لماذا نحب أنفسنا خلف الشاشات الإلكترونية، هل لأنه بإمكاننا دومًا التعديل، بإمكاننا دومًا الحذف والإضافة، ليكون كلامنا أفضل، ونكون مُناسبين أكثر، هل لأنه يمكننا النفاق بأريحية أكثر، أو الكذب باطمئنان أكثر، أم لأنه يمكننا التعبير عن مشاعرنا بدون خوف أو حرج، فالآن يفضل الأغلبية أن يخوضوا محادثاتهم مع أهلهم، أقربائهم أو حتى شركاء حياتهم خلف الشاشات الإلكترونية، ليصبح الكل صاحب شخصية مُعدَّلة، تم تعديل شخصيته الحقيقية فيها أكثر من مرة، لنظهر بالشخصية التي حلمنا أن نكون عليها، وليس بشخصيتنا الحقيقية.

نعم كان للتكنولوجيا الفضل في جعل البدء في علاقة اجتماعية جديدة أسهل وأقرب وأسرع مما قبل، فلم يعد الأمر يحتاج لعدة مقابلات بينك وبين الناس حتى تقرر أنه من الممكن أن تكونوا أصدقاءً أو شركاءً، فالآن يمكن أن تراقب حساباتهم الإلكترونية على فيسبوك أو تويتر ومن مقابلة واحدة يمكنك أن تقرر أن هذا الشخص مناسب لك، ولست بحاجة أن تقابله وجهًا لوجه عدة مرات.

أثبتت بعض الدراسات على مستخدمي الفيسبوك، بأنه كلما زاد معدل المنشورات الإيجابية التي ينشرها الشخص عن علاقته بأحد أصدقائه أو شركائه يزيد من قوة تلك العلاقة، ويجعلها أكثر سعادة وإيجابية، كما يزيد من رضا الطرفين عن العلاقة، كما أثبتت الدراسات أن الكشف عن علاقة الإنسان بشريك له على الفيسبوك بوضع اسمه في الحالة الاجتماعية على الفيسبوك يدل على أن تلك العلاقة هي علاقة سعيدة وأن الطرفين راضيان عنها، هذا لا يعني بأن من يفعل ذلك سيصبح سعيدًا في علاقته، إلا أن كل من هو راض عن علاقته سيكشف عنها أمام أصدقائه.

لم يكن الفيسبوك أو مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام ذات تأثير إيجابي على علاقتنا بالبشر حولنا في المجتمع، فيمكن لمواقع التواصل الاجتماعي أن تسبب ضغطًا على كل من تربطهم علاقة اجتماعية قد تؤدي أحيانًا للشجار وأحيانًا للانفصال، حيث من الممكن أن تؤدي كمية المعلومات الخاصة بكل شخص على صفحات التواصل الاجتماعي إلى إثارة مشاعر الغيرة والقلق والاشتباه أحيانًا، والذي قد يؤدي إلى زيادة مراقبة أحد الطرفين للطرف الآخر، وهو ما يخلق دوامة من الخلافات التي لا أصل لها من الصحة، فّإذا كنت من أصحاب الغيرة الزائدة أو القلق المستمر، يمكن لمواقع التواصل الاجتماعي أن تزيد الأمر سوءًا، لا تسبب مواقع التواصل الاجتماعي أضرارًا مباشرة على علاقتنا بالبشر، إلا أنها بالفعل يمكن أن تكون الوقود اللازم لإشعال الحريق.

لماذا مازلنا مستمرين في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بتقدم مستمر يوم عن يوم، حتى صار لدينا جيل كامل لا يمكنك عزله عن هواتفه المحمولة، ما دام لمواقع التواصل الاجتماعي تأثير سلبي على علاقتنا الاجتماعية بذلك الشكل السيء؟ أثبتت بعض الدراسات أن مستخدمي الهواتف الذكية بشكل مستمر يعانون مما يُسمى رهاب الوحدة، فهم لا يتحملون أن يكونوا وحيدين، ويشعرون بالحاجة المُلحة لملء ذلك الفراغ، حتى ولو كان بواقع افتراضي وأصدقاء غير حقيقين وعالم إلكتروني ينتهى بمجرد انقطاع الإنترنت عن المنزل.

في دراسة حديثة على طلاب الجامعات، قام العلماء بضم مجموعة من الطلاب الجامعيين في غرفة بدون أية كتب ولا أجهزة محمولة لمدة 15 دقيقة، وسألوهم في بداية التجربة هل يفضلون أن يتلقوا صدمة كهربائية خلال التجربة أم لا، وجاء الرفض بالإجماع في البداية، وبعد مرور 6 دقائق تجاوب البعض مع فكرة الصدمة الكهربائية، وذلك فقط لقتل الوقت، لرفضهم من أن يجلسوا لمدة 15 دقيقة ليستمعوا إلى أفكارهم في هدوء، ليبين أننا نعامل الوحدة الآن على أنها أمر غير مرغوب فيه، ولا يجب أن يكون موجودًا، فنسعى بأن نقتلها باستخدام التكنولوجيا، وهذا ما تفعله الهواتف المحمولة بالتحديد، يمكنها أن تفصلنا كليًا عن الواقع لعالم مليء بالأحداث والأصدقاء والغرباء والمعلومات، لتنفصل تمامًا عما حولك ومن حولك، وتصبح فعليًا في عالم آخر.

ما تغير في عصر التكنولوجيا هو قدرتنا على الهروب من الواقع في منتهى السرعة، فلا يهم إذا غادرت جسديًا أو لا، يكفيك أن تدخل لتراقب حسابك على الفيسبوك لمدة طويلة من الزمن حتى وإن كنت مجتمعًا مع أصدقائك في مناسبة اجتماعية، يمكن ملاحظة الأمر أيضًا مع أولادك أو أولاد غيرك، ستجد أن الطفل يحاول في العديد من المرات أن يتواصل بعينه مع أبويه إلا أنه يراهم دومًا محدقين في شاشات إلكترونية، والذي يقيم بالتبعية نوعًا من العزلة بين الطفل وأبويه.

هل يحب الناس الشعور بالنوستالجيا (الحنين إلى الماضي) لذلك ينتقدون الحاضر حتى ولو كان أفضل من المستقبل؟ على الرغم من تأثير التكنولوجيا السلبي على حياتنا وعلاقتنا بالناس، فيجب عليك أن تعلم أنه يجب أن تتوقف عن وصف التكنولوجيا بأنها السبب في تواصلك السيء مع من هم حولك من البشر، أنت من تستخدم التكنولوجيا في نهاية اليوم، وأنت من تسمح لها أن تسيطر عليك، وأن تستخدمك هي بدلاً من أن تستخدمها أنت.

إذا أزعجك مشهد هؤلاء المحدقين لشاشات هواتفهم، فأنت لم تر المشهد جيدًا

الهواتف المحمولة ما هي إلا وسيلة للتواصل لم تكن متاحة لنا من قبل، لا يجب عليك أن تتواصل مع من هم حولك فقط في محيطك الجغرافي، فقد أتاحت لك التكنولوجيا أن تتواصل مع من يبعدون عنك آلاف الأميال، من مختلف الجنسيات والأعراق حول العالم، فهل من الأفضل أن تفضل التواصل مع شخص لا يهمك ولا تجد معه أية قواسم مشتركة ولكن أتاحت له الظروف أن يكون بجوارك على أن تتواصل مع شخص يبعد عنك آلاف الأميال ولكن يعني لك الكثير وتستمع بالحديث معه حتى ولو كان عبر المحادثات الصوتية فقط؟