“لقد ضُغط علينا كي نقبل بتلك المعاهدة، لقد سلّمنا جُزرًا قريبة منا إلى حد أننا لو نادينا على سُكانها من أراضينا لسمعونا، والعجيب أنها صوّرت على أنها انتصار للجمهورية التركية”

كان ذلك بعض ما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في معرض حديثه أمس الخميس أمام تجمع ضم مسؤولين محليين في أنقرة.

الجزر التي تنازلت عنها تركيا (مظللة بالأحمر) أقرب لأراضيها من أراضي اليونان

فقد قال أردوغان “لقد هددونا بمعاهدة سيفر، وأقنعونا بقبول لوزان!” وتابع الرئيس بغضب “نحن لا زلنا نناضل من أجل الاتفاق على حدودنا البحرية، وحتى مجالنا الجوي وأراضينا، ذلك لأن من مثلوا تركيا في لوزان ظلمونا، ونحن نحصد ما فعلوه الآن”

على الرغم من العديد من تصريحات الرئيس أردوغان المثيرة للجدل، إلا أن هذا التصريح تحديدا أثار حفيظة الكثير من الساسة في تركيا، لا سيما من قيادات وأعضاء حزب الشعب الجمهوري، وأثار غضب الكثيرين خارجها، لا سيما اليونانيين الذين كانت معاهدة لوزان قد أعطتهم تلك الجزر التي يقصدها أردوغان. لكن ما هي القصة؟

بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وهزيمة دول المركز، أُجبرت الدولة العثمانية على توقيع معاهدة سيفر في أغسطس عام ١٩٢٠، ضمت المعاهدة شروطا قاسية ومجحفة على الدولة العثمانية، إذ أجبرت الدولة العليّة على التخلي عن جميع أراضيها التي يقطنها غير الناطقين بالتركية، إضافة إلى استيلاء قوات الحلفاء على مساحات واسعة من الأراضي التركية.

لكن حرب استقلال عثمانية كبرى كانت قد بدأت منذ مايو من 1919 واستمرت حتى أكتوبر 1922، وخلال هذه الفترة أجبر الأتراك العثمانيون الحلفاء على التخلي عن معاهدة سيفر والتفاوض من جديد في لوزان السويسرية.

 فبعد إظهار الجيش التركي انتصارات ملحوظة في حرب الاستقلال، اضطرت اليونان إلى الإنسحاب وبرعاية إنجليزية تقرر إقامة مشاروات في بلدة مودانيا في مدينة بورصة التركية وبتاريخ 3 ـ 11  أكتوبر 1922 جرت مشاورات التفاوض، وبعد تحقيق مشاورات إيجابية في مودانيا قرر الطرفان الاجتماع في مدنية لوزان بسويسرا.
 
لاحقًا سيسفر التفاوض في الرابع والعشرين من يوليو 1923، وبعد محادثات استمرت لأشهر طويلة بين عامي 1922 و 1923، عقب انتصار العثمانيين في إزمير صيف عام 1922 عن اتفاقية جديدة، يُسمح فيها للأتراك بتشكيل الجمهورية في الأناضول وتراقيا الشرقية (الجزء الغربي من تركيا الحالية والذي يضم إسطنبول) في أكتوبر عام 1923، وأيضا ضم أجزاء من الأراضي العربية في سوريا إلى تركيا الوليدة.
 
في تلك المفاوضات، قاد عصمت إينونو، رفيق أتاتورك وذراعه اليمنى، والمشير الذي خاص حروبا ضد اليونانيين في سكاريا وغيرها، قاد الوفد التركي، الذي انتهت مفاوضاته باعتراف الحلفاء بالجمهورية التركية الجديدة. تورد السردية المؤسسة للجمهورية هذه القصة في إطار من البطولة، لا سيما وأن عصمت إينونو الذي ترأس الجمهورية وقاد حزب الشعب الجمهوري بعد وفاة أتاتورك، عزز من بطولاته عبر سيطرته على الإعلام والإذاعة في تركيا خلال معظم فترة حكمه التي بلغت 12 عاما. بل إن الأمر تعدّى ذلك، إذ وضع إينونو صورته على النقود بدلا من أتاتورك، وأعلن نفسه خلال اجتماع لحزب الشعب الجمهوري بأنه “هو الرجل الحكيم الأوحد في تركيا القادر على إدارة البلاد ومصالحها” حسبما يورد الباحث في التاريخ السياسي أوزغور إيتشيمان.

لذلك لم يكن من المستغرب أن يكون أول التعليقات الناقدة لتصريحات الرئيس التركي صادرةً من قادة حزب الشعب الجمهوري، وتحديدا من حفيدة عصمت إينونو القيادية في الحزب ذاته، والنائبة البرلمانية عن أنقرة، جولسون بيلجيهان.

فقد أصدرت بيلجيهان بيانا شديد اللهجة قالت فيه إن “على أردوغان أن يتعلم أهمية لوزان من اجتماعات الحكومة التي يرأسها بنفسه هذه الأيام. لأن لوزان هي (صك ملكية) الجمهورية التركية، وشهادة فخر لمن شاركوا في كتابتها، كما قال الرئيس نفسه”  وتابعت بيلجيهان في بيانها المكتوب “أدعو الرئيس لقراءة أي كتاب تاريخ حقيقي مبني على الوثائق ليعلم بشأن لوزان وما فعله عصمت باشا”

بعض صحف المعارضة التركية أبدت استغرابها من تصريحات أردوغان كذلك، ونشرت صحيفة حريت المقربة من حزب الشعب الجمهوري افتتاحية عنونتها بـ”ما مشكلة معاهدة لوزان؟” قالت فيه إن الرئيس نفسه هو من وصفها بأنها انتصار، حتى وإن تكررت انتقاداته للمعاهدة “لأنها لا تلبي احتياجات تركيا”، إلا أن سقف انتقاداته للمعاهدة بلغ حدا غير مسبوق هذه المرة، بعقده مقاربة بين ما كان يمكن أن يستتبع محاولة الانقلاب الفاشلة لو نجحت ونتائج تلك المعاهدة.

وكان الرئيس أردوغان قد قال في يوليو الماضي، إن هذه الاتفاقية هي صك ملكية للجمهورية، وذلك في رسالة منه بمناسبة الذكرى الثالثة والتسعين لتوقيع المعاهدة. إلا أن هذه ليست هي المرة الأولى التي يصدر فيها أردوغان تعليقات على الوثيقة، إذ قال في مايو الماضي بأن “معاهدة لوزان تظلم حقوق الأقليات” وطالب الرئيس حينها بتحديث المعاهدة لتتمتع الأقليات في تركيا بنفس الحقوق التي يتمتع بها غيرهم من سكان الجمهورية.

إقليميا، استثارت تعليقات الرئيس التركي الجانب اليوناني، والذي لم يخف مسؤوليه ولا المعلقين في صحفه توترهم الواضح من تصريحات أردوغان.

فقد أوردت وكالة الأنباء الروسية عن مصادر دبلوماسية يونانية تحدثت لوسائل إعلام محلية قولهم  أن “العالم المتمدن بأكمله اعترف بمعاهدة لوزان، ولا يمكن لتركيا أن تتحدى ذلك” وطبقا لوسائل الإعلام اليونانية فإن كل الأحزاب اليونانية قد أدانت تصريحات أردوغان ووصفتها بالاستفزازية.

لكن ما الذي يدفع أردوغان لإصدار تعليق بهذا المستوى؟

يمكن القول إن الرئيس التركي يريد أن يوصل رسالة لمؤيديه مفادها أن دائرة التأثير التركية تتسع، وأن “الأخطاء التاريخية” التي يتحملها الأتراك الآن، يمكن التراجع عنها بشكل أو بآخر، وهو في ذلك لا يخاطب مؤيديه فحسب، إذ أن هناك استياءًا عامًا وسط الأتراك من عمليات انتهاك الأجواء التركية المستمرة من قبل الطيران اليوناني، الذي يطير فوق جزر يونانية، إلا أن مجاله الجوي يتعدى ذلك ليصل إلى عمق الأراضي التركية.

كذلك يحاول أردوغان في مقاربته نتائج المعاهدات المجحفة بمحاولة الانقلاب الفاشلة أن يصدّر مخاوفه بشأن نوايا المتآمرين ضد حكمه، فقد نقلت الصحف التركية عن الرئيس قوله إنه “إذا ما كانت محاولة الانقلاب قد نجحت، لأُجبرت تركيا على أن تخضع لشروط أكثر إجحافًا من شروط معاهدة سيفر”

إلا أن هناك احتمالًا آخر لا يمكن تجاهله تماما، وهو أن الرئيس رجب طيب أردوغان لا يسعى لإغضاب أثينا، بقدر ما يسعى لتأكيد هيمنة تركيا على مجالها العثماني، وأحقيتها في ذلك، بدافع من المسؤولية التاريخية ربما، أو حتى لأسباب تتعلق بمصالح تركيا الجمهورية، سواء كان ذلك في سوريا، أو مصر، أو السودان أو العراق، وهي الدول التي فقدها الأتراك قبل أكثر من تسعين عاما.