وقعت بعض المدن العراقية والسورية تحت سيطرة ما يُسمى بتنظيم الدولة الإسلامية أو "داعش" في مطلع يونيو من عام 2014، وما لبثت عناصر داعش أن امتدت في معظم المناطق السنية في العراق وصولاً إلى الفلوجة.

أثر احتلال داعش للموصل وبعض المناطق الجغرافية الأخرى في سوريا والعراق على مصالح كافة الدول الموجودة في المنطقة، ولكن متاخمة الموصل والرقة وبعض مناطق الحسكة الواقعة تحت سيطرة داعش لتركيا أثر على الأخيرة بشكل كبير وجعلها من أكثر الدول المتأثرة سلبًا من بزوغ وتمدد الدولة الإسلامية.

سيطرت داعش على القنصلية التركية في الموصل في الحادي عشر من يونيو عام 2014، واختطفت العاملين بها بما فيهم القنصل التركي، الأمر الذي افتعل مواجهة مباشرة بين تركيا وداعش منذ اللحظات الأولى لإعلان الأخيرة تأسيس نفسها، واضطرت الحكومة التركية للتحرك سريعًا حيال تلك الأزمة، حفظًا لصورتها من الاهتزاز وإبعادها عن الإحراج على الصعيد الدبلوماسي العالمي.

دامت أزمة المختطفين الأتراك حتى العشرين من سبتمبر من نفس العام، حيث تم إطلاق سراحهم، وصرح رئيس الوزراء التركي آنذاك أحمد داود أوغلو، عقب استقبال المختطفين في مدينة أورفا ومنها إلى العاصمة أنقرة، بأن "الاستخبارات التركية تمكنت من نقل المختطفين من بعد منتصف الليل وإدخالهم الأراضي التركية صباح اليوم"، وعلى الرغم من عدم تطرق داود أوغلو إلى التعاون الاستخباراتي العشائري الذي تم الاعتماد عليه لإطلاق سراح المختطفين، إلا أن الكثير من المصادر المحلية أكّدت ذلك.

تجاوزت تركيا الأزمة المذكورة بدون عواقب تمس بسيادتها، ولكن على صعيد آخر، استمر تهديدها السياسي وخسائرها الاقتصادية بالمثول والتفاقم، وتمثلت تلك التهديدات والخسائر بالتالي:

التهديد السياسي

بالرغم من عدم إعلان داعش الحرب العالمية على الجميع في الأيام الأولى لبزوغها، إلا أنها طرقت باب تلك الحرب على تركيا بتاريخ 20 يوليو 2015، حيث استهدفت تجمعًا يساريًا داعيًا للسلام والتكافل مع مدينة عين العرب، في ناحية سوروج التابعة لمدينة شانلي أورفا، وقد أوقع الانفجار 34 قتيلاً وأكثر من 100 جريح، وبذلك أعلنت داعش حربها على تركيا، وبعدها استهدفت داعش بعض الدول الأخرى، معلنةً أن هدفها الأساسي هو إشعال نيران الحرب وعدم الاستقرار في أكبر منطقة جغرافية ممكنة، مدعية "سعيها في إقامة شرع الله حول العالم".

التهديد الأمني

تجلى التهديد الأمني الداعشي لتركيا بعدد من الانفجارات التي طالت عدة مناطق حيوية في مدنها الكُبرى أودت بحياة الكثير من المدنيين، أهم هذه الانفجارات كان تفجير أنقرة الذي وقع بتاريخ 11 فبراير 2015 وتفجير التقسيم في إسطنبول الذي وقع بتاريخ 16 مارس 2016، ولا ريب في أن هذا التهديد الأمني يشكل حالة عدم استقرار سياسي لكل من الحكومة والشعب التركيين ويجعلهما في حالة توتر مستمرة.

تمثل التهديد الأمني الداعشي لتركيا في عددٍ من الانفجارات التي هزت المدن التركية الكبرى، وقد نتجت الآثار السياسية السلبية لهذا التهديد على النحو الآتي:

ـ تخلي تركيا عن سياسية الباب المفتوح التي اتبعتها حيال ملف استقبال اللاجئين السوريين القادمين إليها، وكما أن اللاجئين السوريين تأثروا بذلك سلبًا، تأثر الموقف السياسي التركي أيضًا من ذلك بشكل سلبي، وكان حادث مقتل بعض اللاجئين السوريين على يد الجيش التركي الأسبوع الماضي أحد الأمثلة الملموسة على تأثر الموقف السياسي التركي المساند للشعب السوري بشكل مفتوح سلبًا، إذ اضطرت تركيا لتغيير دورها الداعم بلا حدود إلى سياسة أمنية صارمة، وفرض التأشيرة على المواطنين السوريين والعراقيين أيضًا من الأمثلة البارزة على سلبية تأثير التهديد الأمني على موقف تركيا السياسي تجاه القضيتين السورية والعراقية.

ـ دخول الجيش التركي لحالة طوارئ مستمرة، واتجاهه لبناء حدود بينه وبين سوريا والموصل أشبه ما تكون بالسد المنيع، ولذلك الكثير من التكاليف الاقتصادية والاعتبارات السياسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

ـ تعرض تركيا للكثير من الخروقات الأمنية، من خلال التفجيرات الإرهابية التي قامت بها داعش في عدة مناطق مركزية حيوية، وهذا ما أثر وما زال يؤثر على صورة الحكومة التركية السياسية على الصعيد الدولي، إذ شكلت تلك الأعمال صورة محرجة لتركيا أمام العالم.

ـ أصاب التهديد الأمني تركيا بالكثير من الخسائر الاقتصادية التي يمكن توضيحها في النقطة التالية.

 الخسائر الاقتصادية

 لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد، فالتقدم الاقتصادي يستنشق زفير بقائه واستمراره من الاستقرار السياسي الذي إذا فُقد عدمت المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، تفجيرات داعش الإرهابية أثرت في السياحة التركية ومنعت الكثير من السياح من القدوم لتركيا، وقد برز التأثير الاقتصادي الأكبر نتيجة سيطرة داعش على بعض المناطق في سوريا والعراق في حجم التضاؤل الضخم الذي شهدته الصادرات التركية التي انخفضت بنسبة 40% نتيجة سيطرة داعش على مدينة الموصل بشكل خاص، تلك المدينة التي كانت تشكل ممرًا حيويًا للصادرات التركية للعراق الذي يحتل المرتبة الثالثة عالميًا والأولى إقليميًا من حيث الدول الأكثر استيرادًا للبضائع التركية، وكما أن العراق يمثل ممرًا حيويُا للبضائع التركية المتجهة للدول العربية الأخرى ما قبل وبعد نشوب الأزمة السورية. 

التحالف الدولي والدور التركي

دعت الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع سبتمبر من العام 2014 إلى تضافر الجهود من أجل القضاء على داعش والقضاء على أعمالها الإرهابية، وقد نفذ التحالف أولى ضرباته العسكرية ضد داعش بتاريخ 19 سبتمبر 2014.

عرضت الولايات المتحدة الأمريكية على تركيا الانضمام للتحالف، ولكن الأخيرة أعلنت قبول الانضمام مقابل 3 شروط ترتبت على النحو الآتي:

ـ القضاء على نظام الأسد.

ـ إقامة المنطقة الأمنية العازلة.

ـ إقامة منطقة حظر جوي على الطيران التابع لنظام الأسد.

وعلى الرغم من عدم إيفاء الولايات المتحدة الأمريكية بالشروط المذكورة، إلا أن تركيا قامت في السابع من أغسطس 2015 بفتح قاعدة إنجيرليك العسكرية لطيران التحالف الدولي، ولكن على صعيد دورها ضد داعش في الموصل بقي محدودًا إلى يومنا هذا بالرغم من تمركز أكثر من 600 جندي تركي في ناحية بعشيقة وبعض المناطق التي تقع داخل حدود الإقليم الكردستاني.

العوامل التي تقف وراء محدودية الدور التركي في تخليص الموصل من داعش

ـ بعد سياسي "مذهبي": لا يمكن إنكار حجم التنافر السياسي المذهبي الموجود بين الحكومة العراقية المركزية والحكومة التركية، إذ ترى الحكومة العراقية من تركيا دولة تشكل رأس الحربة في القطب السني إلى جانب المملكة العربية السعودية، وكما أنها تؤمن بأن التحرك التركي نابع من مطامع جيوسياسية تسعى للسيطرة على الموصل التي لطالما طالبت بها تركيا تاريخيًا وحاولت بأكثر من وسيلة ضمها لأراضيها.

ظهرت مخاوف الحكومة العراقية من التحرك التركي بعد رفع تركيا من عدد جنودها الموجودين في مخيم بعشيقة، حيث هدد وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري، الحكومة التركية بالتوجه لمجلس الأمن، مدعيًا أن ذلك اعتداء سافر على السيادة العراقية، وقد أبدت الحكومة التركية وحتى محافظ الموصل السابق أثيل النجيفي معارضة شديدة للحملة الإعلامية والسياسية الشعواء التي أطلقتها الحكومة العراقية ضد التحرك التركي، مؤكّدين أن مخيم بعشيقة تم تشييده بناءً على طلب الحكومة العراقية، فكيف تقوم اليوم بإطلاق مثل هذه التصريحات!؟

تناقض موقف الحكومة العراقية وتبعيتها المطلقة للقطب الإيراني يشكلان عائقًا كبيرًا في محدودية الدور التركي في تحرير الموصل من براثن داعش، وإلى جانب ذلك، فإن التهاء السلطة السياسية التركية بتغيير النظام السياسي الداخلي من نظام برلماني إلى نظام رئاسي له دور بارز في تشتيت التركيز الحكومي التركي على القضايا الخارجية.

ـ بُعد أمني عسكري دولي: راوغت الولايات المتحدة الأمريكية كثيرًا مع الحكومة التركية، وأبرزت في أكثر من جولة تفاوضية بأنها غير جادة وغير معنية في توفير الاستقرار الكامل في المنطقة، ففي حين تماطل في قتال داعش بصورة حقيقية تقدم الدعم اللوجستي والعسكري لقوات حزب الاتحاد الديمقراطي التي تشكل خطرًا على المصالح الاستراتيجية لتركيا.

عدم جدية الولايات المتحدة الأمريكية وعدم إيلائها اهتمامًا للمصالح الاستراتيجية التركية وعدم تمكن تركيا من إيجاد شريك عسكري إقليمي أو دولي حقيقي للقضاء على داعش في الموصل وغيرها من المناطق، عوامل أمنية عسكرية حالت دون تمكن تركيا من توسيع دورها في تحرير الموصل.

ـ بُعد أمني عسكري داخلي: تحارب تركيا حزب العمال الكردستاني منذ أكثر من ثلاثين عامًا، ولكن إلى اليوم لم تتمكن من القضاء عليه بشكل نهائي، وفي وقتنا الحالي تحارب تركيا عناصر حزب العمال الكردستاني التي أعلنت استقلالها الذاتي في بعض المناطق الواقعة جنوب شرقي تركيا، في إطار عملية الخندق التي بدأت بتاريخ 17 ديسمبر 2015 وأعلنت الحكومة التركية أنها ستنتهي بعد شهرين أو أقل، ولكنها ما زالت إلى يومنا الحالي سائرة ولم تنته.

هذه العملية تستنزف جهود القوات الأمنية التركية وتحد بشكل أو بآخر من دورها في المساهمة بتحرير الموصل.

ـ بُعد اقتصادي: تأثر الاقتصاد التركي بشكل ملموس من الاهتزاز الأمني في منطقة الشرق الأوسط، واتخاذ دور أساسي في تحرير الموصل دون شريك عسكري يعني المزيد من التضاؤل في المؤشرات الاقتصادية ويعني التكاليف الاقتصادية الضخمة التي لا يمكن لتركيا تحملها في الوقت الحالي.