من مشاهد الجزء الثالث من مسلسل لعبة العروش

أغنية الجليد والنار..كيف غيرت الفانتازيا!

قبل أن نتحدث عن أثر سلسلة أغنية الجليد والنار A Song Of Ice and Fire على أدب الفانتازيا يجب أن نوضح أولًا أنها تنتمي إلي فرع الفانتازيا الملحمية أو الراقية والمسمي نفسه يشي بأنه الفرع الأكثر صعوبة وتميزًا في الفانتازيا بصفة عامة، وهي تتميز باحتوائها على عدة ممالك وأجناس وعدد كبير من الشخصيات، وبناء عالم معقد مكون من مناطق ونظم سياسية وسحرية مختلفة، وغالبًا ما تركز علي مسعى عدة أبطال لإنقاذ العالم من خطر يعرضهم للفناء كما نرى في رفقة الخاتم لتولكين.  لكن ما يجعل أغنية الجليد والنار مميزة عن العديد من السلاسل أنها تنتمي إلي فرع أخر منبثق من رحم الفانتازيا الملحمية، وهو فانتازيا الحكام Dynastic fantasy ويمكن تميزها بأنها تأخذ سنوات عدة وتملأ العديد من الكتب حيث يحارب الأبطال من السلالة نفسها بعضهم البعض من أجل الفوز بالقيادة، أو ضد عدو خارق يسعى لتحطيم أي شيء يحاول البطل العثور عليه أو الحفاظ عليه كما في سلسلة المجموعة البيلجكية The Belgarid للكاتب ديفيد إيدينج.

مثلما قام تولكين باستلهام وقائع عالم الأراضي الوسطي وصراعاته من الميثولوجيا الاسكندنافية وبعض وقائع الحرب العالمية الأولى، قام أيضَا مارتن باستلهام وقائع عالمه من الحرب التي حدث بين عائلتي لانكستار ويورك في القرن الخامس عشر ببريطانيا وهي ما أطلق عليها شكسبير "حرب الوردتين"  في مسرحيته " هنري السادس" ليبني عليها أسس عالمه الفانتازي.

في أحدي تصريحات مارتن الصحفية يصف تولكين بأنه له تأثير عظيم عليه فيقول " أنا أعجب بتولكين كثيرًا، ولدي كتبه تأثير عظيم علي. والتيمة التي نوعًا ما قام بتأسيسها-  فكرة اللورد المظلم وأتباعه الأشرار – والتي أخذها كتاب أخرون من بعده وأقل مقدرة منه عبر السنين والعقود مما جعلها لا تخدم النوع الفانتازي جيدًا. لقد تم استخدامها لحد الاستهلاك.. المعركة بين الخير والشر تعد موضوع جيد لأي كتاب وبخاصة كتابات الفانتازيا، لكني أعتقد أن جوهر وأساس المعركة بين الخير والشر تتمثل في التوزان داخل قلب الفرد\ الشخصية، وليس من الضروري أن تكون بين جيش يرتدي دروع بيضاء وجيش أخر يرتدي دروع سوداء. حينما أنظر إلي العالم أجد أن أكثر إنسان حقيقي وحي ويتنفس هو الانسان الرمادي."

الانتقال من ثنائية الأبيض والأسود إلي الرمادي

من خلال المقطع السابق، يمكن تحديدًا أن نعرف فلسفة ورؤية  مارتن للفانتازيا والعالم الذي طمح لبناءه، فهو يريد أن يؤكد على أنه لا يوجد شر مطلق، ولا يوجد خير مطلق..وأن الرمادي يكسي جميع الشخصيات. ولعل هذا ما يميز شخصياته الروائية، فهي شخصيات تشعر بأنها من لحم ودم، يمكنك أن تقابلها في أحدي الحانات، يمكنك أن تكرهها كراهية منقطعة النظير في الكتاب الأول، ثم تهيم بها عشقًا في الكتاب الثالث، والعكس صحيح.  وهو ما لا نجده في أي أعمال فانتازية أخرى بكثرة مثلما نجده في عالم لعبة العروش، ففي الغالب لا يعطي القارئ أي اختيار فهو يجد نفسه محب لهاري بوتر لطبيعة تاريخ شخصيته وتطورها فهو يظل الفتى الأبيض من البداية إلي النهاية وكذاك الشخصيات المساعدة الخيرة الأخرى، وعلى الجانب الأخر تجد مالفوي شخصية كريهة لا يمكنك التعاطف معها على الإطلاق.

وخلال العرض الحالي للموسم السادس من المسلسل المقتبس عن السلسلة يتكشف كلًا من القارئ والمشاهد معًا أن مارتن قد زرع " الرمادي" في مركز وقلب عالم أغنية الجليد والنار الفانتازي، وهو الذي يتمثل في اتحاد كلًا من البشر الأوائل وأطفال الغابة معًا لمحاربة السائرين البيض White Walkers وهو العدو الذي يهدد العالم الآن. لنكتشف أن أطفال الغابة هم من قاموا بخلق السائرين البيض وملك الليل Night King لحمايتهم من البشر الأوائل.. ليؤكد على حقيقة أنه لا يوجد خير مطلق أو شر مطلق..وكل ما يشكل عالمه هو الرمادي.

 

السحر والواقع عند مارتن

أن النوع الفانتازي على اختلاف اجناسه الفرعية يتمتع بمستوى سحري معين، حتى أننا نجد في الكتب والأبحاث التي تتحدث عن بناء العالم في الروايات الفانتازية يتم تقسيمها لعدة مستويات، ولكن ما هو شائع أن السحر دومًا ما يكون في مقدمة الأحداث وظاهر بقوة، مثلما نرى العالم السحري في هاري بوتر والأعمال الفانتازية المشهورة الأخرى. وفي الأغلب يكون بارز بشدة.

ولكن الأمر مختلف عند مارتن كثيرًا، فالسحر في عالم أغنية الجليد والنار يشكل الأطار العام أو يمكن تشبيهه بديكور المسرح ولا يبدو ظاهرًا بشدة. فهو موجود وليس موجود في نفس الوقت، فلا يأخذ من حيز القارئ والمشاهد وقت طويل، ولا يجعله يطغي على الأحداث، فهو يستخدمه باعتدال للدرجة التي يجعل عالمه شبيه بجو العصور الوسطي حيث تسمع عن السحر والخرافات..هكذا يبدو الحال في عالم أغنية الجليد والنار. حتى أن مارتن في بداية كتابته لمخطوطة الرواية الأولى لم يكن متأكدًا من استخدام التنانين التي كانت تستخدم كشعار لعائلة تارجيرين وأفضي بذلك في أحدى نقاشاته إلي صديقته الكاتبة فيليس أيزنشتاين وأخبرته بأنها قصة فانتازية، وبالطبع يجب عليه أن يضمن التنانين في القصة. وهو ما جعل عالم أغنية الجليد والنار فانتازي وفي نفس الوقت أضفي عليه صبغة واقعية قوية وهو ما جعل مارتن يتعرض لبعض الانتقادات.

عالم قاتم وقاس

في عالم أغنية الجليد والنار توجد الكثير من الأشياء الصادمة، سواء موت وقتل عدد لا نهائي من الشخصيات الرئيسية والفرعية ليؤكد مارتن على قاعدة " أنه لا يوجد أحد في مأمن أبدًا، وكل شيء ممكن الحدوث " فيشهد القارئ والمشاهد في الجزء الأول موت  " إدارد ستارك" الذي أعتقده الجميع آنذاك بكونه بطل السلسلة.  بالإضافة إلي سفاح القربي بين كلًا من سيرسي وجيمي لانيستر..التي سبب صدمة قوية للقراء وهو ما جعل البعض يتساءل: متى حدث ذلك في الفانتازيا من قبل!  في حوار لمارتن مع قناة سكاي نيوز وحينما طرح عليه المذيع سؤال بخصوص ذلك أحد المشاهد التي جمعت بين سيرسي وجيمي بجوار جثة ابنهم الميت، قال " أنه لم يكن مقصودًا أن يبدو كمشهد يمنحك شعور جيد، بالرغم من أنه كان مشهد عَرَضِيّ وتصادفي في الكتب لكنه يظل مشهد مزعج، سوف يكون دومًا مشهد مزعج وملتو وبالتأكيد يجب أن يكون موضع خلاف، أنت تعرف.. أريد الناس أن تناقش وتفكر في هذه الأمور، ولكن أملأ في ان ينظروا إليها من المنظور الذي أحاول أن أصل إليه من خلال الكتب"

لا شك وأن أثر مارتن على الفانتازيا سوف يمتد آثاره على أجيال جديدة من كتاب الفانتازيا سوف يتبعون خطاه كما أتبع العديد خطى تولكين، وأسهم النجاح الذي حققته السلسلة التلفزيونية إلي جعل صناع التلفزيون يبحثون عن سلاسل فانتازية أخري لتحويلها إلي الشاشة كما كان الحال حينما قام بيتر جاكسون بإخراج أول أجزاء سلسلة سيد الخواتم منذ 15 عامًا.