في صحراء تازيازت الشاسعة لمحافظة إينشيري، شمال موريتانيا، بدأت القصة وبدأ حلم البعض في التحقق، فكانت وجهة الشباب الموريتاني الباحث عن الثراء ورغد العيش بوسائل بسيطة وغير مكلفة.

عشرات الشباب وجدوا مبتغاهم بأساليب بدائية وأخرى متطورة غير أنها في المتناول، يذهبون في الصباح غير أبهين للصحراء وطبيعتها القاسية والجافة ورمالها الوعرة التي تمتد مد البصر، فيعودون بعد يومين أو أكثر محملين بالذهب والمجوهرات الكريمة، هكذا يقولون، فيما يقول غيرهم إن هذه الحكاية وإن كانت صحيحة فإن الغاية منها إلهاء الشعب الموريتاني عن متابعة الشأن العام للبلاد وعزم رئيس جمهوريتهم تعديل الدستور والترشح لولاية رئاسية ثالثة.

منذ عدة عقود منحت السلطات الموريتانية رخص التنقيب في صحراء إينشيري لعدد من الشركات الأجنبية، ولا تكاد تمر فترة من الزمن حتى تمنح الحكومة الموريتانية رخصة جديدة للتنقيب عن أحد المعادن النفيسة في ركن من صحرائها مترامية الأطراف.

ورغم محاولات الشرطة الموريتانية المتكررة منع أعمال البحث العشوائي عن الذهب، فقد شهدت الأسابيع القليلة الماضية عملية نزوح كبيرة لمئات الشباب الموريتاني والمغامرين، بحثًا عن هذا المعدن النفيس في منطقة تازيازت التابعة لمحافظة إينشيري شمال العاصمة الموريتانية.

البحث عن الذهب في المنطقة أصبح حديث الساعة في المجالس والمحلات والأسواق والمنتديات، حتى إن الكثير من التجار والمغامرين بادروا بترك محلاتهم والتوجه نحو "تازيازت" و"تجريت" والمناطق المحاذية لهما، للحصول على المعدن النفيس، وظهرت في الفيس بوك إعلانات تروج لأجهزة الكشف عن الذهب مصنوعة في ألمانيا، تعرض في أسواق نواكشوط ويصل سعرها إلى نحو ألفي دولار.

تعمل شركة تازيازت موريتانيا المحدودة التابعة لشركة كينروس الكندية منذ سنة 2010 على استخراج الذهب من منجم تازيازت الذي يبعد 350 كيلومترًا عن شمال العاصمة الموريتانية نواكشوط.

وأعلنت الشركة الكندية كينروس غولد كوربورايشن، الشركة الأم لـ "تازيازت موريتانيا المحدودة"، نهاية الشهر الماضي أنها ستشرع في إنجاز المرحلة الأولى من مشروع توسعة منجم تازيازت المتوقعة على مرحلتين.

وأوضحت الشركة، أن الشروع في المرحلة الأولى من التوسعة الأساسية بالإضافة إلى المبادرات الحالية واللاحقة لتخفيض التكاليف، سيمكن من رفع قدرة معالجة المنجم والحفاظ على قدرة تازيازت على الاستمرار على المدى البعيد.

وقالت الشركة إن التوقعات تشير إلى أن المرحلة الأولى ستمكن من معالجة 12 ألف طن، بدلاً من 8 آلاف فقط حاليًا، مشيرة إلى أن ذلك يرجع إلى "إدخال تجهيزات إضافية للتكسير والسحق في المنجم"، وستكلف المرحلة الأولى من التوسعة 300 مليون دولار أمريكي، أما فيما يتعلق بالمرحلة الثانية من التوسعة، فأشارت الشركة الكندية إلى أن تنفيذها سيرفع قدرة المعالجة إلى 30 ألف طن في اليوم، مع تكلفة إضافية قدرها 620 مليون دولار أمريكي.

وعجلت شركة تازيازت موريتانيا، المسؤولة عن التنقيب عن المعادن في المنطقة باستدعاء قوات من الجيش والدرك لحماية المناطق التابعة لها من المنقبين، وأوقفت السلطات الموريتانية عشرات الأشخاص وصادرات وثائق سياراتهم رباعية الدفع وذلك بتهمة التنقيب عن الذهب في منطقة تازيازت الغنية بالمعادن.

ويؤكد بعض الشباب الموريتاني أن سبب محاربة الدولة للباحثين عن الذهب هو نفوذ شركة "تازيازت"، معتبرين أن السلطات الحاكمة لا تبحث إلا عن رضا هذه الشركة.

وأوردت صحيفة لوموند الفرنسية في وقت سابق تقريرًا عن تحقيق أمريكي يتعلق بفساد شركة تازيازت موريتانيا وعلاقتها بمقربين من الرئيس محمد ولد عبدالعزيز ونظامه، ويظهر التحقيق الأمريكي عدم الشفافية في نشاطات تازيازت الأمر الذي نجم عنه إعطاء الصفقات لمقاولين مرتبطين سياسيًا أو أسريًا بالنظام الموريتاني، ودفع مبالغ مالية بطرق غير شرعية لموظفين في الحكومة الموريتانية وبعض المحسوبين عليها ونفس التهمة تنطبق على نشاطات الشركة في غانا.

وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تضرب موريتانيا، والتقارير الدولية التي تقدر نسبة البطالة في البلاد بأكثر من 30%، وجدت رحلات البحث عن الذهب في الصحراء اهتمامًا كبيرًا لدى الشباب الموريتاني رغم خطورتها، وخرجت بذلك من دائرة التداول السري إلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، فتعددت كتابات المدونين الموريتانيين عن هذه الرحلات بوصفها "بريق الأمل" بالنسبة للعاطلين عن العمل من الشباب.

وصرّح وزير العدل إبراهيم ولد داداه ووزير المالية المختار ولد اجاي في وقت سابق، أمام النواب بأحقية الرئيس محمد ولد عبد العزيز في أكثر من مأموريتين، الأمر الذي اعتبر على أنه إعلان رسمي لـ "تعديل الدستور" للسماح للرئيس الحالي محمد ولد عبدالعزيز بالترشح لعهدة ثالثة، ويمنح الدستور الحالي للرئيس فترتين تصل مجتمعة إلى 10 سنوات.

فيما قال وزير العلاقات مع البرلمان الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية، محمد الأمين ولد الشيخ، إن تعديل الدستور هو قناعة ومطلب لدى فئات واسعة من الشعب الموريتاني، وأضاف الوزير، أن إرادة الشعب فوق الدستور وأن طلب تعديل الدستور ليس من الممنوعات وللوزراء الحق في أن يطالبوا بالتعديل حتى يسمح للرئيس بأكثر من مأموريتين رئاسيتين، واصفًا هذا الطلب بأنه يحقق إرادة الشعب الموريتاني.