لم تكن محاولة الانقلاب الفاشل الأخير في تركيا في 15 يوليو/تموز هي الذكرى الانقلابية الأليمة الوحيدة في تاريخ الأتراك، فتاريخ تركيا ملييء بالانقلابات الدموية، مما يجعل مسألة تقبل انقلاب جديدعلى الأتراك أمر في غاية الصعوبة.

بدأ تاريخ الانقلابات العسكرية في تركيا في عام 1960، والذي أدى إلى سلسلة من الإعدامات راح ضحيتها رئيس الوزراء ووزير الخارجية والمالية في ذلك الوقت، ومن ثم بدأ بعدها عقد الانقلابات المتتالية والذي بدأ في عام 1971 ببعث الجيش بمذكرة دبلوماسية للحكومة،  ثم ينتهى الأمر باعتقال وحبس 7000 فرد وإعدام أكثر من 50 فردًا بعد الانقلاب الحادث في عام  1980، ليتم بعد ذلك التحكم في المعارضة لفترة طويلة من الزمن وقمعها في تركيا.

السينما التركية في عصر الانقلابات

كان انقلاب 12 سبتمبر 1980 بمثابة حقبة سوداء في تاريخ السينما التركية، والتي شهدت حملة اعتقالات كبيرة لمخرجي الأفلام وكذلك الممثلين، كما أسمى الأتراك تلك الفترة بفترة الصمت السينمائي  في تاريخ السينما التركية، حيث عانت السينما في ذلك الوقت من رقابة مشددة من النظام العسكري، قبل ان تصبح الانقلابات هي موضوع الساعة في الأفلام التركية والمسارح في ذلك الحين ولمدة عقود متتالية.

يعد فيلم " الصوت" (Ses)  للمخرج زكي أوكتان هو أول الأفلام الموثقة للانقلابات العسكرية في السينما، حيث يصور الفيلم حياة طارق أكان،  معتقل سياسي في فترة الانقلاب يخرج لمتابعة حياته، ليعتمد الفيلم على مسارين، الأول هاديء يتميز بخروج البطل من السجن ليبدأ في الانتقال إلى مدينة ساحلية ويبدأ حياة جديدة، ثم يتحول الفيلم إلى مشاهد درامية يتذكر فيها البطل أيام تعذيبه في السجن.

الممثل التركي قادر إينانير

أصبح الممثل التركي المشهور "قادر إنانير" هو الوجه السينمائي المعروف للانقلابات على شاشة السينما في تركيا، فبعد فيلم " الصوت"، جاءت بعده سلسلة من أفلام الانقلابات التي اشترك فيها "إنانير"، على الرغم من كون فكرة توثيق الانقلابات سينمائيًا كانت فكرة يشوبها الكثير من المخاطرة، إلا أنه بعد أفلام" إنانير"، أصبح الانقلاب فكرة شائعة في الأفلام والمسارح.

وثّق قادر إنانير انقلاب 1980 في فيلم " الطريق الشائك" ( Dikenli Yol)  وهو الفيلم الذي يروي قصة موت أفراد من عائلة البطل في أحداث انقلاب 1980 الدموية، كما سجل فيلم " غني أغانيك" (Sen Türkülerini Söyle) حياة أحد المعتقلين السياسين بعد خروجه من السجن بعد سبع سنوات من الحبس.

فيلم الطريق الشائك

كما أتى قادر إنانير في ذكرى عقود لانقلابات بفيلم حديث في عام 2003 مع الممثلة التركية المشهورة "توركان شوراي" في فيلم " الخطابات الغير مرسلة" (Gönderilmemiş Mektuplar) الذي شهد على حالة الفوضى التي نتجت بعد أحداث انقلاب 1980 وحالات القتل العشوائي التي قُتل فيها أحد أفراد عائلة البطل، وبعد سجن البطل تلومه عائلته بأنه السبب في مقتل الصبي، تدور أحداث الفيلم برواية قصة رومانسية تشهد على حالة الفوضى المجتمعية الحادثة في المجتمع التركي بعد الانقلاب والمؤامرات الداخلية وحالات عدم الثقة بين أفراد العائلة الواحدة بسبب المشاكل السياسية، حيث صوّر الفيلم كيفية تغيير البنية الاجتماعية للناس عن طريق انقلاب عسكري على الحكم.

كان فيلم " الجلاد الأخير" (Son Cellat) آخر أفلام السينما التركية الخاصة بالانقلابات في عام 2008، والذي مثّل فيه قادر إينانير كذلك، والذي ركز على الحالة المجتمعية أكثر من السياسية، وهو الفيلم الذي تلى أكثر الأفلام شهرة بين جماهير الأتراك وهو " أبي وابني" (Babam ve Oğlum)، حيث أن الفيلم يعد من أكثر الأفلام الإبداعية التي ركزت على تأثير الانقلاب العسكري على ثلاثة أجيال مختلفة، كما وضّح أن التغيّرات السياسية التي أصابت المجتمع التركي حينها بالصدمة، تؤثر وبشدة على العلاقات الشخصية وتدفعها للتحول إلى خلافات ومشاكل على المستوى الشخصي.

إعلان فيلم أبي وإبني

لماذا يكون تقييم الفيلم الذي تنبأ بالانقلاب الفاشل هو الأسوأ في التاريخ ؟

سجل فيلم " شفرة ك،و،ز " ( Kod Adı: KOZ) أسوأ الأفلام تقييمًا على موقع التقيمات IMDB، لم يكن الأمر غريبًا على السينما التركية التي لم تحظ مطلقًا بجائزة من جوائز الأوسكار للأفلام الأجنبية، إلا أنها سجلت رقمًا جديدًا على موقع التقييمات السينمائية والتلفزيونية بتسجيلها اسوأ الأفلام تقييمًا في تاريخ السينما لفيلم " شفرة ك،و،ز"، وهو الفيلم الذي يصوّر علاقة رجب طيب أردوغان بالحكومة التركية، كما يصور الخلافات السياسية بين جماعة فتح الله غولن وأردوغان والحزب الحاكم، حيث أن الأخير يتهم غولن بتدبيره محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا الآن ويطلب من الولايات المتحدة، التي يتخذها غولن مقرًا لمنفاه الإجباري الآن، تسليمه لينال الجزاء المطلوب من العدالة التركية.

إعلان الفيلم الذي تنبأ بالانقلاب

على الرغم من إنكار غولن تهمة القيام بالانقلاب، إلا أنه في تصريح لمنتج الفيلم "أوغور يالجينكايا" لمجلة " Hollywood Reporter" بأن الفيلم كان إنذارًا للمجتمع التركي باحتمالية قيام جماعة غولن بانقلاب في تركيا، على الرغم من عدم اهتمام الأتراك ولا النقاد به، حيث بدأت صالات السينما في عرض الفيلم بالمجان بعد صدوره بأيام وذلك بسبب الإقبال الضعيف عليه.

على الرغم من أن مناقشة الفيلم لقضايا حساسة في السياسة التركية، إلا أن رأي الجمهور التركي فيه لم يعط الفيلم نفسه تلك الأهمية، حيث وصفه الأتراك بأنه مجرد بروباجندا فارغة، ولكن على الرغم من ذلك، يرى منتجو الفيلم أنه من الممكن أن يكتسب العمل اهتمامًا في الشهور القادمة بعد أحداث الانقلاب الأخيرة التي شهدتها تركيا، حيث حدث ما كان يتوقعه الفيلم بالضبط.