جاء لقاء المبعوث الخاص للرئيس الروسي للشرق الأوسط وإفريقيا نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوجدانوف، مع ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، في جدة أمس ليضع العديد من التساؤلات حول هذا اللقاء الذي لم يتم الكشف عما دار بداخله سوى بحث العلاقات الثنائية بين البلدين وقضايا المنطقة، حسبما أوردت وكالة الأنباء السعودية.

لقاء المبعوث الروسي مع بن سلمان، والذي سبقه لقاء مع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، كان ضمن سلسلة من اللقاءات عقدها بوجدانوف في إطار جولة موسعة قام بها في منطقة الخليج والشرق الأوسط، أجرى خلالها عدد من المباحثات مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، والمعارض السوري أحمد معاذ الخطيب، ووزير الخارجية اليمني عبد الملك المخلافي، ووزيري الدفاع والخارجية القطريين خالد العطية وسلطان المريخي.

الجولة المكوكية لمبعوث الرئيس الروسي تلقي بظلالها على المشهد السياسي بصورة عامة، لاسيما بعد تعاظم الدور الروسي في المنطقة بشكل ملحوظ، وذلك عبر الملفين السوري واليمني، في ظل التراجع النسبي لأمريكا، فضلاً عن انشغال القوى الإقليمية الأخرى بأزماتها الداخلية.

نسعى في "نون بوست" ومن خلال هذه الإطلالة السريعة إلى إلقاء الضوء على تنامي الدور الروسي في الملفين السوري واليمني، إضافة إلى انعكاسات التحالف مع طهران على دول الخليج، ومساهمته في تورط موسكو في عداءات جديدة مع بعض دول المنطقة.

الملف السوري

منذ اشتعال فتيل الأزمة السورية في 2011 كان لموسكو دورًا هامًا ومحوريًا في سير الأحداث، وبالرغم من كونها ليست الدولة الأولى التي وطئت بأقدامها العسكرية داخل مسرح العمليات الميدانية السورية، فقد سبقها حزب الله وقوات الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى الدعم العسكري واللوجستي والمادي القطري والتركي والسعودي، فضلاً عن العلميات الجوية الأمريكية، إلا أنها نجحت في فرض نفسها بصفتها المحرك الأساسي لسير الأحداث على الأرض.

وبعد 5 سنوات من المعارك الضارية بين المعارضة الثورية المسلحة المدعومة من تركيا وقطر والسعودية والولايات المتحدة، وبين الجيش النظامي المدعوم من إيران وروسيا، تخللتها لحظات مد وجذر، وشد وجذب، وانتصارات وهزائم متبادلة بين الطرفين، إلا أنه وفي ظل هذا الاشتباك متعدد الأبعاد نجحت موسكو في أن تكون محور الأحداث، وهو ما دفع الجميع لإعلان رغبته في التفاوض معها حول مستقبل الأزمة السورية، لاسيما بعد الأزمة التي تواجهها السعودية في اليمن، فضلاً عن انشغال أنقره بدحر محاولة الانقلاب الفاشلة، إضافة إلى تعدد الجبهات أمام الولايات المتحدة سواء في العراق أو أفغانستان أو ليبيا، ويمكن رصد أسباب التفوق الروسي في سوريا في عدة محاور.

  • أولاً: التسليح المتطور

من أبرز أسباب التفوق الروسي في سوريا هو الوجود العسكري المكثف، فضلاً عن نوعية منظومة الأسلحة التي استخدمتها موسكو في عملياتها في سوريا، بما عكس تفوقًا ملحوظًا، فضلاً عن إعطائها رسالة مباشرة للجميع أن وجودها ليس من باب التنزه، وأنها لن تتوانى في استخدام كل مالديها من أسلحة متطورة لتحقيق أهدافها من خلال هذه الحرب.

ساعدت الأخطاء التي ارتكبتها السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، على تهيئة الأجواء أمام السياسة الروسية لتصدر المشهد

  • ثانيًا: مكافحة الإرهاب

منذ الوهلة الأولى عبرت موسكو عن أسباب تواجدها العسكري في سوريا في عدة محاور، الأول: هو دعم نظام بشار الأسد والإبقاء عليه كشريك أساسي في حل الأزمة، الثاني: محاربة تنظيم داعش الإرهابي، والذي يمثل تهديدًا واضحًا ليس لسوريا أو روسيا وحدهما بل للدول الإقليمية المحيطة فضلاً عن جرائمه المرتكبة في مختلف دول العالم، مما وضع موسكو على الخارطة الدولية لمكافحة الإرهاب.

  • ثالثًا: إدارة الموقف

لا شك أن إدارة روسيا للموقف في سوريا تميز بالحنكة السياسية والعسكرية، مستغلة وجودها كعضو دائم بمجلس الأمن الدولي، وهو ما جعل موقفها والدور الذي تقوم بها أكثر تأثيرًا من الأدوار الإقليمية الأخرى كإيران والسعودية وقطر وتركيا، ومن ثم وظفت روسيا هذا الدور للترويج لنفسها دوليًا من جديد، آملة في إحياء الدور السوفيتي القديم.

  • رابعًا: الاستفادة من الأخطاء الأمريكية

ساعدت الأخطاء التي ارتكبتها السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، على تهيئة الأجواء أمام السياسة الروسية الجديدة لاسيما في ظل الفشل في إدارة العديد من الملفات، وبصفة خاصة في العراق، وفي التعامل مع جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر، مما أدى إلى فراغ أمريكي في تلك المنطقة، سعت موسكو لملئه وتعويضه بصورة جيدة، وذلك من خلال سياستها في التحالف مع سوريا والعراق والتعاون مع إيران، وحزب الله.

  • خامسًا: الجغرافيا السياسية

ساعد البعد الجغرافي في ترسيخ الوجود العسكري الروسي داخل سوريا، حيث مهد قرب المسافات بين موسكو ودمشق في بناء قواعد عسكرية روسية داخل النطاق السوري، سمح لها في التفوق الميداني مقارنة بالقوى الأخرى، التي تجد كلفة واضحة في الوصول على قواعدها في المنطقة بما يدفعها للاعتماد على ما لديها من وجود عسكري في الدول العربية والشرق أوسطية لكنه ليس بالثقل الذي لدى موسكو.

فعامل الجغرافيا السياسية في سوريا سمح للروس بالخروج والدخول بأريحية لا تتوفر للولايات المتحدة مثلاً، المنافس الأول لموسكو على أرض المعركة، كما أن السعودية وقطر ليس بمقدورهما التواجد العسكري المؤثر المناهض للروس مثلاً، إضافة إلى انشغال أنقره بما لديها من أزمات داخلية، فضلاً عن مناوشات الأكراد الحدودية ما بين الحين والآخر.

منظومة الأسلحة المتطورة أبرز أسباب التفوق الروسي في سوريا

الملف اليمني

التعامل الروسي مع الملف اليمني يختلف نسبيًا عن طريقة تعامله مع الملف السوري، ففي اليمن اختارت موسكو منذ البداية الوقوف على نفس المسافة من جميع الأطراف المتنازعة، دون الإفصاح عن التحيز لطرف دون الآخر، وهو ما عبرت عنه الخارجية الروسية بترحيبها باختيار عبد ربه منصور رئيسًا لليمن بعد الإطاحة بنظام علي عبد الله صالح، وفي شهر أبريل 2013، قام هادي بزيارة بوتين في موسكو، حيث ذكر الرئيس الروسي أن التجارة بين كلا البلدين قد زادت بنسبة 43% في العام 2012، وهو العام الأول لهادي كرئيس لليمن.

ومع بداية الضربات العسكرية التي شنها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية حدث تحول نسبي في الموقف الروسي حيال مجرى الأحداث داخل اليمن، وهو ما عبر عنه الرئيس الروسي بوتين خلال حديثه إلى نظيره الإيراني حسن روحاني، حيث انتقد التحركات السعودية ودعا إلى وقف فوري للأنشطة العسكرية في اليمن، كما تطرق المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية ألكسندر لوكاشيفيتش في مؤتمر صحفي في موسكو إلى عمليات التحالف باعتبارها تهديد خطير للغاية للأمن الإقليمي، وعلى الرغم من أن الروس لم يعربوا عن أي دعم لأيٍ من الأطراف المتحاربة في اليمن، إلا أن لغتهم تشير إلى إنهم ليسوا محايدين كما كانوا في بداية الأزمة.

ثم جاءت أحداث عدن وتعز لتكشف الوجه الحقيقي الروسي المناهض للتحركات السعودية في اليمن، دون الإشارة إلى ما يرتكب من جرائم على أيدي الحوثيين، وهو ما يفسر التوغل الإيراني داخل دوائر صنع القرار الروسي، لاسيما وأن طهران ودمشق هما حليفتا موسكو في المنطقة، ومؤخرًا جاء تأييد روسيا للمجلس السياسي الذي شكله الحوثيون والمخلوع صالح ليضع موسكو في مواجهة مباشرة مع الرياض.

أندريه كورتونوف مدير المجلس الروسي للعلاقات الدولية، وصف المجلس السياسي بأنه "سلطة انتقالية في اليمن تقابلها سلطة قوى المعارضة في سوريا"، ملفتًا إلى أن موقف بلاده في اليمن واضحًا للجميع، وهو دعم الانتقال السلمي للسلطة، بما لا يخلق أزمة بين موسكو والرياض.

جاءت أحداث عدن وتعز لتكشف الوجه الحقيقي الروسي المناهض للتحركات السعودية في اليمن

الانحياز الروسي للحوثيين في اليمن له عدة أسباب كما أشار ماجد التركي، رئيس مركز الإعلام والدراسات العربية الروسية، أولها، غياب المجتمع الدولي بشقيه الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن الساحة اليمنية في الفترة الأخيرة، وتخليه عن حسم ملفات المنطقة، ثانيها، التوغل الإيراني داخل روسيا، خاصة وأن طهران هي الخصم الحقيقي لدول مجلس التعاون الخليجي والقوات المشاركة في التحالف العربي ضد اليمن.

التركي حمّل في تصريحات صحفية له مجلس التعاون الخليجي مسؤولية الانحياز الروسي للحوثيين على حساب الخليجيين، مشيرًا أن غياب دور المجلس في هذه الأزمة، والابتعاد عنها قدم صورة سلبية وهزيلة عن قوة المجلس وأعضائه في مواجهة الحوثيين والروس والإيرانيين على أرض المعركة، مما أعطى موسكو الضوء الأخضر للإعلان عن تحيزها للطرف الآخر، وتابع "هناك نقطة فراغ فاصلة بين مجلس التعاون الخليجي وروسيا جعلت المجلس لا يوظف روسيا كثيرًا، وتتمثل في العقلية التي تدير الملفات في مجلس التعاون الخليجي سواء على مستوى الدول أو على مستوى الأمانة العامة، وهي عقليات ذات ثقافة وانتماءات غربية ولا تستطيع التفكير خارج الفضاء الغربي"، ملفتًا إلى أنه لا توجد في مجلس التعاون الخليجي هياكل ذات صلة بالجانب الروسي، داعيًا إلى إنشاء مجلس استشاري دائم يراعي مصالح دول الخليج مع روسيا.

لذا وفي حال استمرار الوضع على ما هو عليه الآن، فإنه من المتوقع المزيد من التوغل الروسي في الملف اليمني، ليس بمستوى الملف السوري إلا أنه سيكون له دور كبير في إعادة رسم خريطة مستقبل الأزمة اليمنية، في حال عدم إعادة دول الخليج النظر في سياستهم تجاه موسكو في الفترة القادمة.

المجلس السياسي المشكل من الحوثيين وأتباع علي عبدالله صالح

التحالف الروسي الإيراني وأثره على الخليج

نجحت موسكو وإيران في السنوات الأخيرة في بناء تحالف استراتيجي قادر على إحياء دور كلا البلدين في المنطقة بصورة كبيرة، فبعد انتصار معركة الاتفاق النووي الإيراني مع الدول العظمى وبدء كسر الحصار الاقتصادي المفروض على طهران تدريجيًا لم تجد الأخيرة أفضل من روسيا لتحقيق أهدافها المنشودة في المنطقة.

فالتحالف الروسي الإيراني، سيؤدي إلى رفع أسهم طهران في المنطقة، فضلا عن زيادة نفوذها في الحسابات الدولية بعدما أصبحت وبشكل رسمي في تحالف ثنائي مع دولة بحجم روسيا، الأمر الذي سيعزز الخطط الإيرانية بزيادة تواجدها وتواجد عناصرها، والدفاع عن مصالحها في العراق وسوريا، كما وستكون هي وروسيا في تحالف آخر يوازي وينافس التحالف الغربي في الحرب على "الإرهاب".

وفي المقابل فإن التحالف مع طهران بصفتها الذراع الروسي في المنطقة، دفع موسكو إلى الظهور على الساحة الدولية من جديد بعد سنوات طويلة من الانزواء، فباتت موسكو اللاعب الأول في الملف السوري، لاسيما داخل أروقة مجلس الأمن الدولي، فضلاً عما تمثله من عمق استراتيجي وعسكري لمجرى الأحداث دفعها لأن تكون من يملك بيديه خيوط اللعبة مقارنة بالقوى المناهضة لها وعلى رأسها أمريكا، إضافة إلى دورها المتنامي في اليمن.

التحالف مع طهران دفع موسكو إلى الظهور على الساحة الدولية من جديد بعد سنوات طويلة من الانزواء

ثم جاء السماح الإيراني لروسيا باستخدام مطار حمدان لإقلاع الطائرات الروسية لضرب بعض الأهداف السورية، ليلقي بظلاله على عمق التنسيق الروسي الإيراني، مما سيؤدي إلى تثبيت وتأكيد وشرعنة الوجود الروسي في المنطقة، كما سيؤدي أيضًا إلى توسيع روسيا لنشاطها وعملياتها.

وفي سياق آخر فإن هذا التحالف أقلق الحكومات الخليجية بصورة كبيرة، لاسيما وهو يحمل بين طياته تهديدًا واضحًا للمصالح الخليجية في المنطقة، سواء في الشق اليمني أو السوري، فضلاً عن الملفات الأخرى العالقة في الإقليم والخاصة بالتمدد الصفوي الإيراني في ظل الدعم الروسي له.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني حسن روحاني

وبرأي متابعي "نون بوست" فإن الدور الروسي في الملفات المتعلقة بالخليج سيتعاظم خلال الفترة المقبلة بصورة كبيرة، إلا أن هناك بعض المحددات التي من شأنها أن تعيد النظر في هذا الدور، ويمكنكم المشاركة بالتصويت من هنا

 

وفي السياق نفسه فهناك تساؤل آخر يفرض نفسه بقوة: هل من الممكن أن تتورط موسكو في عداءات جديدة مع دول الخليج بدعمها لطهران في ملفاتها المناهضة للمصالح الخليجية؟

وللإجابة عن هذا السؤال لا بد وأن نشير إلى محورين اثنين، الأول: أن التوافق الروسي الإيراني في الملف اليمني والسوري، ليس نابعًا عن تطابق الفكر العقدي أو المنهجي، فبينما تدافع طهران عن بشار الأسد والحوثيين من باب دفاعها عن مخططاتها الشيعية ومساعيها لبسط نفوذها الصفوي في المنطقة، بينما تتحرك موسكو انطلاقًا من مصالحها السياسية والاقتصادية ليس أكثر، بما يعني أن روسيا لو تحققت مصالحها عن طريق أي شريك آخر قد تراجع نفسها قبل التورط في عداء جديد مع دول المنطقة.

الثاني: بحسب تحليلات الخبراء، فإن التفوق الروسي في الملف السوري واليمني، ليس نابعًا من القوة العسكرية الروسية فحسب، أو إلى الأسباب سالفة الذكر وفقط، بل إن هناك اتفاق ضمني على تقاسم الأدوار في المنطقة بحيث يكون لروسيا الدور الفاعل في سوريا بينما يكون لأمريكا الدور ذاته في العراق، ومن ثم فالتفاهمات الأمريكية الروسية تلعب دورًا كبيرًا في رسم خارطة المنطقة، وفي حال تغير هذه التفاهمات من الممكن أن يعاد رسم الخارطة من جديد.

ومن ثم ومن خلال ما سبق يمكن القول أن روسيا عادت من جديد لإحياء دور الاتحاد السوفيتي كأحد القطبين الكبيرين في العالم، وهو ما كانت تسعى إليه منذ سنوات طويلة، وذلك عبر بوابة طهران، ومن الباب الخلفي لأزمتي سوريا واليمن، وفي نفس الوقت فإن محددات العلاقة بين موسكو وطهران من جانب، وموسكو وواشنطن من جانب آخر، تغلفها المصالح، وفي حال دخول أي من اللاعبين الجدد على خارطة هذه التحالفات برؤية جديدة وسياسة محنكة، فإنه من الممكن أن يعاد رسم هذه الخريطة من جديد، فهل تعي دول الخليج الدرس جيدًا؟