سألت الفتاة الألمانية الشقراء إن كانت تتحدث العربية، أجابت علي بالنفي، استكملت سؤالي عما إذا كانت تتحدث أي لغة من لغات من تساعدهم من اللاجئين، أجابت بالنفي مرة أخرى.

استعجبت في نفسي لوهلة؛ كيف لها أن تعمل في مثل هذا المكان من دون أن تكون على دراية بأي من هذه اللغات، ازداد استعجابي أكثر وأكثر عندما علمت أنها لا تعمل تطوعًا، وإنما يمثل عملها في هذا المكان جزءًا من دراستها للأنثروبولجيا الثقافية.

قادتني الفتاة للتعرف على أستاذتها في الجامعة، تعمل السيدة الستينية على مسائل الهجرة والدمج المجتمعي في ألمانيا، وتدرس وتقود أسطول من الطلبة في هذا الأمر تحديدًا، هالني للوهلة الأولى أن الأستاذة تشارك طالبتها في جهل التام فيما يخص ثقافات ولغات اللاجئين الذين تعمل على دراستهم.

استجمعت بعض من شجاعتي بما يكفي لأسأل كل منهما ما الذي دعاهما لدراسة هذا الأمر تحديدًا، لماذا هؤلاء الناس والعمل الذي قد يكون على قدر من الإرهاق الجسدي والنفسي، أجابت الطالبة بأن التنوع واختلاف الثقافات يخلب لبها، بينما أجابت الأستاذة بأن هذه الدراسة تساعد على تقديم مقترحات للحكومة المحلية لتسهيل عملية استقبال اللاجئين والمهاجرين ودعم اندماجهم في المجتمع الألماني.

تعاملت مع المزيد والمزيد من هؤلاء المتطوعين، نخبة المجتمع الكولوني الثقافية بمعنى الكلمة، طلبة في أقسام الدراسات الإنسانية والثقافية والاجتماعية، خبراء وأساتذة في طور الإعداد، هؤلاء الأفراد تحديدًا هم من سيقومون بتشكيل وصياغة سياسات الهجرة لكولون وربما ألمانيا كلها في المستقبل القريب.

إلا أنني وبالرغم من إعجابي بمستوى جديتهم وتعليمهم الممتاز، لم أستطع لوهلة أن أتوقف عن تخيل التجمع اللطيف الذي يساعد فيه هؤلاء الطلبة اللاجئين ويرحبون بهم كنوع من أنواع حدائق الحيوان المفتوحة التي يستطيع فيها هؤلاء الطلبة التعامل مع هذه الكائنات الغريبة والمثيرة للاهتمام (وأعني اللاجئين بالطبع).

من المروي عن تراث علم الأنثروبولوجيا في أوروبا أن أساتذته كانوا كثيرًا ما يجلبون عينات مما يدرسون إلى أوروبا ليقوم الآخرون بمعاينتها ورؤيتها، ولأن الأنثروبولوجيا هي علم دراسة "الإنسان" أو "البشر" من الآخرين خارج أوروبا، يكون من الواضح تمامًا أن هذه العينات كانت عبارة عن بشر، غالبًا ما كان يتم وضع هؤلاء البشر داخل أقفاص تحتوي على بعض ما تحويه بلادهم من النباتات وغيرها ليتمكن الأوروبيون من مشاهدتهم في مواطنهم الطبيعية، عرفت هذه العروض بـ "حدائق الإنسان" أو Human Zoo على وزن حدائق الحيوان، كانت هذه الحدائق شديدة الشعبية على طول أوروبا وأمريكا الشمالية أثناء الحقبة الاستعمارية في القرنين التاسع عشر والعشرين.

لم أستطع التوقف عن التفكير في أن هذا التجمع اللطيف الذي يتم تقديم الطعام والشراب للاجئين فيه لا يعدو صورة جديدة من صور الحدائق السابق ذكرها، مساحة يمكن للطلبة والدارسين فيها أن يتعاملوا مع هذه الكائنات الغريبة الآتية من إفريقيا والشرق الأوسط، ولم تستطع تعليقات الحضور من الألمان سوى تأكيد هذا لي، "أنا مهتم جدًا بدراسة التنوع الثقافي"، "أرى أن اختلافهم (اللاجئين) عنا لطيف جدًا ومثير للاهتمام".

يتعامل كل هؤلاء الخبراء والطلبة مع اللاجئين والمهاجرين من منطلق واحد: هم آخرون وقد أتوا إلى ألمانيا، الثابت الوحيد في هذه المعادلة هو ألمانيا والمجتمع الألماني، لا يستطيع هؤلاء النظر إلى كل من هؤلاء اللاجئين كجزء من سياق أوسع وأكبر، كثقافة ومجتمع وتراث كل منهم، هو بالنسبة إليهم مهاجرون، لا فرق حقيقي بينهم طالما كلهم في طور التحول إلى ألمان.

أخبرني أحد الأصدقاء عن تجمع مثل هذا التجمع انتهى بأزمة ضخمة عندما قام أحد المتطوعين بتقديم أحد لاجئي الأكراد الهاربين من أفعال صدام إلى أحد ضباط الجيش العراقي الهاربين بعد الاحتلال الأمريكي على اعتبار أن كلاهما من العراق، المضحك/ المبكي في الأمر أن هذا الضابط كان أحد المشاركين في قمع التمرد الكردي في ذات البلدة التي أتى منها اللاجئ الكردي.

لا أتلو هذه القصة كأضحوكة، وإنما أدلل بها على أزمة كبيرة تنتظر ألمانيا خصوصًا وأوروبا عمومًا إذا ما استمرت كلتاهما في التعامل مع المهاجرين إليها ككل واحد، أو كأفارقة وشرق أوسطيين ومسلمين وغير ذلك على أفضل الأحوال.

لا يمكن الحديث عن أي عملية إدماج مجتمعي انطلاقًا من منظور يغفل الأفراد، فلا يمكن تصميم أي سياسة حقيقية لدمج مجموعة معينة من اللاجئين أو المهاجرين في المجتمع الألماني إذا لم تأخذ هذه السياسة في حسبانها عوامل كتفضيلات الأفراد وثقافاتهم الخاصة، خصوصًا مع أخذ حقيقة أن المهاجرين واللاجئين يأتون من واقع موجود على الأرض، ويأتون من كافة الشرائح والطوائف والمجموعات، وأن مجيئهم لا يمثل مجيء أفراد فحسب، بل يأتي هؤلاء الأفراد حاملين معهم ثقافاتهم ولغاتهم، بل وحتى عداواتهم وتحيزاتهم الطائفية أو القبلية أو القومية وغيرها.

شهدت التسعينات في ألمانيا تزايد شديد لحدة العداوة الاجتماعية والعنف بين المجموعات الكردية والتركية المتواجدة بكثرة في مختلف مدنها، لم يتعلم الألمان التفرقة بين الأكراد والأتراك من أصل تلك المجموعة التي أطلقوا عليها "الأتراك" والتي أتت للعمل في ألمانيا أثناء الستينات سوى بعد هذا الانفجار، تعلم الألمان أن الأتراك يختلفون عن الأكراد وأن بينهم عداوة كان ما يحدث في تركيا كفيل بتفجيرها في ألمانيا البعيدة.

ما أريد الوصول إليه هنا هو أن الخطر المقبل على أوروبا أكبر بكثير من مجرد عداوة بين الأكراد والأتراك، وإنما هو خطر كفيل بتهديد الاستقرار الاجتماعي الأوروبي بحق، فالمجموعات التي تتوجه إلى أوروبا كل يوم أكثر تنوعًا بكثير من ثنائية الأتراك/ الأكراد، كما أنه وإذا تحدثنا فقط عن الآتين من الشرق الأوسط تأتي حاملة معها قرنًا كاملًا من التاريخ الدموي والعداوة الطائفية والدينية والاجتماعية، إذا لم تتوقف أوروبا للحظة لتدرك أن جمع كل هذه المكونات في سلة واحدة يشابه ما يطلق عليه الأمريكيون "أن تطلق النار على أقدامك"، فإن ما قد يترتب على ذلك شديد الخطورة، وقد ينتهي بجعل تلك البلدان الأوروبية المستقرة التي يهرب إليها الناس من النيران التي تأكل بلدانهم موبوءة بحالات شبيهة جدًا من العنف والنيران.