قبل حوالي عقد من الآن، استضاف الإعلامي أحمد منصور في برنامجه "بلا حدود"، ضابط المخابرات الجزائرية السابق محمد سمراوي الذي كان رئيساً لقسم مباحث أمن الدولة ونائبا للمسؤول الأمني عن الانقلاب العسكري الذي عاشته الجزائر في سنة 1992، وذلك للحديث عن ما شهده من إعداد للانقلاب ولطريقة تنفيذه وللأسماء المدبرة له والأسباب التي دفعتهم لفعل ذلك.

وتحدث سمراوي آن ذاك عن تفاصيل مذهلة لأشياء شهدها وشارك فيها، مثل حادثة اغتيال الرئيس الجزائري محمد بوضياف، موجها اتهامات لجنرالات، موجودين في الجزائر إلى الآن، قال أنهم هم من شكلوا الجماعات الإسلامية المسلحة وأنهم تلاعبوا طيلة العقود الماضية بالجزائر لأجل غاية واحدة هي "الحفاظ على النظام"، وفي المعلومات التي ذكرها سمراوي دروس كثيرة ربما تكون مفيدة للمصريين وهم يعيشون انقلابا عسكريا، وللتونسيين وهم يعيشون مرحلة تغيير النظام.

جنرالات فرنسا:

تحدث العقيد سمراوي عن مجموعة من الجنرالات أسماهم "جنرالات فرنسا"، وهم الجنرالات الذين كانوا يقاتلون مع الجيش الفرنسي قبل استقلال الجزائر، وشاركوا في ارتكاب مجازر في حق المجاهدين ومقاومي الاحتلال الفرنسي، وقبل خروج الجيش الفرنسي من الجزائر بسنة واحدة قاموا ب"إعلان توبتهم" وانظموا إلى الجيش الجزائري، وسيطروا خلال سنوات على الجيش الجزائري بالكامل من خلال إقصاء باقي الجنرالات وترقية بعضهم لبعض بسرعة، حتى تمكنوا في التسعينات من تنفيذ مخططهم وسيطروا على الجزائر بالكامل.

العسكر أذكياء ولذلك لا يحكمون:

وعند حديثه عن وضع العسكر لخطط للانقلاب على الحكم في مطلع التسعينات وأواخر الثمانينات، أشار سمراوي إلى أن هؤلاء الجنرالات شديدو الذكاء، وأنهم يحسنون التخطيط، قائلا أنهم لن يتقدموا أبدا للحكم وأنهم سيبقون دائما في الخفاء ليحركوا "الدمى" المدنية ويرتكبوا باسمها الجرائم كما يشاؤون، دون أن تسلط عليهم كاميرات أو تذكر أسماؤهم في أي مكان.  

مخططات مسبقة للانقلاب:

رسميا، تقدم الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد باستقالته يوم 11 يناير 1992 بمحض إرادته ولرغبته في ترك السياسة، وشعبيا، يعلم الجزائريون كما كل متابع للشأن الجزائري في ذلك الوقت أن بن جديد أرغم على الاستقالة بعد عجزه عن ثني قادة الجيش من إيقاف الانتخابات التي أتى القسم الأول منها (الانتخابات البلدية) بتقدم واضح لجبهة الإنقاذ الإسلامية.

وأما رواية سمراوي، فيقول فيها أنه ذهب شخصيا رفقة جنرالات آخرين قبل بدء الانتخابات والتقى بقادة التيار الإسلامي وعرضوا عليهم الخطوط الحمر التي لن يسمح الجيش بتجاوزها وهي 30 بالمائة فقط للإسلاميين، وهو الأمر الذي رفضه الإسلاميون وكذلك الرئيس الشاذلي بن جديد الذي بدأ قبيل الاستقالة في محاولة إبعاد الجنرالات الذين تقدموا بهذا العرض.

وقبل أن تبدأ الانتخابات وقبل أن يبادر الرئيس إلى عزل الجنرالات، قام هؤلاء الجنرالات بوضع خطط كاملة لما بعد الانتخابات، من بينها تأسيس فرقة عمليات خاصة تحت إمرتهم، واجتماعات مع شخصيات في كل المجالات، إعلاميين ونقابيين ومؤسسات مجتمع مدني ومسؤولين رفيعي المستوى في الدولة، وكذلك بمحمد بوضياف الذي كان آن ذاك يدير أعماله الخاصة في المملكة المغربية.

الديمقراطية سُلَّما للصعود إلى فوق:

وحول التبريرات التي استخدمها هؤلاء الجنرالات والحجج التي كانوا يستعملونها لإقناع كل من تورطوا معهم، بحسن نية أو سوء نية، يقول سمراوي أنه هو أيضا كان مخدوعا بالخطاب الذي كانوا يستخدمونه، مشيرا إلى أنهم أرعبوا كل الجنرالات وكل الشخصيات السياسية والمدنية بخطورة وصول الإسلاميين للحكم وبأن الإسلاميين سيخربون البلد وبأن النظام يجب أن يبقى على ما هو عليه.

ويعلق سمراوي على هذه النقطة فيقول: "لقد كنت مخدوعا ومصدقا لهذه الادعاءات، ولكني اكتشفت فيما بعد أنهم كانوا يكذبون وأنهم كانوا يفعلون ذلك فقط للإبقاء على مصالحهم الشخصية".

اغتيال بوضياف:

ورغم تأكيده على أن "جنرالات فرنسا" هم من أتوا بمحمد بوضياف ليكون رئيسا  للمجلس الأعلى للدولة عوضا عن الشاذلي بن جديد الذي أطاحوا به، يقول سمراوي: "بعد أن نفذوا من خلاله كل جرائمهم، وأصدروا أوامر الاعتقال باسمه، وعندما بدأ بوضياف يتفطن إلى أنهم يتلاعبون به لأجل مصالحهم الخاصة، قاموا بالتخلص منه".

ويضيف متحدثا حول طريقة قتله، متهما "جنرالات فرنسا"، مؤكدا أن فرقة من العاملين تحته قاموا قبل يومين بأوامر منه بمداهمة منزل لإحدى الجماعات المسلحة واحتجزوا كمية من الأسلحة تم نقلها إلى مكتبه هو، غير أنه اكتشف بعد أسبوعين من عملية الاغتيال أن قنبلة يدوية سرقت من مكتبه، لتثبت تحقيقاته الخاصة أن تلك القنبلة هي ذاتها التي استخدمت في عملية اغتيال الرئيس بوضياف.

صناعة "الراديكالية":

قد يعتقد البعض أن العسكر بعد الانقلاب يسعون إلى تهدئة الأجواء، وأنهم يقومون بالاعتقالات الكثيفة للسيطرة على معارضيهم، ولكن العقيد سمراوي، وهو الذي أمضى على أمر باعتقال 1200 شخص في يوم واحد، يقول بأن الجيش عمد إلى صناعة الراديكالية، وبأن الجنرالات وضعوا خططهم منذ البداية لتوسعة دائرة المعتقلين، وتعمدوا اعتقال الأبرياء والتنكيل بهم، لغاية واحدة وهي صناعة التطرف.

ثم أضاف أن المعتقلات الضخمة التي أقيمت في الصحراء كان الهدف منها تجميع المظلومين من الإسلاميين في مكان واحد، وذلك حتى يكثر الغليان في داخلهم، مشيرا إلى أن قوات الوحدات الخاصة كانت تذهب أحيانا إلى تلك المعتقلات وتقوم بإطلاق النار على تجمعات من المئات ثم تنسحب، وكل ذلك بغاية "خلق التطرف" في داخل الإسلاميين وإجبارهم على رد الفعل.

ويفسر سمراوي هذا التوجه بأن الجنرالات كانوا في حاجة إلى إرهاب الشعب، وأن رؤيتهم الإستراتيجية كانت تهدف إلى إحداث حرب بين الجيش والجماعات الإسلامية المتطرفة بغاية إرهاب الشعب وإجباره على اختيار أحد خيارين، إما الصعود إلى الجبال ومحاربة الجيش، وإما دعم الجيش بطريقة عمياء.

ثمن بقاء النظام:

وحول الحد الذي يمكن أن يذهب إليه هؤلاء الجنرالات في سفك الدماء، قال سمراوي ما يلي:

لماذا يقوم الجندي بالقتل؟

وأما بالنسبة للجنود، وردا على تساؤل طرحه أحمد منصور آن ذاك، وربما يطرحه الآن كل مواطن مصري، حول السبب الذي يجعل الجندي العادي يقتل أبناء وطنه الذين يفترض به أن يحميهم، قال سمراوي: "أوصلوا الجندي إلى درجة يكون فيها جاهزا لقتل والده دون أن يتردد لحظة واحدة"، وذلك من خلال عمليات "غسل دماغ" بالخطابات التي تحدثهم عن خطر الإسلاميين، والشبيهة بتلك التي تسربت مؤخرا عن إدارة الشؤون المعنوية للجيش المصري:

https://www.youtube.com/watch?v=DI8GmNRqURg

كما قال سمراوي أن الجنرالات قاموا بتنفيذ مسرحيات يرسلون خلالها مجموعة من الملثمين ليقتلوا عددا من الجنود أمام رفاقهم، حتى يصبح الجندي في حالة من الهستيريا مخيرا ما بين خيارين، إما الانشقاق والذهاب إلى الجبال أو تنفيذ الأوامر كما هي مهما اشتدت فضاعتها وحتى إن طلب منه قتل آلاف المعتصمين العزل كما حدث في مجزرتي فض الاعتصامات في ميدان رابعة والنهضة في مصر.