سخر بعض الاقتصاديين من آلية تغطية الدولار بالذهب ما بعد الحرب العالمية الثانية، فروى اقتصادي إنكليزي يقول لو أن ذهب العالم أودع تخفيفًا للكلفة والمشقة في إحدى جزر الهادي ثم حدثت هزة أرضية ابتلعت الجزيرة لأمكن مصارف العالم الوطنية أن تكتم السر وألا يفطن الناس لذلك وكل ما حدث هو أن الذهب خرج من مصدر إلى آخر وأصبح في ذمة المحيط.

 ويذكر أنه في حقبة الاستعمار الفرنسي في سوريا كانت الليرة السورية تغطي كاملًا بالذهب وبعد فترة أخذ الفرنسيون الذهب المرصود لليرة السورية من البنك المركزي السوري، ولم يعلم كثير من الناس بذلك، فما الذي حدث، هل انهارت الليرة وفقدت قيمتها وتراجعت الثقة في الاقتصاد وكذا التصنيع والتصدير وغيرها من المؤشرات...إلخ لكن الذي حدث، أنه لم يحدث شيء لليرة، لإن الناس لم تعرف بما حدث أصلًا. تحاكي هذه القصة رواية الاقتصادي الإنكليزي بشكل كبير.

مر  النظام المالي العالمي بمراحل عديدة خلال الزمن من النقود الذهبية  إلى قاعدة الذهب إلى الدولار الذهبي حتى تم تعويم العملات في العام 1970

مراحل تطور النقود

العملة في الماضي كانت من الذهب ولم يكن هناك مشكلة في تحركات سعر الصرف وفي طباعة النقود، ولكن ظهرت مشاكل وسلبيات عديدة مع تطور الدول، فظهرت النقود الورقية على أنه مقابل أن تقوم الدولة بطباعة النقود عليها أن تغطي ذلك بالذهب للحفاظ على سعر العملة فيما سمي بقاعدة الذهب، وبعد الحرب العالمية الثانية خرجت الدول من الحرب شبه مفلسة من الذهب، ولم يعد بالإمكان أن تقوم باعتماد نظام الذهب، فخرج ما يسمى بالدولار الذهبي في اتفاقية بريتون وودز التي اعتمدت الدولار كعملة مرجعية وفق اعتبارات وأوزان محددة، ولكن الولايات المتحدة استغلت حاجة العالم للدولار وطبعت منه الكثير وظهرت المشاكل في سعر الصرف والتضخم وانخفاض قيم العملات. إلى أن تم فك التعامل بهذه الإتفاقية بعدما طلبت دول كمية كبيرة الذهب من الولايات المتحدة فشعرت أن رصيدها سينفذ فقامت بفك ارتباط الدولار بالذهب وبدأت رحلة تعويم العملة، وظل الدولار مسيطرًا بسبب ما عرف بالترودولار وقوة الولايات المتحدة المفروضة على الاقتصاد والتجارة العالمية.

مرت دول العالم بمصاعب وجربت أشياء كثيرة لاعتماد عملة مرجعية ولكن غالبًا ما كانت تواجه الفشل، وحتى الآن لا تزال الدول الكبرى تجتمع في سبيل الاتفاق على صيغة معينة لوضع أسس لاستقرار أسعار صرف العملات مع بعضها ولكن غالبًا ما تواجه هذه المسيرة انتكاسات.

فالولايات المتحدة دائمًا تشكو من الصين لانخفاض قيمة عملتها التي تستفيد من ذلك في جعل قيمة صادراتها أقل تكلفة وتكسب ميزة تنافسية عن باقي المنتجات العالمية، ويقاس على ذلك بين باقي العملات الأخرى مع بعضها البعض.

وحتى الآن لم يتم اكتشاف حل لهذه المعضلة، معضلة العملة المرجعية التي تلزم المركزي بألا يطبع النقود كيفما شاء التي تلزمه أنه مقابل كل وحدة واحد من عملة يقوم بطباعتها يجب أن يكون مقابلها عملة مرجعية كالذهب سابقًا.

وكالة الأمن القومي الأمريكي صرحت أنها ترغب بإنشاء نظام  مالي للعملات الرقمية

كثيرًا ما ينادي اقتصاديين بعودة نظام الذهب، ولكن على الطرف المقابل هناك من يقول هل وجد الذهب ليكنز في الأقبية فقط، فهب أن زلزالا حصل بالفعل واختفى ذلك الذهب هل ينتهي أمر ثروة الدولة عند هذا الحد! هل وقف العقل البشري عن التفكير لابتكار صورة أخرى لفرض الاستقرار على العملات!.

تطور التكنولوجيا والصناعة والتقنية وانتشارها في العالم لتصبح بامتلاك الجميع جعل أي فكرة لعملة مرجعية قادمة عليها أن تعتمد على التكنولوجيا، فالعالم جرب شيء من هذا مثل البطاقات الإئتمانية التي تسمح للشخص بالإيداع والسحب والشراء والبيع وتقوم بأي عملية حول العالم من خلال بطاقة مزودة بكود إلكتروني، يقوم البنك الموزد للبطاقة بعملية مصرفية تعتمد على التقنية بشكل معقد دون الحاجة للتعامل الفيزيائي أو المادي.

هل حلت المشكلة إذن؟ ليس بعد فالبطاقة الإلكترونية ليست عملة مرجعية فهي عبارة عن عملية تسهيل لحمل النقود والسفر بها حول العالم بالإضافة إلى ميزات أخرى، ولكن تطور البطاقة حمل في جنباته مع الوقت أفكار أخرى.

بوادر حل في الأفق

ففي العام 2009 قام عالم الحاسوب الأسترالي "كريغ رايت" بتأسيس عملة سميت بالبيتكوين قيمها بدولارين، وقبل الحديث عن العملة الملاحظ أن مؤسسها عالم حاسوب وليس عالم اقتصاد وليس انتقاصًا في الثاني ولكن للتأكيد على أهمية التكنولوجيا في كل مناحي الحياة.

ومن يمتلك عالم التقنية اليوم يمتلك مفاتيح وأسرار التحول، ولإن اعتبر الكثير من المحلليين أن الدولار الأمركي هو العملة المهيمنة على العالم اقتربت نهايتها ويواجه مخاضات عسيرة، ففي الطرف المقابل الولايات المتحدة هي إحدى أعظم الدول في العالم التي تمتلك صناعة تكنولوجية وتقنية متطورة جدًا تتميز بالتطور والإبداع المستمر وتصدره للعالم أجمع.

فكما قامت الولايات المتحدة سابقًا بالهيمنة من خلال الذهب ومن ثم الدولار والبترودولار قد تهيمن فيما بعد نظام العملات الرقمية، ففي تقرير تابع لوكالة الأمن القومي الأمريكي صرحت فيه برغبتها في إنشاء نظام للعملات الرقمية، سيقول العالم وقتها أنها مؤامرة وأن الولايات المتحدة هي الشيطان الأكبر الذي يحكم العالم، سوى أن السر يكمن في العلم والإبداع فحسب.

عودة على بدء مع كريغ رايت وعملة البيتكوين التي أسسها، أدرك رايت مشاكل العملات العالمية الحالية مما تواجهه من تضخم وتذبذب وطباعة بدون وازع إلى آخر مشاكل النقود، فقام بعمل عملة افتراضية وغير ملموسة ولا وجود لها في الواقع الفيزيائي وكل ما يعتليها هو عمليات تقنية بحته لا يصدرها المركزي ولا حكومة وتعتمد على التعامل الثنائي ندا بند بين المستخدمين دون وجود وسيط( بنك، مؤسسة مالية...) لذا فإنه لا يمكن تتبع عمليات البيع والشراء التي تتم بها أو حتى معرفة صاحب العملات فكل تعاملاتها تجري عن طريق الإنترنت ومشفرة بشكل كبير.

بت كوين هي عملة افتراضية غير ملموسة ولا وجود لها في الواقع الفيزيائي، لا يصدرها المركزي ولا حكومة وتعتمد على التعامل الثنائي ندًا بند بين المستخدمين دون وجود وسيط

والعملة الجديدة تمتلك سعر صرف خاص بها في البداية كان 2 دولار واليوم مقابل كل وحدة واحدة من البيتكوين يقابل 571 دولار.

الذي توفره هذه العملة هو عدم وجود الوسيط الذي يخصم نسبة من المال، فعند التعامل من خلال البيتكوين؛ العملة لم تنتقل الذي انتقل هو كود العملة إلكترونيًا، بحيث تقوم بإصدار أمر من خلال كودك أن ينقل جزء من أموالك في المحفظة المالية الإلكترونية إلى كود شخص آخر، وهنا يبرز عامل السرية المطلقة التي تقلل من سيطرة البنوك والحكومات على النقود.

أما النقطة الأبرز والأهم فهي أنه يمكنك أن تتعامل بها كما تتعامل مع عملتك المحلية ولكن هذه المرة بدون سيطرة البنك المركزي عليها وبدون سياسة نقدية وإجراءت المركزي وسوق سوداء وتضخم وارتفاع للأسعار، والسبب يعود للعدد المحدود حيث عمد مؤسسها لوضع خطة ليتم إنتاج 21 مليون عملة بيتكوين بحلول العام 2140 فمحدودتها تعطيها ميزة الذهب المدفون تحت الأرض والذي تبذل الحكومات جهود مضنية لاستخراجه وصهره وتسبيكه لتحتفظ به مقابل عملاتها المصدرة في حين أن البيتكوين تقوم باستخراجه من الحاسوب من خلال عمليات تقنية شبيهة بالتعدين. وحتى الآن العملة غير مستقرة لذا تشهد ارتفاعًا في السعر بسبب عدم اعتراف كل الدول بها.

علمًا أنها تشهد انتشارًا مع مرور الوقت من خلال اعتمادها من قبل بعض الدول والشركات واعتبارها نافذة ويحق التعامل بها.          

فهل حلت المشكلة الآن؟ ليس تمامًا ولكن ظهور البيتكوين أشبه بإرهاصات ظهور الحل، فجتمع البيتكوين تعرض لهزتين جراء سطو على منصات العملاء أدت لسرقة كوداتهم وأموالهم التي بداخلها. فضلًا عن المشاكل الأخرى التي لا تزال تنتظر الحل ولكن مع تقدم العلم والتكنولوجيا السريع ستوجد لها حلول بلا أدنى شك خصوصًا إذا أبدت حكومة ما رغبتها في التعامل بهذا النظام. عندها ستدخل إلى مخابر الاقتصاديين لخلق حلول وتوسعة نظامها وإلى غير ذلك.  

ففي الواقعة الأخيرة التي تعرضت لها منصة بيتفينيكس- لتبادل العملات الرقمية أو البيتكوين في هونغ كونغ- لعملية سطو طاولت مبلغًا ضخمًا من عملات البيتكوين قدرت قيمتها بحوالي 72 مليون دولار وبحسب تقرير لرويترز كشفت فيه أن القراصنة استولوا على ما يقارب من 120 قطعة من عملة البيتكوين الرقمية. علمًا أن بيتفينيكس تعد أكبر منصة تداول لتبادل العملات الرقمية والدولار وتحتوي على أكبر سيولة من الدولار.