يزور الرئيس الأمريكي باراك أوباما المملكة العربية السعودية خلال هذه الأيام في جولته الأخيرة قبيل مغادرته البيت الأبيض بعد عدة أشهر. يسعى رجل البيت الأبيض المثير للجدل أوباما إلى بحث العلاقات مع السعودية، كما ينتوي حضور اجتماع مع قادة مجلس التعاون الخليجي في يوم 21 من الشهر الجاري.

زيارة الوداع

لم ترض السعودية مؤخرًا عن سياسة واشنطن في الشرق الأوسط رغم أنها الآن تعتبر أقدم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ففي زيارة أوباما للسعودية قبل عامين في 2014، حيث اعترف حينها نائب مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي، بن رودس، بوجود خلافات بين البلدين، عكرت صفو الزيارة.

وتأتي هذه الزيارة بعد عامين في محاولة للخروج من المأزق الذي تمر به علاقة الطرفين خاصة في ظل توترات الشرق الأوسط، إذ سيخرج أوباما من اللعبة ويترك السعودية تواجه مصيرها بتركته في الولايات المتحدة مع قائد أمريكا الجديد الذي لم يحدد بعض، ولا تعرف السعودية من سيكون بالتحديد.

ورغم هذا الظرف الحرج الذي تمر به العلاقات الأمريكية السعودية بسبب سياسة الولايات المتحدة الجديدة في الشرق الأوسط والتي كان أبرزها فك القيود عن طهران العدو التقليدي للحلفاء السعوديين، وهو الأمر الذي أشعل الحرب مجددًا بين طهران والرياض في العديد من البقاع الساخنة في المنطقة.

إلا أن السعودية لا زالت تراهن على جانب الولايات المتحدة حتى وإن بدا الشعور بالخذلان في عدة قضايا، وهو ما معناه لدى الجانب السعودي أن خسارة ولاية أوباما للبيت الأبيض لا يعني بالنسبة إليهم خسارة الحليف بالكلية، ومعناه أيضًا أن مسألة التسوية بين البلدين في عدة ملفات قبيل وصول قطار أوباما إلى محطته الأخيرة ضرورة حتمية من خلال زيارة الوداع هذه.

لماذا تشعر السعودية بالخذلان من إدارة أوباما؟

يظن البعض أن خذلان أوباما للسعودية كان في السنوات الأخيرة فقط، الأمر ممتد منذ الولاية الأولى فبعد أن رحبت الرياض بكل قوة بتوجهات الرئيس الأمريكي الجديد سرعان ما شعرت القيادة السعودية بخيبة أمل تجاهه.

حيث زار أوباما السعودية في العام 2009 وقدم قائمة طلبات إلى الملك السعودي عن الأوضاع الحقوقية الداخلية في السعودية وغيرها من الأشياء التي لم ترق للسعوديين، وعلى المستوى الإقليمي كان الطلب الرئيسي دفع عملية السلام بين الجانب الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي، إلا أن السعودية لم تتشجع للتعاطي مع هذه الإدارة.

جاءت الثورات العربية وزادت الهوة بين الطرفين، حيث تخلت الولايات المتحدة عن الحليف الأبرز في الشرق الأوسط محمد حسني مبارك تحت الضغط الشعبي إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير، وهو ما كانت ترفضه السعودية رفضًا قاطعًا، حيث شعرت بالخيانة من الجانب الأمريكي جراء التعاطي مع الثورات العربية بهذه الصورة في البداية.

الملف المصري كان أحد أسباب توتر العلاقة في ذلك الوقت بين الولايات المتحدة والسعودية بعدما شعرت بدعم قطاع من الإدارة الأمريكية للإخوان المسلمين في مصر والقبول بهم كلاعب إقليمي بعد وصول مرشحهم إلى مقعد الرئاسة في مصر.

لكن سرعان ما دفعت السعودية بكل ثقلها لإقناع الولايات المتحدة بعدم جدوى المراهنة على مشروع الإخوان المسلمين في مصر ودعم الجيش في عزل الرئيس السابق محمد مرسي، وقد كان الانقلاب العسكري بمباركة سعودية اصطدمت مع رغبة الأمريكان في خروج المشهد بسيناريو غير الانقلاب العسكري، وهو الذي أدى بهم إلى تعليق جزءًا كبيرًا من المساعدات العسكرية المقدمة للجيش في مصر عقب الانقلاب العسكري، وهو ما دفع الرياض للتعهد بسد هذا العجز في المساعدات، حتى أرغمت السعودية الولايات المتحدة للقبول بالأمر الواقع في مصر واستأنفت أمريكا مساعداتها العسكرية إلى مصر.

ولكن الولايات المتحدة ظلت متحرجة من الأوضاع الحقوقية في مصر طوال الثلاث سنوات الماضية، ولكنها غلبت مسألة المصلحة في هذا الأمر خاصة مع بداية اسنحابها تدريجيًا من المنطقة لصالح حلفائها الذين بات فرضًا عليهم التعامل مع تحديات المنطقة في غياب الحضور الأمريكي المباشر تبعًا لسياسة الولايات المتحدة في عهد أوباما.

وعلى صعيد القضية السورية رأت السعودية أن الولايات المتحدة هي أحد أبرز أسباب بقاء بشار الأسد في منصبه حتى اللحظة، بعد أن رفضت الإجهاز عليه بضربة عسكرية بعد قضية الكيماوي السوري.

ومع إصرار الولايات المتحدة على عدم جدوى الحل العسكري في سوريا، ظلت القيادة السعودية تنظر إلى أوباما بعين تراه "ضعيفًا" متمسكًا بالحل السياسي، غير أن السعوديين يردون باستحالة التوصل إلى حل سياسي ما لم تتغير موازين القوى على الأرض من خلال تزويد المعارضة بأسلحة متطورة، وهو ما ترددت فيه واشنطن أيضًا مما أثار سخط السعوديين بصورة أكبر.

حتى أن السعودية أدركت سياسة الانسحاب الأمريكي من المنطقة وأرادت التدخل بنفسها عسكريًا في سوريا إلا أن الفيتو الأمريكي منع السعوديين والأتراك من أي تحركات تقلب الموازين في الصراع السوري.

لتأتي قضية إيران وتكون بالنسبة للسعودية القشة التي قصمت ظهر البعير بعد الكشف عن المفاوضات السرية التي أجراها المسوؤلون الأمريكيون والإيرانيون لشهور بشأن برنامج إيران النووي، والتي مهدت الطريق للاتفاق النووي الأخير.

حيث شعرت السعودية برغبة أمريكية في إفساح الطريق لإيران بالمنطقة، وهو ما أثار توجس لدى مجلس التعاون الخليجي ككل، جاءت بعده بعض الطمأنة الأمريكية لامتصاص الغضب الخليجي، لكن ذلك لم يستطع إزالة الشعور الغاضب لدى السعودية التي بدأت في اتخاذ كثير من قراراتها السياسية في المحيط الإقليمي على خلفية الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي والشعور بالتهديد من جانب ترك الولايات المتحدة مساحة أكبر لإيران في المنطقة.

وظلت هذه التوترات تتصاعد حتى أن السعودية حذرت بطريقة أو بأخرى أنها لديها الاستطعة أن تعمل منفردة في الشرق الأوسط، لكن رد إدارة أوباما كان ضمنيًا أن أهداف الولايات المتحدة لن تخضع لابتزاز مخاوف الحلفاء.

وتتصاعد المواجهة الآن بين البلدين قبيل زيارة أوباما بأيام بعد تهديد السعودية ببيع كل أصولها المالية الموجودة في الولايات المتحدة إذا صدق الكونجرس الأمريكي على مشروع قانون يحمل بلدهم مسؤولية الضلوع في هجمات سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن.

ورغم إن الرئيس الأمريكي باراك اوباما لا يؤيد مشروع القانون المقترح ولن يوقع عليه في حال مرره الكونجرس، إلا أنه يعطي صورة ذهنية عن مدى التأزم الذي وصلت إليه العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة.

اللقاء لن يكون سهلًا

"زيارة أوباما إلى السعودية لن تكون سهلة، لأن العلاقات بين أمريكا والمملكة ليست بأفضل أحوالها، حيث عبر قائدا البلدين عن عدم رضاهما عن مواقف الآخر حول عدد من القضايا، وعليه لن يكون هذا اللقاء سلسا."

هكذا قال جيديان روز، المحلل السياسي والمحرر بالشؤون الخارجية مؤكدًا أن التعويل على عدم قدرة المملكة العربية السعودية بالتصرف بعيدًا عن واشنطن بأنه اعتقاد ليس صائبًا تمامًا حيث قال في حديث على فضائية سي إن إن: "لا يوجد أي سبب يدفع للاعتقاد بأن النظام السعودي ضعيف، بل وأثبت خطأ هذه التكهنات، المملكة لا تزال حليفا قويا لأمريكا ربما دون علاقات إيجابية تماما في الوقت الحالي ولكن هناك مصالح مشتركة عديدة من شأنها المحافظة على هذه العلاقات مستمرة سواء على الصعيد الاستخباراتي أو التعاون ضد إيران وداعش وبشار الأسد."

السعودية في هذا اللقاء لن تتخلى عن فكرة تدعيم التعاون الأمني والاستخباراتي بين الولايات المتحدة والسعودية كخيار استراتيجي لا غنى عنه، لكنها ستبدي استيائها من توجهات أوباما التي تركت الفوضى "في وجهة نظر السعودية" تضرب المنطقة، بداية من الملف السوري مرورًا بالعراقي واليمني واللبناني.

أما الولايات المتحدة التي يمثلها أوباما ستحاول إقناع الرياض أنه يمكن التعايش مع إيران في المنطقة بهذا الاتفاق النووي مع بعض الضمانات الأمريكية، كما سيحاول أوباما أن يبقى على الدعم السعودي للاقتصاد العالمي عبر التحكم في أسعار النفط، كما سيرسل أوباما برسالة نفي إلى السعودية التي تتخيل أن أمريكا متوجهة إلى أقصى آسيا بعيدًا عن منطقة الشرق الأوسط ومشكلاتها التي لا تنتهي، وهو الأمر الذي تشعر السعودية من خلال بـ"ورطة" إذا ما تركت وحدها في مواجهة هذه المشكلات، وهو ما يعني أن السعودية مصرة على مبدأ النفط مقابل الأمن لكن استمرار هذه السياسة من عدمها لن يحدجها أوباما في زيارة الوداع ولكنه سيترك هذا الإرث للرئيس الأمريكي القادم الذي ستضطر السعودية لإعادة قراءة المشهد الأمريكي على ضوء توجهاته لا توجهات أوباما.