الاعتصام الأخير لحملة "جنسيتي حق لي ولأسرتي"

تشرع القوانين في بلد لتنظيم حقول المواطنين ولمعرفة ما لهم وما عليهم تحت سماء وطنهم، لكن حينما يسلب القانون منك حقوقك الأساسية تشعر بغربة داخل هذا الوطن، فالمرأة اللبنانية سلب منها القانون جنسية أبنائها بحجة أن أزواجهن لا يحملون الجنسية اللبنانية، خرجت وتظاهرات ورفعت صوتها لتنادي بحق أبنائها في وطن أمهم لكن الوضع كما هو، والحلول ما هي إلا عبارة عن وعود لا تنفذ بأرض الواقع.

أبحث عن وطن يأوي أبنائي

كلما هدأت الأمور على أمل بتعديل قانون الجنسية اللبناني، يلقى حجر في المياة الراكدة ويحركها من سكونها، فنادين موسى المحامية والناشطة المعروفة وأول مرشحة من النساء للرئاسة في لبنان، ذلك الحجر الذي حرك قضية الجنسية من جديد أمام الرأي العام.

فعندما اختيرت ابنتها لاعبة كرة القدم الموهوبة في سن المراهقة للانضمام للفريق الوطني اللبناني، لم تكتمل فرحتها بسبب قانون قديم عمرة 91 عامًا يقضي بأن النساء المتزوجات من أجانب لا يمكنهن منح الجنسية اللبنانية لأزواجهن أو أطفالهن، بل ولا يمكن للأزواج أو الأولاد وراثة ممتلكات.

فالمادة الأولى من هذا القانون تنص على أنه يعدّ لبناني كل شخص مولود من أب لبناني، فيما يدور الصراع حاليًا على إدخال تعديل على المادة وإقران المرأة فيه، على أن يعدّ لبناني كل شخص مولود من أب لبناني أو أم لبنانية.

أما المادة الخامسة من القانون، فتنص على أن المرأة الأجنبية التي تقترن بلبناني تصبح لبنانية بعد مرور سنة على الزواج.

فدمر هذا القانون ابنة نادين عندما رفضوا انضمامها لفريق كرة القدم الوطني، فقررت التوقف عن لعب كرة القدم لشعورها بأنها مرفوضة ومنبوذة.

  • كما يسلب هذا القانون أبناءها حقوقهم الأساسية كبشر وينجم عن ذلك آثار سيئة متعددة تتحملها العائلة من مشاكل قانونية وأزمات اقتصادية إلى آثار نفسية واجتماعية تتمثل بما يلي:

1- تضييق وحرمان من التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لجهة العمل "محدودية الوظائف التي يمكن شغلها، الرضوخ لضغط أرباب العمل، الأجور المتدنية".

2-  نفقات التعليم المرتفعة، محدودية الاختصاصات التي يمكن اختيارها.

3- التكلفة المادية المرهقة نتيجة التشدد في ضرورة تجديد الإقامة والأوراق الرسمية كل عام.

4- حرمان من التمتع بالحقوق المدنية والسياسية كالملكية، الإرث، الانتخاب، الترشيح.

5- حرمان من الشعور بالمواطنة والانتماء إلى البلد الذي يعيش فيه الأولاد والزوج .

6- انتقاص من مواطنية المرأة، لاقتصار رابطة الدم معيارًا لاكتساب الجنسية على الأب.

7- الحرمان من الحماية القانونية.

8- المشاكل النفسية التي تلحق بالأسرة لناحية القلق على مستقبل العائلة، والمصير الذي ينتظر الأولاد، والشعور بعدم الانتماء، والخوف من أي حادث أمني يتعرض له أحد الأولاد وربما تكون النتيجة قرار بإبعاد هذا الشخص إلى وطن أبيه.

وتقول دراسة أجريت عام 2009 عن محنة اللبنانيات المتزوجات من غير اللبنانيين إن هذا القانون يسري على أكثر من 77 ألف لبنانية.

والمشكلة أكثر تعقيدًا للبنانيات المتزوجات من فلسطينيين لأن الفلسطينيين محرومون من حق الملكية في لبنان، وتقدر الأمم المتحدة أن 450 ألف لاجئ فلسطيني مسجلون في لبنان، وللفلسطينيين حقوق محدودة فلا يمكنهم تملك العقارات ويحظر عليهم العمل في 20 مهنة محددة وفقًا لما تقوله الأمم المتحدة.

حجج واهية

أحد اعتصامات حملة  "جنسيتي حق لي ولأسرتي"

هناك العديد من الحجج والأعزار غير المقنعة لهذه القضية الهامة التي "لا تغني ولا تسمن من جوع"، الساسة في لبنان يقدمون مجموعة معتادة من الحجج اعتراضًا على السماح للنساء بنقل جنسيتهن لأزواجهن وأبنائهن، ويبررون كلامهم بأن إذا عدل القانون فسيتزوج كل الفلسطينيين لبنانيات ولن يعودوا إلى فلسطين ويتجرد بذلك اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة للوطن.

أما المعارضون يجادلون بأن لبنان يقوم على توازن ديني دقيق بين المسيحيين والسنة والشيعة والدروز، ويقولون إنه إذا حصلت النساء على حقوق الجنسية فسيعني ذلك أن عدد المسلمين سيصبح أكبر من عدد المسيحيين بما يهدد وجودهم في لبنان.

ومع دخول الأزمة السورية عامها السادس وازدياد اللاجئين السوريين إلى حوالي ربع السكان في البلاد يقول البعض إنه إذا حصلت النساء على حق الجنسية فإن الرجال من السوريين سيتزوجون لبنانيات ولن يرجع أي منهم إلى سوريا.

وقالت لينا أبو حبيب المدير التنفيذي لمجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي بلبنان في تصريحات صحفية لها: "رغم أن لبنان يتباهى بأنه أكثر ليبرالية بكثير من دول عربية أخرى فلم ينجز حتى الآن أي إصلاح في هذا المجال".

ورفضت  لينا أبو حبيب هذه الحجج باعتبارها عنصرية واعتبرتها أنها تستغل مخاوف طائفية لحرمان النساء من حقوقهن، وقالت "لا توجد صلة بين الجنسية والنساء وقضية فلسطين أو التركيبة الدينية للبلاد أو الأزمة السورية".

وقالت ندى مكي منسقة اللجنة الأهلية لمتابعة قضايا المرأة في تصريحات صحفية لها: "إن كثيرات من اللبنانيات لا تدركن أن القانون يمنعهن من نقل جنسيتهن لأولادهن".

وقالت ندى "لا تدركن ما يحرمن منه بسبب القانون إلى أن يعجز أولادهن عن الاستفادة من الرعاية الصحية العامة أو التعليم وهي مشكلة بالنسبة للأسر منخفضة الدخل"، وأضافت "بالطبع هناك الميراث فالنساء اللاتي يملكن أرضًا أو بيتًا لا يحق لهن نقله إلى أولادهن".

ومن جانبة وصف النائب اللبناني سمير الجسر هذه القضية بـ"المشكلة المعقدة"، وهي تدخل ضمن التعقيدات في لبنان، وأكد أن منح الجنسية هو حق للمرأة، في حين أن الواقع اللبناني والوضع الطائفي فيه يحول دون إنجاز تقدم قانوني في هذه القضية، وأشار الجسر إلى أنه لا بد من التساؤل حول هذه القضية من منطلق أن الأب اللبناني يعطي الجنسية، ولكن لماذا الأم محرومة من ذلك؟.

بصيص أمل

انطلقت في لبنان عام 2002 حملة "جنسيتي حق لي ولأسرتي"، ومن ثم إلى دول عربية أخرى حققت فيها إنجازًا.

وفي عام 2010، وبعد نحو ثماني سنوات على إطلاق الحملة جرت تعديلات نصت على "إقامة مجاملة"، وهي إقامة مجانية لأسرة المرأة اللبنانية، مع تجديد صلاحيتها.

ولا يزال العمل مستمرًا نظرا لمعاناة أولاد المرأة اللبنانية من المنع من ممارسة بعض المهن، أو منعهم من الانتماء للنقابات، أما بالنسبة للمدارس فأولوية القبول تكون للطلاب اللبنانيين، ولكن توصلت الحملة في العام الماضي إلى استثناء أولاد الأم اللبنانية.

وبدورها طالبت كريمة شبو منسقة حملة "جنسيتي حق لي"، بتعديل قانون الجنسية اللبناني الحالي الذي يكرس التمييز بين المرأة والرجل، وبتعديل القانون بما يضمن المساواة الكاملة والتامة بين النساء والرجال وإعطاء المرأة اللبنانية الحق لمنح الجنسية لأسرتها وأولادها حين ترتبط برجل غير لبناني الجنسية".

من جهتها، قالت مريم سماحة لبنانية متزوجة من أجنبي ،"إن كل ما أريده من دولتي هو أن تحترم وجودي كمواطنة لبنانية وتمنحني حقي كمواطنة لبنانية في إعطاء الجنسية لأولادي وحقي بأن يعيش أولادي في هذا البلد بكرامة وليس كلاجئين أو غرباء"، وأضافت سماحة، "ابني خلق وعاش وترعرع هنا في هذا البلد ويحكي لغتها، هو لبناني قبلي، وحين اقترح عليه السفر يرفض قائلاً: لا أريد أن أغادر بلدي".

ففي مصر، استطاعت الأم منح الجنسية لأسرتها عام 2004، تلتها الجزائر عام 2005، والمغرب عام 2007، أما الحالة التونسية، فهي تعتبر رائدة في هذا المجال، إذ تمّ إقرار القانون منذ عام 1936، وجرى لاحقًا تعديل على التعديلات السابقة.

تاريخ قانون الجنسية اللبناني

جواز سفر لبناني

ينص الدستور اللبناني في مقدمته على أن لبنان عضو في منظمة الأمم المتحدة وملتزم بمواثيقها، كما ويؤكد في مادته السابعة على أن كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض العامة والواجبات دون فرق بينهم .

  • أما بالنسبة للجنسية، فيتم تنظيمها في القرار رقم 15 الصادر بتاريخ 19 كانون الثاني 1925 المعدل بالقانون الصادر بتاريخ 11-1-1960 ويؤكد هذا القانون ما يلي:

1- حصر رابطة الدم بالأب؛ ما يؤدي إلى عدم إمكانية المرأة اللبنانية منح جنسيتها لأولادها، حيث يعد لبناني كل شخص مولود من أب لبناني، كما يأخذ القانون اللبناني برباط الأرض حيث يعد لبناني من ولد في أراضي لبنان الكبير.

2- عدم إمكانية المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي منح جنسيتها لزوجها الأجنبي.

3- التمييز بين الأم اللبنانية الأصل والأم الأجنبية التي اكتسبت الجنسية اللبنانية، لأن الزوجة الأجنبية التي تقترن بلبناني تصبح لبنانية بعد مرور سنة على تسجيل الزواج في قلم النفوس كما ويمكنها أن تمنح الجنسية اللبنانية المكتسبة لأولادها إذا بقيت على قيد الحياة بعد وفاة زوجها، بل أكثر من ذلك أن المرأة اللبنانية التي فقدت بزواجها من أجنبي لجنسيتها اللبنانية لا تستطيع مجددًا إكتساب هذه الجنسية إلا بشرطي موافقة الزوج الأجنبي والإقامة خمس سنوات متتالية في لبنان.

4- ليس للزوج الأجنبي المتزوج من امرأة لبنانية حقوق متساوية في الحصول على الإقامة، بينما تتمتع المتزوجة من لبناني بحقوق أوسع، عندما تحصل بعد مرور عام على الجنسية اللبنانية فتكون إقامتها شرعية، ولا يتطلب منها الحصول على إذن بالإقامة، ويمكنها أن تعمل وتستفيد من الضمانات والاستحقاقات أسوة باللبنانيات.

تحفظ لبنان على المادة التاسعة من اتفاقية السيداو، وأتت تبريرات المشرع اللبناني الذي صادق عليها عام 1996 أي بعد مرور 17عامًا على إقرارها ناقصة لجهة التحفظات التي أقرها المشرع لجهة المواد المتحفظ عليها وهي المواد 9و16و 29.

أما التبرير لجهة المادة التاسعة الخاصة بالجنسية، فمرده حسب ملاحظات ممثلة لبنان أثناء عرض تقرير لبنان على لجنة سيداو، بحيث أشارت إلى أن اللبنانيين لا يخضعون لقانون الأحوال الشخصية نفسه، بل يخضع كل منهم لقوانين الأحوال الشخصية والمحاكم التابعة لإحدى طوائف لبنان الـ 18 المعترف بها التي تنظم قضايا كالزواج والوضع العائلي والإرث.

فقد اضطلعت التعددية الدينية بدور رئيسي، لا في دستور الشعب اللبناني فحسب بل أيضًا في إنشاء الدولة اللبنانية وهي لا تزال إلى جانب عوامل اقتصادية وسياسية أخرى تضطلع بدور بالغ الأهمية.

أبدت لجنة سيداو القلق بشأن عدم رغبة لبنان سحب تحفظه على الفقرة 2 من المادة التاسعة وأكدت أن ما يثير القلق، التأكيد بأن لبنان ليس بوسعه تعديل قانون الجنسية الساري المفعول لأسباب سياسية، وهي ترى أن التحفظ يناقض الغرض من الاتفاقية.

ولا تزال تسعى الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي بكل ما أوتيت من قوة لمنح أبنائها جنسيتها، وهي على يقين أنها المنتصرة بنهاية هذة المعركة التي بدأتها مع هذا "القانون الظالم" لها ولأبنائها.