قام الفيلسوف الفرنسي هينري لوفيفر عام 1968 لأول مرة بنشر كتابه الشهير "الحق في المدينة"، ولفهم عنوان الكتاب والمفهوم الرئيسي فيه ربما قد يكون من المفيد النظر على الترجمة الإنجليزية للعنوان: "The Right to The City"، بهذا الشكل يصبح المفهوم أوضح، فلم يعن لوفيفر الحقوق داخل المدينة، وإنما عنى الحق في الوصول إلى المدينة واستخدامها بنفس الشكل الذي يعنيه الحق في التعليم أو العلاج على سبيل المثال.

ينطلق الحديث هنا بالأساس من التعامل مع المدينة ليس كمجرد مكان للتفاعل والتعايش الإنساني، وإنما كمساحة ذات دور مباشر في تشكيل حيوات الناس بها، مساحة يشارك أصحابها ومرتادوها في تشكيلها ورسمها، ينطلق لوفيفر من كون المدينة بنية ومساحة ذات شخصية وشكل، مساحة يشكلها مستخدموها على اختلاف قوتهم وأدوارهم بشكل يومي.

وبطبيعة الحال كأي نشاط إنساني، تصبح المشاركة في تشكيل هذه المساحة أو المدينة عرضة لعلاقات القوة والسلطة داخل المجتمع، يصبح لدى بعض الناس قدرة على تشكيل هذه المساحة بشكل أكبر من غيرهم لما يملكوه من أسس للقوة والسيطرة؛ كرؤوس الأموال أو السلطة والمهابة (رأس المال الاجتماعي).

يمكن هنا البدء في الحديث عن إشكالية عمومية هذا الحق على كل المشاركين في عملية تشكيل المساحة أو المدينة، فالمدينة بطبيعتها ككلية تجمع البشر من كافة الخلفيات والطبقات تفرض أن لكل من روادها ومستخدميها دورًا محددًا في تشكيلها والتأثير عليها تمامًا كما يتأثر بها، ويترتب على ذلك أن هذا الدور بطبيعة الحال سينتهي بالتأثير على حيوات الآخرين.

فالمدينة التي يذهب رجل الأعمال فيها إلى مطعم شديد الفخامة هي ذات المدينة التي تحتاج إلى مجموعة من الأفراد ذوي الدخل الأدنى الذين يقومون بتقديم الخدمة إلى ذات الرجل، تفرض المدينة تقاطع مساحات التفاعل بين هذين الفردين، وكما تفرض على رجل أعمال آخر أن يستثمر في تحويل قطعة أرض ذات منظور ممتاز إلى مطعم فاخر، فإنها تفرض على رجل أعمال ذي رأس مال أقل نسبيًا أن يبدأ في بناء إسكان اقتصادي في ظهير قطعة الأرض الأولى حتى تستطيع العمالة ذات الدخل الأدني في ذات المطعم أن تصل إليه بسهولة، أو تفرض على البلدية أن تقدم خطوط النقل العام التي تسبب الزحام في الطرق حتى يصل هؤلاء العمال إلى أعمالهم كل يوم.

بدون وجود العمال الفقراء أو رجال الأعمال أو كل ما بينهما من طبقات، لا تصبح المدينة مدينة من الأساس، وبالتالي يمكن البدء في تخيل المدينة كمساهمة يملك كل ساكن فيها سهمًا واحدًا هو مواطنته، إلا أن الواقع لا يتناسب بالضرورة مع هذه الصورة، فواقع الأمر أن المواطنة لا تعني بالضرورة المشاركة المباشرة في تشكيل المساحة، خصوصًا مع احتكار قلة قليلة لهذا الدور على حساب البقية.

بالنظر إلى أن المدينة بتصميمها وظروفها التي يتعرض لها كافة مواطنيها يوميًا كحق إنساني ينبني على المواطنة كالتعليم أو الصحة مثلًا، تبدأ الصورة في التغير كثيرًا.

تنص أغلب دساتير الدول حول العالم على حق المواطن في الوصول إلى الرعاية الصحية بغض النظر عن دخله أو ثروته، وينطلق هذا النص من أن الحق في الحياة هو حق عام لكل المواطنين وعلى الدولة أن ترعاه، إلا أن هذه النظرة لا تبدأ في اعتبار الحق في الحياة إلا عند تعرض وجودها للخطر، أي أنها لا تهتم بالنظر إلى طبيعة "الحياة" التي يعيشها المواطن بشكل يومي سواء كانت كريمة أم لا.

وبكون المدينة تصبح بشكل يومي هي الموقع الرئيسي للحياة مع الهجرة اليومية لسكان الريف والصحارى إلى المدن حول العالم، تصبح جودة الحياة بتقاصيلها اليومية عرضة لقدرة قلة قليلة من أصحاب الأموال والمناصب على تشكيلها على هواهم.

إلا أن سخرية الأمر التي لا يدركها محتكرو الحق في المدينة هي أن انعدام العدالة في توزيع هذا الحق كفيل بإفساد حياتهم شخصيًا، فانعدام العدالة في السكن الجيد على سبيل المثال كفيل بخلق اختناقات مرورية على طول المدينة سيعاني منها كل من ركاب الحافلات العامة المكتظة تمامًا كما سيعاني منها رجل الأعمال أو الطبيب الشهير في سيارته الفاخرة المكيفة.

في عمل لاحق تحدث لوفيفر عن كون المساحة التي يعيش فيها البشر بشكل يومي تنقسم إلى ثلاثة مكونات: 1- المساحة المتخيلة التي تتكون من الطرق والمباني والخطط التي تشكلها، 2- المساحة المدركة التي تتكون من الطريقة التي يتعامل بها البشر مع المساحة الأولى بما يتناسب معهم، 3- المساحة المعاشة وهي الناتج النهائي لتفاعل المساحتين السابقتين والذي يؤثر على حيوات كل مستخدمي وسكان المدينة، وهي أيضًا المساحة التي تنتج النوعين الأولين من المساحة مباشرة.

ما يهم في التصنيف السابق والذي يجب على كل من يبحث عن ظروف حياة أفضل في أي مدينة إدراكه، هو حقيقة أن المساحة الاجتماعية تستمر في التشكل خارج قدرتنا كبشر على الإدراك بشكل مباشر، وأن تشويه وإفساد عمومية وعدالة الحق في الوصول إليها والحق في حياة كريمة بها كفيل بإفساد ميكانيزمات الدفاع الداخلي بها والعاملة على حل ما ينبع عن التجمع البشري من مشاكل.

لا عجب إذًا في رؤيتنا لأمراض الحياة العمرانية تقتات على أطراف ومراكز مدننا بلا أي بوادر علاج حقيقي تقف في وجهها، ستستمر العشوائيات في الزحف من أطراف المدن نحو مراكزها، وسيستمر التدهور والدمار المعماري يقتات على ما بقي من الطبقات المعمارية في مراكز مدن كالقاهرة والجزائر، مع كل ما يتعلق بهذه الظاهرة من زيادة في معدلات الجريمة والفقر، وستستمر الشركات الكبرى في محاولاتها لاستبدال طبقات السكان الفقيرة في قلب هذه المدن من أجل تحويلها لمتاحف مفتوحة مع تدمير كل ما كان يرتبط بهذه الطبقات من ثقافات محلية وحرف وغيرها، تمامًا كما تقوم شركة الإسماعيلية في قلب القاهرة الخيديوية في عملية هوجاء مما يعرف بالجنترة.

كل هذا سيحدث لأن لا حديث حقيقي يجري عن حق المواطنين في مدنهم، ولأن كيان مدننا العربية كمساحات أو كهياكل إدارية يفتقد للديموقراطية، تمامًا كما كافة نواحي الحياة الأخرى في المنطقة.