة ليست فيه مبالغة، فاختيار الرئيس المؤقت ورئيس الوزراء لم يتم فقط بتنسيق مع العسكر، لكن بقرارات مباشرة منهم).

اختار بعض الثوريين ذلك تماما كما اختار الإخوان المسلمون من قبل الركون للعسكر في أحداث محمد محمود التي استُشهد فيها أكثر من خمسين مصريا،  وأحداث مجلس الوزراء بعدها بشهر واحد والتي عُريت فيها من اصطلح على تسميتها “ست البنات” واستشهد فيها الشيخ الشهيد عماد عفت، وحينها كان الإخوان المسلمون يصدقون ويدعمون وزارة الداخلية وينفون استخدام الداخلية للرصاص والخرطوش على بعد أمتار من برلمانهم الموقر.

غالب الثوار الآن يقعون في نفس الخطأ الذي وقع فيه الإخوان المسلمون من قبل، والحقيقة أنه رغم أخطاء الإخوان الجسيمة والتي ترقى في بعض الأحيان لجرائم (مثل أحداث الاتحادية التي قُتل فيها ١١ مصريا أغلبهم من أفراد الإخوان)، إلا أن الضرر الواقع على المصريين الآن من استمرار الحكم العسكري يتجاوز أي خطر آخر قد ينتج من وجود الإخوان في السلطة.

وعلى الرغم من أخطاء الرئيس محمد مرسي إلا أن المعارضة في عهده كانت معارضة مجانية (أو شبه مجانية) لمعظم المصريين، ورغم  (أو بسبب) ضعف مرسي الشديد وسوء إدارته للدولة المصرية إلا أن مساحة الحرية في عهده على ما اكتنفها من عوار، كانت غير قابلة للمقارنة بمساحة الحرية التي يعطيها الحكم العسكري للمصريين في  هذه اللحظة، وهذا هو بيت القصيد.

فالمصريون جميعا قد تضرروا وبشدة من الحكم العسكري، فمع انهيار الوضع الاقتصادي والذي يحدث ببطء بسبب الدعم الخليجي الذي ليس مستبعدا أن يتوقف عما قريب، ومع تضرر جميع قطاعات المصريين من اللحظة الانتقامية التي تعيشها الأجهزة الأمنية والجيش في مصر، تبدو اللحظة مواتية تماما لإنشاء تحالف جديد، ليس من أجل الشرعية هذه المرة، لكنه لصالح المتضررين من الجيش والداخلية.

إن التعاون بين شباب الإخوان الذين يمارسون الضغط على السلطة عبر استمرار مظاهراتهم التي توشك على الدخول في شهرها السادس، وبين الثوار من ناحية أخرى والنشطاء من الليبراليين واليسار الثوري ضرورة لا مفر منها، وعلى الطرفين أن يدركا أن حياة أحدهما في حياة الآخر.

لقد أصابت الإخوان كارثة عظيمة، تمثلت في الإطاحة بهم من السلطة وتجلت بالطبع في المجازر المتوالية التي لحقت بهم منذ الانقلاب وحتى الأسابيع التي تلت فض اعتصامات مؤيدي مرسي في ميداني رابعة العدوية والنهضة، و يدرك الإخوان (شباب الإخوان وطلابهم على الأقل) أنهم لن يمكنهم الانتصار في هذه المعركة وحدهم، كما أنهم يدركون تماما أنهم أخطأوا بشدة في مواقفهم التي ركنوا فيها للظالمين من قبل، المجلس العسكري والداخلية.

الثوار من جانبهم وإن استطاعوا الحصول على بعض الدعم الشعبي في الفترة الأخيرة، إلا أنه في غياب الداعم الإعلامي الذي كان السبب الرئيس في الحشد لتظاهرات ٣٠ يونيو التي برر بها الضابط عبدالفتاح السيسي انقلابه لاحقا، لن يكون الثوار قادرين على التأثير على الأرض، أو في كتلة بشرية ضخمة كتلك التي خرجت في ٣٠ يونيو، خاصة في غياب المنابر الكبرى لهم مثل صفحات فيس بوك الشهيرة “كلنا خالد سعيد”، وبرامج مثل “البرنامج” الذي يقدمه باسم يوسف.

لذلك فالفرصة ليست فقط مواتية، لكنها المصلحة أيضا، لتضع الثوار والنشطاء أمام مسؤولية وطنية تتمثل في محاولة الوصول إلى صيغة مشتركة مع شباب الإخوان على الأرض، للاتفاق على خارطة طريق بديلة لخارطة العسكر، يكون على رأسها تطهير وتفكيك مؤسسات الدولة القمعية على المدى القصير والمتوسط، ومحاكمة المتورطين في الدماء من كل القوى والأطراف والمؤسسات. 

شباب الإخوان من جانبهم عليهم أن يعترفوا أن عودة الرئيس مرسي للسلطة أصبح من قبيل الجدال العقيم، واشتراطهم على من أراد الانضمام إليهم “عودة الشرعية” كشرط رئيسي للتعاون، يبدو أنه فقط مكابرة من لا يريد الاعتراف بالخطأ. 

شباب الإخوان بإمكانهم أن يقودوا تلك المبادرة، فهم الطرف الأقوى في المعارضة، وانضمام الثوار لهم في معركتهم هو السبيل الوحيد للتخلص من سلطة العسكر، ومحاكمتهم والقصاص للشهداء، لكن هذه المرة على الأجيال “العجوزة المتكلسة” ،كما يسميها مرشح الرئاسة السابق،  أن تتنحى تماما عن المشهد، ويكفي ما قادوا مصر إليه.

إن النظام العسكري يتهاوي بسرعة، وغياب الدولة واقع لا محالة، والتعاون في هذه اللحظة لن يكون من أجل بديل للسلطة الحالية، لكنه إيجاد طريق بديل لإفراز السلطة القادمة، وطريق الإخوان الذي تبنوه سابقا هو طريق العسكر، وطريق الثوار الذي تبنوه في ٣٠ يونيو هو طريق العسكر، وطريق العسكر لن يفرز إلا حكم العسكر.