في صغري، اعتدت أن أشارك في رحلات ومسارات مشي عديدة في رحاب فلسطين، عرفتني هذه الرحلات على أجمل المناطق والمسارات، وعلى جمال الفروقات في التضاريس الجغرافية، فلسطين منوعة، فيها الغابات الخضراء، المياه والأنهر، الصحراء والبحرين الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، تجولت في فلسطين من شمالها إلى جنوبها، وتعلمت الكثير عن نباتاتها، وعن مناطقها المختلفة.

زادتني هذه الرحلات قوة، فقذ تعلمت منها مهارات في القيادة، التعامل مع المجموعات والتأقلم مع التحديات، والأهم جعلتني أحب بلدي أكثر، إلا أنني في الحقيقة، توقفت عن التجوال لفترة طويلة، بعد تخرجي من المدرسة الثانوية وانشغالي بالتوفيق بين العمل والدراسة أو لنقل ضجيج المدينة في القدس حيث سكنت أربع سنوات قبل انتقالي للولايات المتحدة.

مرحلة جديدة

انتقلت لدراسة اللقب الثاني في الولايات المتحدة، وقد تم اختيار ولاية أريزونا مكانًا لمنحتي، الأمر الذي أغضبني وأحزنني بشدة، أردت مكانًا آخر وولاية أخرى، أريزونا ليست ولاية تقليدية، ليست تلك التي نرسمها عن الولايات المتحدة، والأهم من ذلك، كل ما عرفته عنها أنها صحراء، نعم، لقد تم اختيار ولاية لا أعرف عنها شيئًا لتكون المكان الذي يفترض أن أعيش به مدة عامين. 

اكتشاف البلد

لم تكن رحلتي إلى أريزونا سهلة، فصدمتي الأولى فعلاً، لحظة الخروج من المطار كان الحر الشديد في أشهر الصيف، صدمتي الثانية كانت في الحقيقة، أن هذه الصحراء، يتم الاهتمام في مدنها بتعزيز وجود الأشجار والنباتات رغم أنها صحراء، فوجدت النخيل والصبر، إلى جانبها أشجار من حوض البحر الأبيض المتوسط كالحمضيات وشجر الزيتون.

بعيدًا عن ضجيج المدن الصاخبة، قريبًا من هدوء الصحراء، تغيّرت حياتي.

ليست المدينة التي أسكنها في أريزونا بالصاخبة، فأكثر ما يميزها فعلاً هو شريحة الطلاب الجامعيين فيها، فلذلك، معظم الفعاليات تتمحور حول الطلاب وتتعلق بالجامعة، بالإضافة إلى ذلك طبعًا، فإن أكثر ما يميز أريزونا هو الطبيعة فيها ومسارات المشي المختلفة والمتنوعة.

التجول في الصحراء

تجولت في صحراء النقب في فلسطين، فخيّمت في منطقة البحر الميت، وزرت الجنوب في منطقة أم الرشراش، وينابيع المياه في عين جدي، ونعم، شاهدت شروق الشمس من أخفض منطقة في العالم على ضفاف البحر الميت، ومن هنا بدأ الحب، حب الصحراء، ومن هذه الجولات الصغيرة، تعرفت على صفات نباتات الصحراء، جغرافيا الصحراء ومناخها.

أما في أريزونا، فكانت رحلتي الأولى إلى الجراند كانيون أو الأخدود العظيم، ومن هنا بدأ الحب يتجدد، انضممت لنادي مسارات المشي في الطبيعة بالجامعة، وأصبحت أشارك بفعاليات النادي من رحلات مختلفة حول أريزونا، زادني الأمر قوة، وعدت بنفسي إلى فترة كنت قد فقدتها مع انشغالي بتفاصيل الحياة المملة من دراسة وعمل.

تحديات وصعوبات

تتميز المسارات في ولاية أريزونا بتنوعها، لتنوع التضاريس؛ فهناك الجبال، التلال، الأنهر والشلالات، وهناك أيضًا الكهوف، ولكن في كل منها صعوبات عديدة، خاصة لمن لم يعتد على ممارسة جهد جسماني مكثف في ظروف صحراوية وتحت خطر التعرض للجفاف.

كانت إحدى الصعوبات الأساسية بالنسبة لي هي مشاركة زملاء لديهم قدرة وجهد جسماني أكبر، الأمر الذي كان يجعلهم يسيرون بسرعة كبيرة عني، ويتحملون أكثر صعوبات الطريق، خاصة التسلق والزحف في الكهوف، سلبية ذلك هي "الوقت"، كنت أفضل دائمًا السير ببطء لأتمتع بالمناظر والأهم لألتقط الصور الفوتوغرافية بتركيز، إلا أن هؤلاء الزملاء كان الأهم بالنسبة لهم، أن يصلوا النقطة التي حددوها، بأسرع وقت ممكن، بالرغم من ذلك، مرافقة الزملاء حفزتني وشجعتني أكثر على بذل جهد أكبر، ووضع أهداف جديدة في كل مسار.

كل هذا التنوع في التضاريس، احتاج مني أن أجهز معدات خاصة للمشي في جبال أريزونا، فبالرغم من تنوع التضاريس في فلسطين، إلا أن معظم المسارات يمكن أن تكون ممكنة بحذاء رياضي للمشي.

شيئًا فشيء بدأت أشعر بقوة أكبر، فقدرتي على المشي لمسافات طويلة ازدادت، وممارستي للرياضة صارت مكثفة، ساعات المشي في الطبيعة وهدوء الصحراء، التأقلم مع جمال ألوان النباتات الصحراوية وامتزاجها مع ألوان التربة كل هذا كان يكفي لأن تكون تجربتي في هذه الولاية جميلة.

ليس الجمال كل شيء

حتى الآن سردت الوجه المشرق في التجربة، إلا أنني بعد، لم أتحدث عن زيارتي لمقاطعة قبيلة النافاخو في "كانيون دي شالي"، حيث يتمركز قسم من قبيلة النافاخو، وهي من السكان الأصليين للمكان، تعاني المقاطعة من خدمات سيئة جدًا، على كل الأصعدة، تفتقر مناطق السكان الأصليين إلى المدارس، المراكز الصحية والخدمات البنكية، كذلك أيضًا تفتقر في معظمها للكهرباء والماء.

تدعي الحكومة الأمريكية أن السبب في ذلك هو رفض السكان فيها، الاندماج بشكل كامل في المجتمع الأمريكي، ورغبتهم الجامحة في الحفاظ على تقاليدهم، لا وبل تضع اللوم على قياديي هذه المقاطعات، كل هذا ينعكس على ظروف سكان المنطقة اجتماعيًا واقتصاديًا، أضف إلى ذلك فإن هذا التهميش يقلل من نسبة انخراط السكان الأصليين في التعليم العالي، بسبب عدم وجود نظام تعليم جيد في هذه المناطق المهمشة.

نعم، ليس الجمال كل شيء في هذه الصحراء، فأريزونا يُعرف أنها بلد محافظ مقارنة بولايات أخرى، كذلك فإن الفروقات الاجتماعية واضحة بين منطقة ومنطقة في المدن المختلفة فيها، بين شارع وشارع، وبين شرق وغرب، متشردون كثر من الولايات المختلفة، يبحثون عن ملجأ في شوارعها بحثًا عن مكان دافئ، ونسبة  كبيرة من العمال فيها هم من أصول لاتينية أو إفريقية.

أما بعد

في طريق عودتي لزيارة قصيرة إلى بلدي، إلا أنني حقًا، سأشتاق لهذا المكان الجميل، الذي وبسبب طبيعته، جعلني إنسانًا أفضل بعيدًا عن ضجيج المدن.